الفصل 3
سجناء الظلال: أسوار قلوبهم ومفاتيح ماضيهم.
فصل السلامة
( عُد للفصل حيث إستقبلتني سارة بثرثرتها المعهودة وحكت لي عن مجموعتها التى تضم تلك الفتاة المغرورة، التي إتضح أن أسمها نيرا، وهناك فتى ثرثار كسارة تمامًا يدعى ويل، إنه هناك قرب النافذة وقد جمع الفصل بأكمله حوله، يبدو أنه يعرف كيف يكسب جمهور لنفسه، ربما لأن لديه كاريزما، أتمنى لو كنت مثله، لكني مع الأسف لا يمكنني؛ شخصيتي ضعيفة وعديمة النفع، إذا فتحت فمي يحدق الجميع بي بغرابة هل شكلي غريب أم ماذا؟ )
_ جين بماذا تفكرين؟ لقد صار وجهك مخيف بشكل مريب.
_ أه لقد كنت أفكر في الحصة التالية.
_ هكذا إذن...لنسرع ونتناول طعامنا هيا
وبينما سحبتني سارة، وقفت تلك الفتاة المدعوة نيرا أمامنا وسألتني بفضول، بينما عيناها السوداء الواسعة تتفحص ثيابي وهيئتي، عقدت ذراعيها وقالت: " مرحبًا أعتقد أنكِ جينفر روي، هل أنتِ جديدة في هذه المدينة؟ "
أجبت بثبات: " لا، لست جديدة "
_ لكني لم أركِ هنا من قبل!
_ هذا لأن المدينة كبيرة، وأشك بأننا سنلتقي فيها.
_ كلامكِ صحيح.... أمممم هل تعيريني دفتر الجغرافيا الخاص بكِ؛ أريد كتابة ما فاتني.
قاطعتها سارة بينما تُبعدها عن طريقنا: " هيا إبتعدي يا نيرا ستنتهي الفسحة قبل أن نرتشف حتى نقطة ماء...لنسرع جين "
خرجت الصديقتان وبقت نيرا محمرة من الغضب، لكنها هدات من روعها، نفضت شعرها الأسود اللامع وعادت لصديقاتها تثرثر بينما بدا ظلها يتحول للون الأحمر الباهت، إلتقطت فتاة من الباب صورة للظل بكاميرا يدوية وهربت بسرعة.
في كافتريا المدرسة ظلت الصديقتان تتناولان طعامهما بسرعة؛ قبل أن يرن جرس الدرس التالي. لاحظت سارة أن صديقتها جينفر لم تنهي نصف شطيرة الجبن ولم تمس عصير البرتقال المثلج قط، تسألت سارة بينما تتحس الذراع الهزيلة لجين: " ياه! جيني! هل هذه ذراع أم يد مكنسة؟ لما لا تتناولين غدائكِ؟ "
أجابت الأخيرة بعدم مبالاة: " لقد تناولت فطوري هذا الصباح لذا لا أشعر بالجوع"
_ آه! هل جُننتي مضى على الافطار الصباحي ستة ساعات، لا عجب بأن حجمك صغير، أُنظري إن رأسك بالكاد يصل لكتفي .
_ هذا غير صحيح!
_ بلى هو كذلك، هيا قفي وسنرى
وقفت جينفر وكذلك سارة التى لاحظت أن رأس صديقتها يصل لعنقها، فهزت كتفيها وعادت لمقعدها قائلة: " أنتِ محقة، على كل حال سأطول وستكونين كما أنتِ لذا أسرعي يا صديقتي وتناولي على الأقل قضمة أخرى، سأكون كوالدتكِ اليوم لذا تناولي غداكِ يا جيني بسرعة لتكبري يا صغيرتي....والدتكِ تقول هذا لكِ دائمًا أليس كذلك؟ "
ابتسمت وقالت: " نعم" بالرغم من أن هذا غير صحيح، لم تطلب مني والدتي يومًا فعل شيء، فقط تقول أن اهتم بصحتي وحسب، ماذا سيحدث لو إختفيت ليوم واحد، هل ستقلق علي يا ترى أم أنها ستسعد؟ )
وبينما كانت جين تفكر في أشياء سوداوية بعينان فارغتان، رجتها سارة من ذراعها وقالت بقلق: "توقفي عن فعل هذا، أنتِ تخفيني بهذه النظرات، دعي التفكير في اللاشيء ولنفكر معًا بفصل السلامة، قيل أن هناك ثلاثة معلمين لهذا الفصل سيتم تقسيمنا بين هذه الفصول، أتمنى أن تكون مجموعتنا مع مجموعتكِ، بالمناسبة لم تخبريني بأفراد مجموعتك "
كاد أن يسيح عقل جين من الحرارة، ومن ثرثرة سارة فأجابتها بينما تبرد عقلها بالعصير: " مجموعتي تتكون من فتاة مرحة ودودة وفتى مغرور "
_ فتاة ودودة؟.... أمممم
كانت سارة تفكر بإنزعاج، بدا جليًا أنها تعتقد أنني أفضل تلك الفتاة عليها...
