كان جميع الإخوة على المائدة يتناولون الغذاء ، نورا تشعر بهدوء مطمئن على غير العادة ، لم تندم على حديثها مع إخوتها بالأمس بل العكس تماما ابتسمت ، لأنها تشجعت لأول مرة و أتاحت لنفسها فرصة للبوح بما كان حبيسا في صدرها ، رفعت عينيها لتنظر لإخوتها للحظة ، أحست أنها اقتربت منهم أكثر و هذا أسعد قلبها حتى و إن لم تدرك ذلك .
قاطع تفكيرها حركة آدم قربها و هو يقول
أنا سأُقَطِّع لك اللحم .
حاولت نورا أن ترفض بهدوء وسط أنظار الإخوة التي جعلتها مرتبكة ،لكن آدم لم يكن كشخص يستمع .
ثم نبس كرد قاطع
أخاف أن يجرح السكين أصابعك ،لذا سأتكفل من الآن فصاعدا بمثل هذه المهمات الخطيرة جدا .
نطق أيوب بعدها و هو ينظر لآدم بسخرية
لن يكون إسمك آدم إن لم تكن تبالغ بكل شيء
قال خالد و هو يؤيد كلام أيوب
أنت لا تساعدها بهذه الطريقة بل تزعجها .
سكت آدم قليلا كمن كان يفكر في جواب يقوله
أنت يا أيوب ألست من لم تدعها تحمل مجموعة الكتب مع أنها قالت أنها ليست ثقيلة .
هل أنا من يبالغ الآن ؟
و أنت يا خالد من أزعجت نومها البارحة في كل ثانية،و أنت تقول .
غير آدم صوته في الجملة الأخيرة ليصبح مثل صوت خالد لكن بطريقة غريبة
أنا فقط أطمئن عليها ، ألم يكن ذلك إزعاجا؟
هرب آدم قبل أن يكمل كلامه بعد أن رأى خالد يقترب منه.
تعال أيها الجبان ، أين هي شجاعتك ؟
يا إلهي ،و يقلدني أيضا !
أدار آدم وجهه نحو مكان أخيه ليقول
أين هو حقي في حرية التعبير ، ستعاقبون على هذا .
نطق خالد قبل أن يعود لمكانه بيأس من تصرفات أخيه
يبدو أنني أهملت في تربيته حتى لم يعد يحترم أخاه الأكبر.
كانت نورا تشعر بشعور متناقض بين الإرتباك من شجار إخوتها و رغبتها في الضحك ،إلا أنها حاولت أن تتدارك الأمر لأنه لن يكون جيدا إن سمع صوت ضحكتها وسط جديتهم .
انتبهت نورا لصوت يوسف و هو يخاطبها لتستمع له
نورا، أنت هل كنت تشعرين بالإنزعاج من تصرفاتهم مؤخرا؟
كان الجميع ينتظر سماع ما ستقوله ، نورا كانت تفكر أنها ربما انزعجت من اهتمامهم الزائد قليلا لكن لن تنفي أنها ابتسمت في كل مرة يساعدها أحد من إخوتها حتى و إن كان ليس ضروريا.
كان كشيء تتصرف كأنك لا تريده لكن في أعماقك تسعد به و تتمنى أن لا يختفي .
كلا أنا لست منزعجة لكن ليس عليكم الإهتمام بي هكذا .
رد عليها خالد لتبتسم له نورا ابتسامة كأنها وافقت على ما قاله
إذا انزعجت من مبالغتنا في وقت ما ، قولي لنعرف.
..........
مرت نورا قرب نوح و هو متكئ بدراعيه على حافة الشرفة، يحتسي قهوته بين فينة و أخرى ،قد بدا علي التفكير في شيء ما .
برؤيته هكذا فكرت نورا أنه لم يكن يمزح مع آدم و الآخرين فيما مضى ،و شعرت كأنه كان مبتعدا عنها قليلا و لم يتكلم معها كما فعلوا الإخوة الآخرين .
يا ترى هل صادفته مشكلة ما ؟
لم تدرك نفسها إلا و هي تتقدم نحوه ، لم يكن في بالها شيء لتقوله ، فقط أرادت أن تكون بقربه حتى و إن لم يخبرها عن سبب تفكيره.
