بين الصمت و الكلمات

بين الصمت و الكلمات

22 0

يوم مشمش تنضح فيه الحياة بعد هطول الأمطار ، تلك الرائحة الزكية المختلطة بعبق أوراق الأشجار و تربة الأرض ، تجعلك تستنشق هواء نقيا يريح صدرك في تلك اللحظة .

كان هذا اليوم مناسبا لنزهة في الخارج ، لكن من يدري ما قد يحمله معه؟

و هاهي نورا واقفة أمام المرآة تتأكد من مظهرها قبل أن توافي أخويها ، آدم و أيوب .

قد طلب منها أدم أن يتجولا في المدينة ، فوافقت على ذلك لكونها أحبت أن تغير من روتينها المعتاد ، و بشكل ما انظم أيوب لهما خلف عذر، أنه لا يطمئن لأفكار آدم السخيفة و المتهورة ، و هذا ما لم يرق آدم كثيرا .

................

في داخل السيارة، كانت نورا جالسة بهدوء في المقعد الخلفي بجانب آدم ، و أيوب يقود السيارة بينما تنزلقان عيناه نحو المرآة الداخلية ، يرى نورا تنظر من النافذة إلى حين يريها آدم شيئا في هاتفه فيضحكان بخفة.

نزلت نورا من السيارة تنظر للشارع و الناس التي تمشي بجانبها ، إلى أن شعرت بيد آدم تجذبها للسير ، توقفوا بجانب متجر لملابس النساء ، لتنظر لهما بنوع من الإستغراب ثم قال آدم بعد ما رأى نظرتها .

ماذا؟ لا توجد نزهة بلا تسوق.

أليس كلامي صحيحا ؟

حول نظره باتجاه أيوب ، الذي اكتفى برفع كتفيه ثم دفع الباب ليدخل.

كانت نورا تنظر بتمعن إلى كل تلك الملابس المعروضة بإتقان، بألوانها المريحة للنظر.بالإضافة إلى تلك الأضواء الدافئة التي برزت نوع القماش و زادته لمعانا . كلما لمست نورا شيئا ما، طلب آدم من الموظفة المسؤولة إحضارها باللون البنفسجي ، ذلك جعلها تخجل بصورة انتبه لها أيوب ، ففي المرة التي كان سينطق فيها آدم دفعه أيوب على ظهره قائلا كمن كان يسخر .

يا ذكي ، ليس ضروريا أن ترتدي لونها المفضل دائما .

أدار رأسه و بعينيه المفتوحتين متسائلا

حقا؟

بعدما اشترت نورا ما أثار انتباهها من ملابس ، ها هم الآن يتجولون في شوارع المدينة ، يمشون معا و يضحكون في كل ثانية بسبب كلام آدم.

نورا ظلت مبتسمة طوال النزهة ، كانت المرة الأولى التي ضحكت فيها كل هذه المدة.

لكن هل يمكن أن تتغير هذه المشاعر ؟

.............

فتح آدم باب المقهى ، وفي أول خطوة فاحت رائحة القرفة و الكراميل ، أرضية رخامية لامعة و طاولات خشبية تحت الأضواء الخافتة ، أثار نظر نورا رفوف الكرواسون و الماكرون بألوانه الزاهية.

تقدمت سيدة عجوز مالكة المقهى ، ترحب بهم بعينيها الدافئتين ، ابتسمت لها نورا بالمقابل .

وصلت الأطباق إلى طاولتهم ، كانت تلك الرائحة الزكية تغري أنوفهم ، دفع أيوب و آدم أطباقهما أمامها حتى تتذوق من جميع الأصناف ،رفضت في البداية، إلا أنها قبلت بعد إلحاح منهما.

بعد برهة ، نهضت بهدوء و هي تقول

أحتاج للذهاب إلى دورة المياه

سارت في الرواق الضيق تبحث عن المرافق، فجأة اصطدم بها شخص بقوة ،فتراجعت خطوة إلى الخلف و هي تلمح الهاتف الذي سقط من يده.

رفعت نظرها إليه، فوجدته يضيق عينيه بتهجم ثم قال بنبرة انفعالية.

ألا تنظرين أمامك؟

ضاقت حدقة عينيها وهي ترد عليه

كنت محدقا في هاتفك، لذا ربما لم ترى أمامك ، يا سيد .

تقدم خطوة و هو يحرك سبابته

ماذا ؟ هل تقولين الآن أنني السبب؟

قالت نورا محاولة إنهاء الأمر و تجاوزه

لم أقل هذا... من الأفضل أن يكمل كل منا طريقه.

شد يدها فجأة، فالتفتت إليه بعينيها المتسعتين

لم نكمل كلامنا بعد

كانت على وشك قول شيء ، إلى أن لمحت أيوب يتقدم أمامها كدرع قائلا

هل من مشكلة؟

نظر ذلك الشخص له لبرهة، ثم سار مبتعدا لينظر لها أيوب و يقول

لا يجب أن تبتعدي كثيرا .

همست بحدة خافتة ترد عليه

أستطيع الإهتمام بنفسي

قال جملته الثانية بخفت ، لكنها كانت كافية لتصل لأذنها .

حقا؟..لا أظن.

ثبتت نظرها عليه في تلك اللحظة ، وهي تحفر أظافرها في راحة يدها ، انسحبت من ذلك الظل الأسود الذي كان يقيدها بلا حراك ، دخلت إلى دورة المياه بعد ذلك ، فتحت الصنبور ، تترك الماء ينساب على يدها ، محدقة بعينيها المتعبتين ، كأنها وجدت فيه راحة خفيفة لها، رفعت رأسها لتنظر للمرآة أمامها ، همست لنفسها قبل أن تدفع الباب و تخرج.

