الفصل 10
سجناء الظلال: أسوار قلوبهم ومفاتيح ماضيهم.
الهارب
في الساعة الواحدة ظهرًا عند حديقة المشفى الكبير، كان المرضى يتجولون هناك بهدوء ويستمتعون بهواء بداية شهر حزيران الذي يُنذر بقدوم الخريف الذي يحبه سكان هذه المدينة الخانقة. جلس بعض المرضى على كراسي الحديقة والبعض الآخر على كراسي تدفعها ممرضات بثياب زُرق، كلون الطيور التى تتشجار الآن على فتات خبز ألقته لهم سيدة مسنة، كانت تضحك عليها بأربعة أسنان. كل هذا شاهدته عيناء جينفر المتحمستان من نافذة غرفة الطابق الرابع.
( لم أتخيل أنني سأحب المشفى يومًا، لكن الآن أرى كل شيء بديع ومشرق، ربما لأني لست مريضة فيها الآن وهذا جميل نوع ما.... في الحقيقة كنت أريد أن أبقى فترة أطول؛ لأن والداي لم ياتيا بعد، حسنًا لا بأس ربما سياتيان في وقت لاحق، الآن علي أن أساعد عمتي في حزم الأغراض. )
إبتعدت جين عن النافذة بسرعة وإنضمت للعمة المنهكة في حشر كومة ثياب لم يكن فكرة جلبها ضرورية على الإطلاق، وأثناء هذا دخل الخال أليكس من الباب بهدوء، فصرخت جين بفرح عند رؤيته وركضت إليه تسأله بسرعة وحماس متقد وصوت مبتهج على عكس شخصيتها: " لم أتوقع أن تترك عملك اليوم لتاتي وتزرني، أعتقد أن الزيارة لم تكن ضرورية؛ فكما ترى لقد أّطلق سراحي ونحن الآن عائدين للبيت، قال الطبيب أنني بخير وبصحة جيدة ويمكنني الركض كعجل صغير، لكن علي المجيء للمشفى عند نهاية كل أسبوع، ها ها ها ها كأني سأتي لهنا مجددًا...المهم الآن أترى أنا فتاة قوية لا يستطيع أي مرض مجابهتها ها ها ها. "
بعد هذه الجملة ركضت جين لتساعد في حمل الحقائب، ظلت تتحركة كسنجاب صغير سعيد.
في هذه اللحظة كادت دموع الخال من خذلانه والهروب منه في حين غفلة؛ فقد عرف أن ذلك التشخيص الطبي صحيح تمامًا، فهذه حتمًا أعراض مرض إضراب ثنائي القطب.
تنهد بألم وغطى وجهه بكفه؛ كتصرف إحتراثي من رؤية دموع متلألئة في عينيه الذي أشاح بها بعيدًا، تقدمت جين منه وسألته بقلق: " هل أنت بخير يا خالي؟ تبدو مرهق ومتعب، لا بأس سنعود للبيت الآن وستخظى بقسط كافي من النوم، لكن إستيقظ قبل مغيب الشمس أسمعت.... صحيح هل إتصلت والدتي بك؟ فهي منذ سفرها لم تتصل بي ولا أعرف إذا كانت بخير أم لا. "
حاول الخال صنع إبتسامة وأجاب ببعض المرح: " البارحة لقد إتصلت بي وقالت أنها إشتاقت لكِ كثيرًا، لكنها كانت مشغولة جدًا لذا لم تتمكن من الإتصال، صحيح! أخبرتها بانكِ في المشفى وقد كادت أن يغمى عليها من شدة الخوف ضمئنتها أنكِ ستكونين بخير، لكنها لم تصدقني وقالت أنها ستاتي الأسبوع المقبل. "
هنا تهلل وجه جين وضحكت بسعادة فعرف الخال أنه نجح في خداع إبنة أخته التي قالت خلف قناع مبتسم.
( هذا كذب، أنت كاذب كبير يا خالي، يمكنني معرفة هذا يمكنني إدراك الكلمات المبالغ فيها، لكن لا بأس سأصدقها سأصدق هذه الكذبة؛ فربما ستصبح حقيقية يومًا ما، ربما. )
بعد عدة ساعات في المدرسة، أوشك الدوام من الإنتهاء،
وكذلك اليوم البهيج الذي لن ينسونه أبدًا، كان جميع الطلاب ممتنين للسيد ليون لهذه الهدية المميزة التى أدركوا أنها لن تكرر إلا السنة المقبلة، فمديرهم رجل يبدو كغراب يجمع كل ما هو نفيث ويخبئه بحرص، لكن لا بأس فهذا اليوم يعادل عدة أيام من المرح.
حمل الطلاب الذين لم يخبو التألق من وجوهم المتبسمة حقائبهم وسارو عبر البوابة المعدنية الكبيرة بينما يثرثرون ويرسمون خطط ليوم الغد، الذي كان عطلة نهاية الأسبوع البهيجة.
في الردهات ظلت صوفي تبحث عن شقيقها كوفن ليعودا للبيت، فقد جاء السائق ليقلهم لكن أين إختفى هذا الأخ؟
إلتقت سارة بصوفي الحائرة وإقترحت عليها مساعدتها في البحث عنه، فربما يكون في منغمس في قراءة كتاب ما في مكان لا يجده فيه فتيان الإنضباط.
_ تذكرت! سأذهب لمكتب الإنضباط واسأل عن كوفن، فربما ذهب ليستعيد كُتبه من ويل.
_ هذا وارد يا سارة إذن سأبحث في الطابق الأول.
_ حسنًا
وهكذا إفترقت الصديقتان، واحدة بوجه مبتسم وأخرى بوجه مرعوب شاحب، عندما وصلت سارة لمكتب الإنضباط وجدت ويل يعيد بعض الأغراض للطلاب، فسألته بسرعة.
_ ويل! هل جاء كوفن لنها ليستعيد كُتبه.
فرك الأول شعره البني المحمر بتفكير وتعجب وأجاب
_ غريب! لم يأتي ذلك الصديق المغرور لإستعادة كنوزه الثمينة، ترى لماذا؟ ربما نسى وعاد للبيت.
هزت سارة رأسها الآن بقلق وقالت: " لا، هو لم يعد إن شقيقته تبحث عنه الآن و...."
قاطعها صوت ويل الذي كان يشير لباب المكتب المفتوح
_ هناك! إنه كوفن لقد مر من أمام الباب قبل قليل، يبدو أنه في عجلة من أمره!
أسرعت سارة من فورها وظلت تركض خلف كوفن الذي طار عبر الدرجات الكبيرة غير مدرك أن سارة تناديه، أو ربما يسمع هذا النداء لكنه تجاهله، وهكذا أمسك كوفن بحزام حقيبته السوداء وذات من سرعته وعندما لمح شقيقته في الردهة الواسعة تحت غير طريقه بسرعة فإلتقى بسارة التي صرخت فيه بغضب: " أنت! أيها المزعج هل أنت أصم أم ماذا؟ لقد ناديتك حتى بُح صوتي، إن شقيقتك تبحث عنك الآن وعليك أن تذهب إليها، صحيح أين كُنت؟ "
_ بئسًا! هذا ليس من شائنك يا حمقاء إبتعدي عن الطريق.
جاء ويل الذي يلهث وقال بضحكة: " نظف فمك يا فتى و...."
_ أنت! لا تتحدث معي، إبتعدا عن طريقي الآن أيها الأحمقان.
وقف ويل أمام كوفن بعناد وقال بتهديد: " هناك قوانين في هذه المدرسة، ويجب أن تحترمها، لذا لا تركض في الردهة من فضلك. "
صر كوفن على أسنانه وحاول المرور عبر ويل والركض، لكن الأخير يطبق النظام أفضل من أي شرطي، تحدثت سارة بإنزعاج: " ما هي مشكلتك؟ أقول لك أن شقيقتك تبحث عنك لما تهرب منها إذن؟ "
صرخ كوفن بغضب عارم ودفع سارة بعيدًا
_ قلتي لكِ إبتعدي أيتها الغبية وإلا ندمتي.
شهقت سارة الواقعة أرضًا بصدمة والتى كان نقطة ثوران بركانها هي الكلمات البذيئة فعبست وعقدت حاجبيها البنيان وردد بكلمات قاسية، بينما ترفع يدها بتهديد: " فتى سيئ! فتى شرير وبغيض، لو لم تكن شقيق صديقتي لأشبعتك ضربًا، يجب أن تتعلم معني الأدب....."
تقدم ويل ودفع كوفن على الجانب وأخرج ورقة وقلم وقال بجدية: " لقد تخطيط كل الخطوط الحمراء يا فتى؛ تستخدم العنف أمام فرد من فريق الإنضباط، سأكتب هذا السلوك وأسلمه للمدير الذي سيخبر والدك به وسيكون خائب الأمل من سلوكك المشين هذا. "
كانت الكلمات الأخيرة قد أعادت لكوفن موجة من الذكريات التى تدفقت لعقله المشوش فجأة، ترددت هذه الكلمات وبعض الكلمات القاسية وصور قائليها وبعض المشاهد التي نساها في السابق، أمام عينيه التى رأت القلم والورقة المرفوعة التى كتب فيها ما فعله بحبر أحمر، فتغيرت ملامح وجهه فجأة للغضب العارم، أسقط حقيبته وضوق بيديه عنق ويل وبدأ يخنقه بقوة، هنا أراد الأخير تحرير نفسه لكنه لم يقدر، فتلك الأذرع القوية تنوي سلب أنفاسه بلا ريب، رفع ويل قبضته وضرب بها كوفن وتدحرجا على الأرض وقد إجتمع بعض الطلاب لرؤية هذا العراك، حدقت سارة الواقعة أرضًا بعيون مندهشة، لعراك لم يكن كأي عراك؛ فقد بدا جليًا أن كوفن عازم على ق..تل ويل، الذي كان أطول من الأخير لكن مع هذا لم يجد فرصة لتحرير رقبته، فجأة! ظهرت أيادي حمراء بمخالب من جسد ويل وطوقت بدورها رقبة كوفن الذي أطلق صرخة متألمة، جاءت صوفي شاحبة الوجه وصرخت بخوف.
_ كوفن!!!!
إختفت الأيادي الحمراء لتترك علامة أشبه بالحرق على رقبة كوفن الذي أفلت بدوره رقبة ويل فاقد الوعي وأطلق ساقيه للريح، بعدها إختفى عن الأنظار. أسرع بعض الطلاب لمساعدة ويل، بينما تقدمت صوفي لمساعدة صديقتها الغير مصدقة أن كوفن قد كاد أن ينهي حياة ويل، لم تشرح صوفي لصديقتها سبب هذه الفعلة؛ لأنها كانت مصدومة بدورها وقد لجمت الدهشة لسانها لكن عقلها ظل يردد( أخي مالذي حدث لك!؟ لما عد تتصرف بهذه الطريقة؟! لقد قال الطبيب أنك شفيت، لكن...لكن.... لما؟ هناك أمر ليس في مكانه. )
كأن هذه التساؤلات وصلت لمُبتغاها، فقد كان على الشارع الرئيسي الذي يركض فيه فتى بأنفاس متصاعدة، يكرر بصوت مسموع: " لا أدري لماذا أفعل هذا، لا أدري، سامحيني يا صوفي لكنكِ لن تري وجه شقيقك السيئ هذا مجددًا، نعم لن أعود للمنزل ولن ألتقي بذلك الشخص غدًا، سأهرب نعم سأهرب لنهاية هذا العالم وأختفي للأبد، لأني لا أريد أذية المزيد من الأشخاص لا أريد العودة للماضي ولن أواجه، ولن أتألم من جديد آسف يا أختي، آسف أبي، آسف رفاقي، آسف يا نفسي، ذلك الماضي المروع يطاردني ولن يدعني إلا إذا هربت منه، نعم لن ألتفت الآن للورا، بل سأمضي قدمًا. "
مع هذه التأكيدات المغلفة بنبرة حزن وعينان تائهاتان، ركض كوفن بجسد متصلب، وقدمان لا تعرف إلى أين ستقوده، ربما المجهول أو نهاية العالم كما يزعم، لكن الآن كل ما تعرفه هذه الأقدام أن عليها أن تركض بعيدة عن وجوه وأماكن مألوفه لها، ومع آخر شعاع مغيب مذهب أراد بث الآمل في قلب مثقل ومتخبط بمشاعر جمة، إختفى صاحب هذا القلب وسط ثرثرة وزحام الناس كشبح يبحث عن أجداث تؤنسه بدل هذا الزخم الخانق.
يتبع.......
ك/ azaher
AZAHER_AA