وفي هذه اللحظة شعر نوح بشخص بجانبه ، ليدير جدعه العلوي نحوها ، تنحنح بتوتر لأنه لم يتوقع أنها هي من تقابله الآن، ثم استجمع نفسه ليقول
نورا ، هل توجد مشكلة ما؟
صمتت للحظات قبل أن تقول و هي تحاول أن تبتسم في نهايه كلامها
كلا ، كل شيء بخير .
و أنت ؟
رد عليها بإيجاز
نعم ، جيد.
أخذت نورا نفسا قبل أن تقول بشجاعة ما فكرت فيه
لاتتعمق في التفكير وحدك ، شارك الآخرين أيضا ما يقلقك.
نعم!كان هذا ما ما قاله يوسف لها ، كانت تنظر لوجهه تنتظر كيف سيتفاعل .
لكن هي شعرت بالتردد مما قالته، هل تسرعت قليلا؟ فات الأوان الآن هو سمع ما قالته.
نوح ثبت نظره عليها بتفاجئ من ما سمعه من أخته حتى ضحك بخفة ، ضحكة رجولية رنت في صدى المكان ، كانت لا تزال نورا تنظر له مستغربة من ضحكته.
عذرا ...لكن لم أتوقع أن أسمع هذا منك أنت.
وسرعان ما عاد إلى جديته ثم نطق
الأمر يتعلق بك.
ردت نورا بسرعة ، بدون تفكير و بعينين متسعتين
أنا؟
أومأ برأسه ثم قال
أظنني أدين لك باعتذار .
أجابته بغير فهم
لماذا؟
لِمَ تعتذر؟
تجنب النظر في عينيها و هو يقول بهدوء
بالأمس ، أظنني تعديت حدودي و أجبرتك على البوح بماضيك.
فتحت نورا فاهها قليلا و هي تتسائل مع نفسها ، لهذا السبب كان يبتعد عني و منشغل بالتفكير .
قالت و هي تثبت نظرها على عينيه.
ليس عليك أن تعتذر، فأنا لم أفكر بالأمر بهذه الطريقة.
و يمكن..أنه علي أن أشكرك لأنك ساعدتني في التحدث .
نظر لها للحظات قبل أن تكمل نورا كلامها .
كنت أجد صعوبة في طرح الموضوع ، لنقل أنك قدمت لي يد العون .
انفلتت ضحكة قصيرة بين شفتيه ، علم أنها تخبره أن يتوقف عن التفكير بهذا الشأن.
هل تعلم صرت تعتذر كثيرا مني؟
رمقها بعيونه للحظات قبل أن يرد بسخرية
نعم ، بطبيعتي لا أستطيع أن أتحكم بنفسي في تلك اللحظة ثم في نهاية المطاف أعود معتذرا.
مالت شفتاها بابتسامة قصيرة قبل أن تقول بجدية.
لكنني أحب هذا الشيء فيك ، أن تعتذر في النهاية .
أرى بأن هذا شيء مهم كثيرا.
ارتخى حاجباه فجأة و لمعت عيناه بشيء من التأثر .
اندهشت نورا بعد أن شعرت بيده تربت على رأسها و هو يقول.
يا إلهي ، كنت على وشك البكاء يا أختي العزيزة.
أدارت رأسها للحظة تتسائل إن كان ما قالته يدعو للبكاء أم أنه يبالغ .
............
كانت نورا جاسة في الصالة تحمل كتابها تقرأه بتركيز و
بجانبها أيوب يتصفح هاتفه و الآخرين يشاهدون التلفاز ثم فجأة نطق آدم ليركز الجميع معه.
الجميع ركزوا سنلعب لعبة صغيرة ، سأبدأ أنا و أختار أحدا و أسأله و يجب أن يجيب مهما كان السؤال.
ثم هو يسأل شخصا آخرا .
شعرت نورا بتوتر من هذه اللعبة ثم نطق أيوب و هو يخاطب آدم.
و ما الذي يجعلنا نلعب اللعبة التي تريدها؟
رد عليه آدم قبل أن ينظر للموجودين بتمعن حتى يختار من يريد.
هذا لكي لا تكون شخصا مملا ، و الآن لنرى من ..من سيجيب .
لم يكن يبدو على الإخوة الإهتمام باللعبة أما نورا فقد كانت تراقب نظراته و تتمنى أن يختار شخصا آخر غيرها ، على الأقل ليس البداية .