لا شيء ..لم يكن شيئا.

سارت نحو مكان إخوتها ، تحاول أن تثبت مشاعرها، لمحتهما جالسان، موليان ظهرهما ناحيتها، سمعت صوت  آدم ، لم تكن تريد استراق السمع ...لكنها سمعت.

إذا هذا ما حدث...يجب أن ننتبه لها أكثر.

رد أيوب بجدية

تلك طبيعتها ...تجعل الآخرين يتمادون.

صحيح، يمكن أن يحدث معها في المستقبل شيئا أكبر .

سكنت في مكانها كحجر متصلب، شدت سترتها مضيقة على يدها،تلك الثانية لم تتنفس فيها،لم تسمع شيئا قربها إلا ما دار أمامها،و على حين غرة ، تقدمت أمامهما.

هل أبدو لكما ضعيفة إلى هذه الدرجة؟

اتسعت عيناهما دهشة ، سكنا ، لا رد

أعادت السؤال، بصوت مكسور أكثر.

حقا...إلى هذه الدرجة؟

ثبتت صوتها ،و هي تنظر لداخل عينيهما

و من تكونان...حتى تحكما علي هكذا؟

لم تنتظر ردا ، سارت مسرعة إلى السيارة ، فلحقا بها .

.........

الجو مشحون ، لا يسمع إلا صوت التنفس في المكان ، الإخوة جميعهم موجودين ينظرون لبعضهم البعض، عرفوا ما جرى مع نورا ، فجأة قام أيوب ، مشى حتى اقترب من نورا، كانت جالسة تتبع بنظرها أيوب ، تحاول أن تهدئ نفسها، نطق أيوب بنبرة هادئة.

لقد خفنا عليك ، و حاولنا حمايتك .

خفتم علي ... قالتها و هي تضع يدها على صدرها .

و هل الخوف يبرر أنكم ترونني عاجزة ؟

ارتبك لحظة ، نحن...

قاطعته و هي تتقدم نحوه حتى صارت المسافة أصغر.

نظرت لعينيه و هي تشير بإصبعها نحوه.

أنتم تتحدثون عني خلف ظهري.

أنتم ترونني ضعيفة.. لا أقدر حتى على حماية نفسي.

هذه المرة قالت و هي تنظر لجميع الإخوة.

ظننت أننا صرنا ..عائلة!

ظننت أن هذا.. كان حقيقيا .

توقفت لحظة و هي تقول بحرقة

هل كل هذا اللطف ..كان شفقة؟

توسعت أعينهم و ضاقت صدورهم .

قالتها ببرود

أنا لا أريد شفقتكم.

نعم.. أنا لا أحتاجكم.

ثم استدارت، أغلقت باب غرفتها .

.....

بعد ذلك مرت أيام تحت وطأة الصمت، كل ما يتكرر في ذهنهم أنها لا تحتاجهم، لا أحد يقترب ، لا أحد يعيد إحياء ذلك اليوم،يمرون بجانب غرفتها ، يتوقفون قليلا ثم يكملون طريقهم، في هذه اللحظة لا يريدون أن يقولوا شيئا مؤذيا أكثر.

نورا جلست على المائدة، لا يسمع شيئا إلا أصوات الملاعق و الصحون، أنهت طبقها و غادرت بصمت .

نورا كانت داخل غرفتها تدرس ،حتى سمعت طرقا على الباب ، نظرت للباب المغلق لحظة ثم قامت لتفتح،

كان يوسف متكئا على الحائط ينتظر بهدوء .

هل يمكن أن أدخل.

نظرت له نورا لثانية_ نعم.

جلس يوسف على الكرسي قربها ،

ربما نكون قد أخطأنا في فهمك .

توقف لحظة بعدما لم يسمع ردا من نورا

كنا نظن أننا نحميك.

لكن الحقيقة كنا خائفين.

نظرت له بتركيز الآن ، هو كان يعلم أن ما قاله ليس تبريرا ، و ليس اعتذارا يغفر ما سبق.

قام حتى كاد يخرج و استدار

نورا ،إن احتجت شيئا ..

نظرت له للحظة ثم ابتسمت ابتسامة خافتة ._شكرا.

....

جلس الجميع في الصالة ، آدم يمزح مع أيوب، نورا تنظر لهم للحظات قبل أن ترجع نظرها لهاتفها ، حتى سمعت خالد يناديها، جاعلا من الجميع يركز عليهما، قدم لها كوب قهوة .

جلست تتأمل الكوب بين يديها للحظات قبل أن ترفع نظرها له و تبتسم ، فابتسم الإخوة على إثرها.

كانت تدور في أذهانهم أنها لم تبتعد عنهم كثيرا ، لا تزال لديهم فرصة حتى يصلحوا الأمور.

نورا لم تنسّ ، و لم تخطط لمصالحتهم بهذه السهولة ، ما زالت ذاكرتها تذكرها بما حدث في المقهى ، فجأة أخرجها من شرودها رنين هاتف خالد

نعم ؟ حسنا يا عمي .

قطع خالد الإتصال و هو يقول بنبرة جعلها هادئة

العائلة ستأتي.

مرت بضع نظرات بين الإخوة ، نورا أحست بثقل هاتين الكلمتين ، لم تكن لديها أدنى فكرة عن كيف ستتصرف معها العائلة.

.....

يتبع

كيف كان شعوركم مع هذا الفصل؟

هل هناك مشهد لامسكم ؟

رأيكم يهمني♡

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حين تكون العائلة كل شيء

المؤلف miiaarrro
2025/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة