جلست نورا تعيد تذكر ذلك المشهد ، لحظة محاولة أخذها للحلوى و دفعها لكوب العصير ثم نظراتها لإخوتها تحاول معرفة إن كان قد تغير شيء ما ، ظلت تفكر إن كان قد رأى أحد منهم ما كانت تخفيه ، هل يمكن أنهم التزموا الصمت بسبب شيء ما هي لا تعرفه أو ربما ..تكون تبالغ في التخيل؟
نهضت بعد ذلك و هي تسير بخطوات بطيئة باتجاه المرآة ، سكنت للحظة و هي تنظر لإنعكاسها قبل أن ترفع يدها قرب وجهها و تكشف عن ساعدها ليظهر أثر جرح
عمودي مر عليه وقت طويل لكنه أبى أن يلتئم ، ما زال ظاهرا يفرض وجوده و الذكرى التي حملها معه ، لم يعد مؤلما لكن مع ذلك مازالت نورا تتجنب النظر له لأنه كان شاهدا على ما كانت تتمنى دوما أن يختفي من ذاكرتها كأنه لم يحدث .
أسدلت كمها عليه ، تطمئن قليلا كونها لا تراه الآن ، مخفي عن عيونها .
لكن هل هذا سيمسح ذلك الأثر من ذاكرتها ؟
️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️
كانت نورا واقفة قرب النافذة تتأمل نزول المطر بهدوء ، كانت و لاتزال تجد في صوت المطر راحة و طمأنينة كأنه يخبرها أن كل شيء سيكون بخير ، كأنه ترنيمة تحب سماعها لتنسى ما يقلقها ، شردت قليلا فلم ترى يوسف قربها منذ مدة ، التفتت له بعدما أدركت أنه بجانبها ليبتسم لها ابتسامة خفيفة تكاد لا ترى ، انتبهت ليده التي تحمل كوب حليب ساخن ، تشير لها أن تأخذه ، مدت يدها لتدفئ بفعل الكوب ثم ابتسمت له ابتسامة تشكره و هي تقول.
_شكرا لك ...إنه جيد.
نظر لها يوسف للحظات و هو يفكر في شيء ما ، قبل أن يقول بنبرة هادئة جعلت نورا تعيد نظرها له بعدما كان مستقرا على النافذة.
_لا تتعمقي في التفكير وحدك، يمكن أن تشاركي الأخرين أيضا ما يقلقك .
ماذا يحدث؟ لم قال هذا الآن؟ هل يمكن أنه رأى ؟..لا أظن ،ألم يكن سيواجهني مباشرة ؟ ربما بدا علي التفكير فحسب .
كان يوسف لا يزال ينظر لها كأنه يلتقط كل حركة منها و يسجلها عنده ثم قال قبل أن يغادر.
_اشربيه كله قبل أن يبرد.
ظلت كلماته تتكرر في ذهنها ، في تلك الوهلة فكرت أنها لم تفكر يوما في مشاركة شيء مع أحد ، ربما كانت تشعر بالراحة هكذا لكن الآن هي ليست كذلك ، هي لا تعرف كيف تفعل هذا .
تسائلت في نفسها ، ما الذي يجعلها لا تخبرهم ، هل لأنها لا تثق بهم ، لا تثق في ما سيرونه فيها بعد إخبارهم أو بالأحرى هي لا تثق في نفسها ، إن كانت قادرة على مواجهة كل الإحتمالات.
ثبتت نظرها على ساعدها للحظة وهي تفكر إن كانت لديها هذه الشجاعة .
في الوقت الذي غادر فيه يوسف كان ينتظره أيوب ليسيرا جنبا بجنب ليتحدثا في الغرفة ، كان يوسف في تلك اللحظة يسترجع ما رآه في الصالة ، تلك الندبة الغريبة التي كانت في ساعد أخته و التي رآها أيوب أيضا في تلك اللحظة ، فتح أيوب الباب فدخلا لينطق يوسف.
_ هل أخبرت خالد بكل شيء؟
_نعم ، على كل هو سيأتي و نتحدث . إذا ماذا تفكر عن سبب الجرح؟
_ليست لدي فكرة ، الشيء الوحيد الذي أنا متأكد منه أنه خلف أثرا في نفسيتها أيا كان السبب.
دخل خالد ليتجه نحو الكرسي الفارغ قرب أيوب و يقول
إذا تلك الندبة على ساعدها ليست بسيطة ، لها قصة بالتأكيد.
نطق أيوب تاليا
_هذا واضح لكن ماذا ستفعلون الآن ، هل تنوون سؤالها؟
رد يوسف بنبرة ثابتة
_أظن بأنه يجب علينا أن نتركها لتتحدث عندما تريد.