_ رن الجرس لنذهب الآن ونآمل أن نكون في نفس الفصل.
تفرقت الصديقتان لتجتمع كل واحدة مع مجموعتها، ذهبت جين للطابق الثالث حيث وجدت الشقيقان بإنتظارها، حيتها صوفي بحرارة بينما إنشغل كوفن بقراءة كتاب ما. ولجوا لفصل كُتب فيه معلم السلامة 3 ويا للدهشة إلتقت الصديقتان مجددًا في نفس الفصل. عانقت سارة جين وظلت تثرثر معها عرفتها جين على مجموعتها بحماس على غير العادة قائلة: " هذه صوفي وشقيقها كوفن. صوفي هذه صديقتي سارة "
تقدمت صوفي وصافحت سارة المنزعجة بوجه بشوش مما جعل سارة تشعر غريزيًا بأنها ستحب صوفي هذه في النهاية لكن شقيقها لا. جلست نيرا الضجرة تراقبهم ببعض الغيرة، توجه ويل الواقف بجانب النافذة وبدا يحاول أن يفتح حوار مع كوفن الذي أغلق كل أبواب التعارف في وجهه.
مد ويل يده مع ابتسامة عريضة وقال: " لنحاول مجددًا، أنا أدعى وي...."
_ لا يهمني
_ حسنًا ما هو اسمك؟
_ هذا شيء لا يعنيك.
_ أنت صعب المراس، لكني لن أستسلم سنتعارف في النهاية شئت أم أبيت....مهلًا ما الذي تقرأه؟
أخذ ويل الكتاب من يد كلوفن وقرأ بصوت عالٍ: " كيف تتمكن من السيطرة على ذاتك؟..."
عندما رفع ويل رأسه ليستفسر عن معنى هذا تلقي لكمة قوية جعلته يعانق الأرض، شهقت جميع الفتيات بدهشة، بينما أسرعت صوفي من منع شقيقها من التمادي أكثر، وأثناء هذه الجلبة دخل معلم السلامة الفصل وقال بصوت هادئ عميق: " ما الذي يحدث هنا يا طلاب؟ هذا الفصل يدعى فصل السلامة لكني لا أرى أي سلام هنا "
( كانت هيئة هذا المعلم شبيهة بمعلم صفنا لكن الأختلاف في التصرفات، وجهه هادئ، وابتسامة عريضة سعيدة، عيناها الزرقاء المشعة بدد مريبة نوعًا ما، شعره شديد البياض، ولا أدري إذا كان قد صبغه ليصبح هكذا ام لا...وضع كُتب كان يحملها فوق دُرج مكتبه وطلب منا بلطف: " أرجوا أن تتعلموا معنى السلام من هذا الفصل، وألا تحملوا الضغائن لبعضكم البعض، والآن حركوا هذه الأدراج لتصبح على شكل دائرة لطيفة"
( وهكذا أخذ كل واحد منا دُرجه وشكله على نصف دائرة، طلب منا أن نجلس مع مجموعتنا لذا جلست بجوار صوفي التى أعطتني ابتسامة متحمسة، لمحت ويل يمسح بعض الدماء من فمه بينما يتمم بكلام غير مفهوم، لاحظت شيء يشبه الضباب يهمس في أذنه، هل أنا أتخيل أم أن ذلك الضباب قد إبتسم للتو! )
في هذه اللحظة تحدث المعلم وهو يجلس فوق
الدُرج: " حسنًا يا طلابي، ستكونون منذ هذه اللحظة طلاب فصل السلامة 3، أدعى المعلم بيري وسأكون مرشدكم الصحي حتى تنتقلوا للسنة الثانية، سأحرص على أن تصبحو أشخاص أقل عدوانية وسوداوية.... والآن لنبدا إختبار بسيط"
سألت نيرا بسلطة: " ماذا عن تعريف أنفسنا يا أستاذ بيري؟ "
ضحك الأخير بمرح وأجاب: " لا حاجة لهذا يا نيرا؛ لأني أعرف أسمائكم مسبقًا "
جلست الأخيرة كأنها تلقت طلق ناري، فضحك ويل عليها وكذلك سارة وصوفي بينما إلتزمت الصمت أنا وكوفن، أكمل المعلم وهو يُرينا بقعة سوداء على ورقة: " لنختبر بصركم أولًا....جينفر ما الذي ترينه الآن ؟ "
مع هذا السؤال المفاجئ إرتبكت جين وحدقت في الرسمة وقالت بشك: " مدرسة باللون الأسود؟ "
= أمممم
لم يجب و أكمل: " صوفي ما الذي ترينه؟ "
_ شجرة قديمة
= سارة؟
_ سيارة أجرة
= ويل؟
_ كرة
= جيد والآن نيرا؟
_ مكينة خياطة
= وأخيرًا كوفن ماذا ترى؟