اخترتك أنت يا نورا.
أغمضت عينيها في تلك اللحظة و هي تقول في نفسها نعم هذا حظي و أعرفه ، حتى الأساتذة في المدرسة لم يكونوا يروا شخصا غيري في الفصل.
إذا نورا سؤالي لك سهل ، من هو الأخ المفضل لديك .
و انتظري أريدا شخصا واحدا فقط.
ارتبكت نورا ، شعرت و كأن الكلمات عالقة في حلقها.
تم ردت بتردد .
لا أفضل واحدا على آخر .
احتج آدم بجدية و هو يقول
كلا قلت شخصا واحدا ، هذه هي اللعبة .
أحس أيوب بارتباكها و قرر التدخل
اختاري الأخ المفضل اليوم فحسب ، لا تقلقي لا أحد سيحزن إلا من سأل السؤال وهذا لا يهم.
ترددت قليلا ثم نطقت بسرعة
إنه نوح
قام آدم من مكانه بصدمة و هو يقول
لماذا ؟ أعيدي التفكير ألست أنا؟
شده يوسف من ظهره ليجلس ثم نطق
أنت من قلت لها أن تختار ، لا تسألها عن السبب .
نطق نوح بسخرية و هو ينظر لآدم
هل سمعت ، قالت أنا المفضل لها .
رد أيوب عليه ثم خاطب نورا
لا تغتر إنه لليوم فحسب .
نورا حان دورك اسألي الآن.
و سرعان ما أكملوا الحديث غير مهتمين بآدم الذي لم يجتز الصدمة، فكرت نورا في من ستسأل لتقول
سأختار يوسف .
ركز يوسف بنظراته عايها منتظرا ما ستقوله
ما اللون الذي تحبه ؟
رد يوسف بهدوء
أسود ، و أنت ؟
ترددت قليلا بإجابتها و كأنه سؤال صعب لتقول
أحب اللون البنفسجي
رد يوسف بإيجاز و على شفته ابتسامة تكاد لا ترى
يليق بك
صاح نوح وسط الهدوء
و لكن لا ، هذا سؤال سهل ليس ممتعا هكذا.
لأسئلك أنا هذا السؤال
نطق يوسف
ما هي المرة التي ظننت فيها أنك ذكي؟
أجاب نوح بغير فهم
لحظة لم أفهم سؤالك .
حسنا أخذت جوابي .
انتظر لماذا تقول أنني ظننت.
كان نوح يتخبط ليخبره يوسف لكن بلا جدوى.
...........
أصبح المنزل هادئا طوال الأسبوع الماضي ، نورا في الغالب تظل في غرفتها لمراجعة دروسها، في حين هذا لم يكن هو السبب الوحيد ، شعرت كأن إخوتها يتوقفون عن الحديث إذا لاحظوها ، لم يكن الأمر مهما لها في البداية ،فكرت أن ربما تكون أمور عمل لا دخل لها بها ، لكن مع مُضِي الوقت إلتهمها الفضول لتعرف السبب حقا.
عطشت قليلا فرغبت أن تنزل للمطبخ ، وها هم الإخوة سكتوا بمجرد دخولها ، تجاهلت الأمر كليا في هذه اللحظة.و بعدما مشت لتعود توقفت للظات على مرأى عيون الإخوة و قالت.
آدم
أجابها ببطئ و في يده كتاب يمثل أنه يقرأه بتركيز
_نعم ، ما الأمر نورا؟
ردت عليه نورا ببرود لتكمل سيرها
_إقلب الكتاب ، فأنت تمسكه بطريقة خاطئة.
_ها..؟
ضرب أيوب كفه على جبهته و هو يقول
غبي ، متى كنت تقرأ الكتب ؟
أجاب آدم وهو يرجع الكتاب لمكانه
ماذا أفعل؟ لقد أخذت أقرب شيء أمامي.
أغلقت نورا باب غرفتها و هي تتساءل بغرابة عن الأمر الذي يحدث.
...................
جلست نورا تتأمل الخارج من نافذة غرفتها و إذ بها تسمع طرقا ، مشت لتفتح الباب لتجد أيوب يبتسم لها و يقول.
تعالي ، نحتاجك في الأسفل.
ذهب قبل أن يسمع ردها، نظرت بغير فهم لتتبعه بدون فكرة عن الشيء الذي يحتاجنها فيه.
و هي تنزل من الدرج ، لمحت بالونات بأحجام مختلفة مصطفة على الأرض و زينة تلتف على الجدران ،فجأة اندهشت من الصوت القريب منها .
عيد ميلاد سعيد نورا .
أجابت نورا و هي تلمح اجتماع الإخوة حولها .
أي عيد ميلاد؟
أجاب نوح بسخرية .
يا نورا! لم أنت ساذجة ، عيد ميلادك أنت بالتأكيد.
قالت نورا بعد لحظات من التفكير
آه ، نسيت الأمر تقريبا.
قال خالد و هو ينظر لآدم
كنا سننسى ذلك لو لم يذكرنا آدم.
ابتسمت نورا لتستمر في النظر للزينة بفرح ، لتسمع أيوب يقول.
حاولنا أن نصنح شيئا جميلا ، هذا ما استطعنا عليه .
تكمت نورا و هي تمشي نحو المائدة .
أحببت هذا ، أصبح المكان جميلا حقا.
ابتسم الإخوة على الابتسامة التي شقت وجهها، ثم وقفت لترى عبارة كل عام و أنت بخير نورا باللون البنفسجي، يبدو أنهم أخذ لونها المفضل بعير الإعتبار .
أعددنا بعض الهدايا، و التي أخذت منا وقتا للتفكير.
قالت نورا و هي تنظر لجميع الإخوة.
حقا؟
مشى نوح قربها و هو يحمل باقة ورد ، لمحت نورا الورد بين يديه لتتسع عيناها و هي تقول.
كيف عرفت أنني أحب ورد اللافندر؟
غمز نوح و هو يقدم الباقة لها ثم قال .
أنا أعرف ، كلاكما أنت و اللافندر لديكما أجواء نشر الراحة و السكينة حولكما .
أغمضت عينيها للحظة و هي تشم ورد اللافندر، متأثرة بما قاله .
و بعد ذلك تقدم يوسف بخطى واثقة ليضعه في يدها العلبة المخملية ،ما إن فتحتها حتى ظهر بريق القلادة بحرف N ، رفعت عينيها نحو يويف لتبتسم له فرد لها الإبتسامة و هو يقول.
هذا لكي تتذكري أننا دائما معك.
قال أيوب بمرح و هو يمد لها رواية عن التحقيق .
هذه أفضل هدية ستعجبك .
أخذت نورا الرواية بيد يديها و هي تتلمس صفحاتها بغير تصديق.
كيف عرفت أنني أحب هذا النوع ؟
أجابها أيوب وهو يبتسم لها.
رأيتك تقرئين شيئا كهذا من قبل ، و أنا أضمن لك أنك سحبيها بعد قرائتها.
شكرته نورا لتشعر باقتراب خالد قربها و هو يلف وشاحا بنفسجيا على عنقها بلطف قائلا.
_يجب أن تحرصي على أن لا تبردي ، حسنا؟
أومأت برأسها بالإجاب قبل أن تسمع تعليق أيوب و اضحك بخفة.
اليوم جعلناك لا ترين إلا اللون البنفسجي ، أخشى أن لا تحبيه بعد الآن.
اقترب آدم و هو يقول بطريقة مسرحية .
و الآن مع الختام ، أفضل هدية الليلة من نصيبي .
هل أنت متشوقة؟
ابتسمت نورا و هي تهز رأسها بالإيجاب.
هديتي هي أنني أمنحك فرصة لحضن مجاني مني ، مارأيك ؟
أدار الإخوة أعينهم على تفاهة أخيهم ، ليقول نوح باشمئزاز.
من سيحضنك ؟ أسرع و أعطيها هديتها.
رد آدم عليه قبل أن يلوح بتذكرة أمامه.
هنا توجد تذكرتين لمدينة الألعاب فقط، حتى لا يحشر بعض الأصناف أنوفهم فيما لا يعنيهم .
و الآن يا نورا أسمح لك بحضني.
جرها أيوب معه ، تاركا آدم ينتظر و هو فاتح دراعيه .
انفخي على الشمعة حتى نقطع الكعكة .
...
miiaarrro