نطق خالد و هو ينظر لكليهما
_لنتركها الآن حتى نرى ماذا سنفعل لاحقا، ففي النهاية هي خصوصيتها ستخبرنا إذا أرادت.
رد عليه أيوب
لكن لن نتصرف بالتأكيد كأن لا شيء قد حدث ، يجب أن نعلم سبب تلك الندبة.
نطق يوسف ليصمت المكان لكن أذهانهم ليست كذلك
لنفعل كما قال خالد و نرى إذا كانت ستخبرنا.
كان في هذه اللحظة شخص يسترق السمع وراء الباب ، لا يُعْرَفُ ماذا سيفعل بعد أن علم.
❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️
الجميع متجمعين حول المائدة يتناولون الغذاء ،نورا جلست بين أيوب و آدم ، كانت تأكل من صحنها بهدوء حتى شعرت و كأن عيونا تراقبها، جولت نظرها حولهم لكن كان الجميع مشغولين بصحونهم. هل كانت تتوهم؟
ما إن أرجعت نظرها إلى طبقها متجاهلة ذلك الشعور حتى حدق فيها خالد تارة و أيوب تارة أخرى .
نهض الجميع عن المائدة ، مشت نورا لتصعد لغرفتها لكن للحظة شعرت أنها فقدت التوازن ، قدمها تعثرت بطرف السجاد ، حاولت أن تتشبت بشيء ما حتى لا تسقط لكنها لم تجد أمامها إلا الهواء و بحركة سريعة أمسك أحد بها يثبتها في مكانها ، فتحت عينيها بعدما أدركت أنها آمنة فرفعت نظرها لترى الشخص الذي أنقذها ،نوح هو الذي لم يسمح لها أن تسقط ، كان قريبا منها في تلك اللحظة فأسرع نحوها كأنه كان يعرف أنها ستتعثر في تلك الثانية،كانت عينيه تنظر لها بثبات قبل أن يثبتها على يدها اليمنى التي كان يمسك بها ، نورا تراجعت لخطوة قبل أن تشكره بارتباك لأنها شعرت أن نظراته كانت غريبة و أحست كأنه أراد أن يقول شيء ما .
جرى كل هذا أمام الإخوة و لكل واحد منهم ما كان يفكر فيه.
_دائما ما تهملين نفسك ، أليس كذلك؟
نظرت له نورا للحظات باندهاش، لم تتوقع أنه سيقول شيئا كهذا فقوست حاجبيها لتقول.
_ماذا تقصد بكلامك؟
مرر نوح عينيه على إخوته الذين كانوا ينظرون له بدورهم ثم أعاد نظره إليها و حدق فيها لوقت قبل أن يقول و هو يركز على يدها.
_أقصد هذا..
اتسعت عيناها بذهول و هي ترى موضع نظراته على ساعدها ، هو هل يعلم ؟ إذا ... جولت نظرها للحظة قصيرة بين الإخوة تريد أن تعرف إن كانوا أيضا يعلمون فنطقت و هي تخاطب نوح
_أنت ... أنت تعلم
_إذا فهو صحيح.
نظر أيوب ليوسف و خالد كأنه يقول أنه هو أيضا عرف بطريقة ما .، إما أن يكون قد رأى الندبة أيضا أو ..سمعنا و نحن نتحدث.
نعم! كان نوح هو الشخص الذي كان يسترق السمع حين كان الإخوة يتحدثون .آدم في تلك الأثناء كان عقله يحاول أن يعالج ما يحدث أمامه و ما سمعه . ماذا يحدث ؟ فتقدم قربهما و هو يقول بنبرة عالية.
_ما الذي تريد أن تقوله ، ما معنى هذا؟
نورا ، ما الذي يحدث ؟
هل أنا الوحيد الذي لا أفهم ما يجري الآن؟
ابتسمت نورا لنفسها تفكر أنهم قد علموا منذ مدة و التزموا الصمت ، إذا هذا يؤكد سبب نظراتهم في الآونة الأخيرة، الإخوة انصدموا من ابتسامتها حتى نوح ظل ينظر لها بغير فهم ثم سمعوا صوتها تتحدث.
_بما أنكم تعرفون ، فدعوني أخبركم بالموضوع كله .
رفعت كمها و أظهرت ساعدها أمامهم ، كان الإخوة ينظرون إلى تلك الندبة بتمعن ، يتسائلون عن السبب الذي خلفها ، في وسط هذا نطق أيوب
_كيف حدث هذا و متى ؟
أغمضت عينيها للحظة و كأنها تسترجع ذلك اليوم مع أنه حاضر في ذهنها ثم قالت
_عندما كان عمري أربعة عشر سنة ، كنت في المنزل وحدي فأردت أن أنشر الملابس في السطح، وقرب حبل الغسيل كان هناك عمود حديدي مصدأ و طرفه العلوي حاد ، أنا ... لم أنتبه له و لمسته بغير قصد فلم أشعر به إلا حين كنت أمسك يدي بألم و هي تنزف...