حدق الأخير في البقعة وقد شحب وجهه، جفف جبينه المتعرق فحدقت فيه شقيقته بتعاطف فأجاب: " أراها بقعة سوداء وحسب "
عرف الجميع أنه يكذب أو أنا عرفت هذا؛ ربما لأني أكذب على الدوام أعرف أنها خطيئة لكنه الشيء الوحيد الذي كان يخرجني من ورضات جمة، على كل حال يبدو أن المعلم لم يلحظ فقد أومأ برضا وقال: " هذا صحيح هي مجرد بقعة سوداء وحسب، لكنكم تخيلتموها حسب ما تريده أدمغتكم، كل واحد فيكم يفكر في شيء يحاول جاهدًا أن ينساه لكنه لا يستطيع، هناك صمام أمان في أدمغتنا يحاول تجاهل ما يضر الجسد ويُنهكه من الداخل، لكنه عندما يوضع أمام خيار تخيل فسيتخيل ذلك الجزء الذي يزعجة كثيرًا، لما؟ لا ندري حقًا، ربما يريد أن يجعل مالك هذا الجسد يتأقلم مع مشاكله أو يحلها بطريقة ما والأحرى ليقاتلها بشجاعة. "
وبينما كان المعلم يشرح هذا شرد كل واحد فيهم وبدا كأنهم في عالم آخر. بعد ساعتين من دروس إرشادات السلامة، إنتهى الدوام المدرسي، دقت ساعة المدرسة لتعلن عن مجيئ الساعة الرابعة مساءً، وبينما كانت جينفر تبحث عن كتبها في الخزانة وجدت بعض الصور القبيحة وعبارات مثل " أيتها الغبية جينفر نحن نعلم أنكِ في هذه المدرسة لن تهربي منا هههه"
عبس وجه جين ومزقت العِبارات بشراسة أغلقت باب الخزانة وغادرت المكان بينما سار خلفها ظل أسود ضخم، بدأ كأنه يضحك بإستمتاع. ظلت الأفكار تدور في عقل جين الخائفة الغاضبة، على الأرجح كانت أفكار مخيفة. هنا مد الظل يده نحو جين فإخترق جسدها، إتسعت إبتسامة الظل أكثر لكنه تجهم وتراجع للخلف بغضب؛ عندما جاءت سارة معانقة جين. قالت لها بصوت حزين: " أين كنتِ يا جين؟ لقد أعتقد أنكِ عُدي للبيت بدوني "
تبسمت الأخيرة وقالت: " مستحيل أن أفعل شيء هكذا هل نعد الآن؟"
_ حسنًا. هيا بنا
عاد الطلاب لمنازلهم وهم يثرثرون ويودعون أصدقائهم الجُدد، التقت صوفي عند البوابة بجينفر وصديقتها، فودعتهما وغادرت رفقة شقيقها الذي إلقى نظرة طويلة لمبنى المدرسة التى إنعكس شفق المساء البرتقالي عليه، بعده صعد على السيارة التى جاءت لتقلهما، بينما سارت كل من جين وسارة حتى إفترقتا عند تقاطع طُرق مع الكثير من الوعود بالالتقاء غدًا في نفس الوقت.
( سارة فتاة طيبة القلب آمل أن تظل هكذا وأن لا تتغير أبدًا.....لحظة لقد سمعت صوت كاميرا! )
التفت جين فرأت فتاة تختبئ خلف أحد الأعمدة، تجاهلتها وأكملت سيرها، لكن الفتاة ظلت تسير خلفها وتلتقط عدة صور، عندها بدأت جين تركض بأقصى سرعة بينما تلاحقها الفتاة، وقفت جين فجأة وقالت بغضب: " أنتِ لماذا تلحقين بي؟ "
( كانت الفتاة وجها لوجه معي، لكني لم أرى وجهها بوضوح؛ لاني كنت أحدق في عدسة الكاميرا السوداء، ضحكت الفتاة وقالت جملة واحدة بعدها هربت بلا رجعة)
_ أنتِ مع الأسف سجينة الظلال، ظلال شخص آخر.
لم تهتم جين لهذة الفتاة وجملتها الغريبة، وسارت حتى وصلت لبيت عمتها هنا توقفت وتنهدت بقلق، حدقت بعينيها الرمادية التى تحولت للأرجواني بسبب تمازج لون الغروب، لسيارة سوداء لامعة تقف أمام البيت، همست لنفسها بينما تحكم قبضتها على حزام حقيبتها المدرسي: " لقد عاد أبي، علي أن أضع قناع سعيد على وجهي، وأن أحاول أن أثرثر معه فربما سينتبه لوجودي هذه المرة... نعم هيا بنا"
يتبع.....
ك/ azaher
AZAHER_AA