(في اللحظة التي رفعت فيها نورا يدها لتطرق الباب ، فكرت في ما قاله فتراجعت عن قرارها و أسرعت نحو غرفتها.)
_ هو يريدني أن أذهب من هنا ، ربما لم يكن يريدني منذ البداية . أيكرهني ؟ صحيح هو كان دائما يتجنبني و ...
إذا أنا لن أتكلم معه ولن أشرحه له شيء ، إذا كان سيتجنبني فليفعل ...لن أكترث لأمره ، نعم لن أفعل.
(سارت نورا نحو الكتب التي وضعتها فوق المنضدة ، تقرأ منها لعلها تصرف ذهنها عن التفكير لكن بدون جدوى ، تظل كلمات نوح تراودها .)
_ لكن لم هذا الشعور بالقلق يتمسك بي ،لم أنا قلقة ، ما السبب؟
(كانت نورا مستلقية على السرير تنظر للسقف حتى سمعت صوت طرق على الباب ، ارتبكت لأنها كانت تعرف أن إخوتها سيتحدثون معها وهي لم تكن مستعدة . مشت نحو الباب وفتحته فانصدمت من الواقف أمامها لأنه كان آخر من ظنته سيطرق بابها وذلك بالتفكير في شخصيته ، في الجهة الأخرى كان يوسف ينتظر بصبر وهي تحدق فيه حتى نطق فانتبهت أنها أطالت من التحديق فصرفت نظرها عنه وتحركت لتترك له المسافة حتى يدخل .)
_ألا أستطيع أن أدخل ؟
_آه... تفضل .
(خطى يوسف نحو الكرسي بجانب المنضدة وجلس عليه و حدق في الغرفة قليلا قبل أن يقول .)
_ على الأقل هناك شيء يجيد فعله آدم ، لقد جعل الغرفة جيدة .
_نعم ... إنها أنيقة.
_ هل أنت مشغولة ؟
_كلا، لست كذلك .
_ إذا لنخرج قليلا ، ربما سيكون جيدا لك.
_أنا... نعم لنذهب .
_ ارتدي معطفا فالجو بارد اليوم ، سأنتظرك في الأسفل.
(ارتبكت نورا قليلا من طلبه ثم بادرت في الاستعداد ، كان يوسف ينتظرها في الأسفل متكئا على سيارته فرآها تنزل على الدرج فنطق .)
_هل أنت مستعدة؟ هيا إذا .
_ نعم ، لنذهب .
(كان الصمت يعم المكان حتى نطقت نورا .)
_إلى أين سنذهب ؟
_لا تقلقي ، أعرف مكانا ستحبينه وستجدينه مريحا.
(نزلت نورا من السيارة بعدما وصلا للمكان فانبثقت رائحة منعشة إلى أنفها ، فأدركت أن. هذه كانت رائحة البحر ، أخذت نفسا عميقا و كأنها أخيرا عرفت معنى أن تتنفس ، شعرت بشعور مريح وأحست أن ذهنها صاف ، شعور لم تعرفه منذ مدة ، كانت منغمسة في عالمها وحدها تستمتع بذلك الهدوء حتى وعت أن أخاها يوسف بمقربةمنها ، فارتبكت من نظراته قبل أن يخرجها صوته من ارتباكها.)
_تعالي لنجلس على ذلك المقعد .
_نعم ...
(نظرت إلى يوسف فوجدته مسترخيا و مغلقا عينه ، استمرت تنظر له قليلا قبل أن تفعل مثله ، شعرت أنها لأول مرة ليست مضطرة للتكلم لسير الحديث ، لم تكن متوترة مع يوسف وهذا ما وجدته غريبا ، أول مرة رأته فيها كانت تحوم حوله هالة من القوة و الجدية بسبب صمته وهدوئه ، وجدته مخيفا آنذاك لكن في هذه اللحظة وهي تراه كان الهدوء من حوله مختلفا و مطمئنا.)
_ لنسير قليلا .
_حسنا ...
(سارت نورا بجانبه وهي تلمح الأطفال الصغار الذين يلعبون مع ضحكاتهم المسموعة و مرور الناس بجانبهم منهم مجموعة أصدقاء ومنهم من يمشون فرادى ، حولت نظرها باتجاه يوسف فأدركت لأول مرة أنه طويل حقا وبنيته الجسدية جيدة كما الحال مع الإخوة الآخرين ، لكن هي للحظة علمت أخيرا سبب سخرية آدم من طولها.)
_نورا ...
_نعم .
_يجب أن تدركي أننا حقا نهتم لأمرك ، وبالتأكيد سننتظر منك دائما أن تقصدينا إذا كانت لديك مشكلة ما .
_ سأحاول ... أنا حقا أحاول.
_ المهم أن تشعري بالأمان معنا بعيدا عن أي ضغط فأنت في النهاية تنتمين لعائلتنا ، فلا يجب أن تترددي في اللجوء إلينا.
(شعرت نورا بدفء يخالجها ، تركت كلماته أثرا في قلبها مؤكد أنها لن تنساها أبدا، كانت الكلمات تتردد في سمعها . ابتسمت بعدها ابتسامة حقيقية ، لاحظها يوسف فتفاجئ كونه لم يسبق له أن رآها تبتسم بهذه الطريقة . فجأة رن هاتفه فأجاب.)
_نعم ؟ ما الذي حدث ؟
حسنا يا أيوب سنأتي لا تقلق .
( توجه يوسف بنظره نحو نورا وأردف قائلا.)
_ يبدو أنهم قلقوا عليك لأننا تأخرنا قليلا .
_اه ... هيا بنا لنعود... أظن أن الوقت تأخر.
..................................................................................
(دخل يوسف للمنزل وبجانبه نورا على وجهها علامات الصدمة التي تحولت بعدها لخجل ظاهر رغم محاولتها لإخفائه ، وفي الجانب الآخر كان آدم يعانقها غير عالم بخجلها قبل أن يتركها ويخاطب يوسف.)
_ لِمَ لَم تأتي وتسألني للذهاب معكم؟
_أخبرني بالسبب الذي سيجعلني أسألك مثلا؟
(تصرف آدم وكأنه لم يسمعه و نظر لنورا التي كانت تنظر له بالمقابل وهمس حتى تسمعه وحده .)
_في المرة القادمة إذا كنت تريدين الخروج فتعالي إلي ، حسنا .
_ لم تأخرتما كل هذا الوقت ؟
(سأل خالد السؤال الذي كان يفكر أن يطرحه أيوب.)
_ أنا معها فلا يهم إذا تأخرنا .
(تكلم يوسف ثم توجه ليصعد الدرج ، وتبعته نورا بعد لحظات لتتجه نحو غرفتها. وهي تسير في الرواق المتصل بالغرف لاحظت نوح واقفا فأرادت أن تتجاوزه وتؤجل الحديث معه إلى وقت آخر ،لأنها لم ترد لشيء أن يمحو أثر الذكريات التي أنشأتها مع يوسف، أرادت أن تنام لليلة مرتاحة غير ضائعة بالتفكير. لكنها في الخطوة التي اقتربت بجانبه وكانت ستتجاوزه أمسكت بها يد بكل قوتها تمنعها من إكمال الطريق وكأنه إذا تركها في تلك اللحظة فإن ندمه سينهشه بعدها .حولت نورا نظرها لتقابل عيناه و تسمع ما سيقول.)
_ما الذي ستقوله الآن ؟
_ أنا أريد أن أتكلم معك .
_دعنا نتكلم في الصباح .
(حاولت نورا أن تمر بجانبه لكن يده لم تتزحزح ثم أردف قائلا بصوت منخفض .)
_أريد أن نتكلم الآن ، رجاء يا نورا .
(قررت أخيرا أن تستمع له وتعرف ما الذي سيقوله لها.)
_أنا أستمع الآن ، يمكنك الحديث .
_أردت أن أتكلم معك قبل الآن و أن أوضح لك ما يجول في خاطري ، لكن أنا ... أنا لم أستطع الحديث معك و... أريد أن أقول ...
(لاحظت نورا ملامح وجهه التي يغلب عليها العياء رغم الظلمة التي اجتاحت الرواق ، كما شعرت أن صوته به شيء غريب ، هل هو مريض أو متعب بسبب عمله؟ كان هذا السؤال الذي طرحته نورا على نفسها في ذلك الوقت قبل أن تحس بارتخاء يده التي كانت تمسك بها وتلا ذلك سقوط جسده عليها ، حاولت أن تمسك به لكنها لم تستطع ، كان جسده قد سقط كما تسقط الورقة من الشجرة في بداية فصل الخريف .)
_نوح ، ما الذي يحدث ؟ نوح أجبني .
(ارتعبت نورا بعدما رأت سأئلا يغطي قميصه فلمسته لتقرب يدها لأنفها فأدركت أنه دم ...)
يتبع ...
miiaarrro