كان الإخوة يستمعون لها بتركيز ثم قال نوح بتساؤل
_كيف ترك مثل هذه الندبة بعد تلك المدة.
ابتسمت نورا بثقل و هي تقول
_أظن لأنني لم أهتم به .
ثم أكملت بعدما شعرت بنظراتهم المستفهمة
_أعني لأنني لم أعالجه كما يجب ، تركته ينزف حتى شفي بنفسه ..ربما.
نطق يوسف تاليا
_و أمي ماذا فعلت عندما رأته؟
نورا تكلمت و هي تنظر للأرض
_لم أخبرها ، أعني لم أستطع..
_ما الذي تعنينه ، لماذا ؟
_أنا في تلك اللحظة لم أستطع أن أعالجه وحدي ، و كنت أفكر أن أخبر أمي عندما تأتي إلى المنزل.
لكن..في ذلك اليوم كانت مشغولة بعملها و لم تنتبه لي ،حاولت إخبارها وأنا متوترة لكنها لم ترى أنني مصابة و ظنت بأن الأمر ليس مهم فقالت أن أنتظر حتى تأتي.
نطق آدم بعدما فهم ماذا ستقول بعدها
_و أنت صمتي و لم تخبريها حتى عندما أتت.
نبست نورا و عليها ابتسامة خافتة قبل أن تدفنها بملامحها الحزينة.
_نعم، أنا جبانة و غبية أليس كذلك؟
لكنني لم أقدر في تلك اللحظة ، كأنني طمست بمشاعر الكآبة و الحزن ، كانت تراودني فكرة أنني غير مهمة ولا أستحق الإهتمام .
ما زالت تؤلمني تلك المشاعر كلما تذكرت تلك الآونة.
لهذا أتناسى الأمر و أخفيه.
كان الإخوة يشعرون بالعجز الذي جمدهم ، تلك الكلمات التي خرجت من فم أختهم الوحيدة و هي تروي ما كان يضيق صدرها لمدة و هي وحيدة ، كان ذلك مؤلم لهم كثيرا.
مشى يوسف بخطوات يقترب من نورا حتى وصل أمامها و أمسك بكتفيها ليقبل جبينها ثم قال .
_أنت مهمة لنا و لنفسك ، أنت أكثر من مهمة لنا .
لا يجب أن تراودك هذه الأفكار فهي ليست صحيحة.
تفاجئت نورا من حركته و كلامه ، أحست أن كلماته قد لمست شيئا عميقا في قلبها ،شعرت به كأنه يعاتبها على إيلام نفسها فابتسمت .
تقدم خالد نحوها ليحضنها لمدة و في عينيه دموع ذنب يحس به لترك أخته وحدها في الوقت الذي يجب أن يكون بقربها، اقترب كل الإخوة بقربها ، أحد منهم يضع يده على رأسها و الآخر يقبلها ، كانت تشعر و كأن لا شيء يؤرقها الآن و هي بجانب إخوتها ترى ابتساماتهم لها و خوفهم عليها، ربما كان عليها أن تشاركهم ما آلامها ، في تلك اللحظة تذكرت ما أخبرها به يوسف و فكرت أنه لم يكن مخطئا .
_إذا منذ هذه اللحظة لن أتركك وحدك لأي ثانية ، سأكون دائما أتنفس نفس الهواء قربك.
نطق آدم كأنه يضع قرارا مهما في حياته قبل أن يخاطب أيوب نورا بكلامه.
_افعلي شيئا و ارفضي طلبه قبل أن يلتصق بك طوال حياتك بشكل مزعج ، ستتأذى أذنك أنا نصحتك.
نظر له آدم بانزعاج و هو يقول
أنت تغار فحسب ، أنت تتمنى أن تسمع صوتي لكن للأسف أنا لن أقبل ، أنا اخترت نورا لأنها مميزة فحسب.
_أشكرك على نصيحتك ، لكن فات الأوان هو وضع هذا في رأسه ماذا سنفعل ؟ ما علي إلا أن أعتاد .
نطقت نورا و هي تتصنع ملامح الجدية لينظر لها آدم باندهاش و انفجرت ضحكات الإخوة و هم يسخرون من نوح.
_لو كنت مكانك الآن لتمنيت الإختفاء من هنا.
_نورا أشكرك على إخباره بهذا سنرتاح قليلا من تفاهاته.
_أنظروا لوجهه ، رباه هاهاها
نطق آدم قبل أن يغادر مخلفا الضحك ورائه
_أنتم فقط لا تستحقون أن تسمعوا كلامي ، لن أتعب نفسي معكم.
miiaarrro