صباح اليوم التالي كان ثقيلاً، كأن الغيوم السوداء في السماء انعكست داخل البيت نفسه.
في المطبخ، جلست نتاليا أمام فنجان قهوة بارد لم تلمسه. عيناها محمرتان من السهر والبكاء. كانت تراقب عقارب الساعة وهي تتحرك ببطء قاتل، كأنها تسخر منها.
دخل مارت بخطوات ثابتة، معطفه الأسود ما زال على كتفيه. نظر إليها للحظة ثم اتجه مباشرة نحو خزانة الأكواب.
سألته بصوت خافت:
– "هل نخرج معًا اليوم؟ ربما نتمشى قليلاً… نحتاج أن نتحدث بهدوء."
أجاب دون أن ينظر إليها:
– "لا وقت لدي."
انقبض قلبها. شعرت أنها أصبحت غريبة في بيته.
حاولت أن تتمالك نفسها، فقالت برجاء:
– "مارت… لا تبتعد عني أكثر. صدقني، ما رأيته في المقهى لم يكن كما تظن."
استدار نحوها فجأة، عينيه تقدحان شررًا:
– "كفى، نتاليا! لقد رأيتك. لا تحاولي أن تبرري شيئًا لا يمكن تبريره."
ارتجفت شفتاها، لكنها حاولت أن تواجهه:
– "وأنت؟! هل نسيت كم من الأسرار تخفيها عني؟ ماضيك، علاقتك بماجد، كل ذلك الغموض… هل تريدني أن أثق بك وأنت نفسك لا تصارحني؟"
صمت لثوانٍ، ثم ضرب بيده على الطاولة حتى ارتجفت الأكواب:
– "لا تذكري اسمه أمامي!"
شهقت نتاليا، دموعها انهمرت فجأة.
صرخت:
– "إذن أنت من يزرع الحواجز بيننا، لا أنا! أنا أحببتك بصدق… لكنك تدفعني بعيدًا كل يوم أكثر."
…
من غرفة الجلوس، كانت رينا تراقب المشهد عن بُعد. وضعت وسادة على رأسها محاولة أن تخنق توترها. همست بصوت مسموع لنفسها:
– "يا لطيف… هاذي مش مشاجرة عادية. لو يستمروا هكذا، راهم رايحين يتفارقوا."
لكنها لم تتدخل. شعرت أن أي كلمة منها ستزيد النار اشتعالاً.
…
في الطابق العلوي، أغلق مارت الباب خلفه بعنف. جلس على السرير، رأسه بين يديه.
ترددت كلمات نتاليا في أذنه: "أنت من يزرع الحواجز بيننا."
ابتلع غصته، لكنه لم يستطع أن يزيح صورة المقهى من ذهنه.
في نفس الوقت، كانت نتاليا تجر حقيبتها بهدوء، تضع بعض الملابس بيد مرتجفة. كل دمعة تنزل على وجهها كانت تحرق قلبها.
همست لنفسها:
– "إذا كنت لا تصدقني… ربما الأفضل أن أبتعد. حتى يفهم كم أستحق ثقته."
خرجت من البيت بخطوات ثقيلة، ودموعها تتساقط على وجنتيها.
…
في الخارج، كان الجو باردًا والريح تعصف بأوراق الأشجار في الشارع. سارت وهي لا تعرف وجهتها. شعرت بالوحدة، كأن العالم كله تخلى عنها.
…
أما رينا، فلما سمعت الباب يغلق، أسرعت نحو النافذة ورأت نتاليا تغادر. وضعت يدها على قلبها وقالت:
– "لا لا لا… الأمور خرجت تمامًا عن السيطرة. لازم نتحرك وإلا رح نخسر كلشي."
…
في الجهة الأخرى من المدينة، جلس ماجد في مكتبه المظلم، أمامه شاشة صغيرة تعرض صورًا التقطها أحد رجاله لنتاليا وهي تغادر البيت باكية.
ابتسم بخبث، همس لنفسه:
– "ها هي قد خرجت… اللعبة تمضي كما خططت. الشك انغرس في قلبك يا مارت… ولن يرحل بسهولة."
ضحك ضحكة طويلة، ثم أطفأ الشاشة وأشعل سيجارة، يراقب الدخان وهو يتلاعب في الهواء مثل مصير ضحاياه.
…
في الليل، جلس مارت في الصالة، ينظر إلى المقعد الفارغ الذي كانت تجلس عليه نتاليا. لم يشعر بالفراغ من قبل مثل هذه اللحظة.
دخلت رينا، اقتربت منه وجلست بجانبه.
قالت بنبرة جدية:
– "مارت… اسمعني مليح. أنا لا أصدق أن نتاليا خانتك. هناك شيء أكبر من هذا… شيء يُدبَّر لك."
رفع رأسه ببطء، نظر إليها بعينين متعبتين:
– "كل ما رأيته كان أمامي… كيف تريدين مني أن أنكر ما رأيت؟"
ابتسمت ابتسامة ساخرة، وقالت:
– "اللي يحب يخدعك، يعرف كيف يخليّك تشوف اللي هو يحب. ماشي الحقيقة."
صمت للحظة. لأول مرة، بدا أن كلماته بدأت تلامس قلبه.
لكن في أعماقه، كان الألم أقوى من كل شيء.
…
ذلك الليل، نام كل واحد منهم على جرحه.
مارت في عزلته، نتاليا في شوارع غريبة، رينا تبحث عن الحقيقة… وماجد، في الظلال، يضحك كمن يشاهد مسرحية صنعها بيده.
---يتبع...........
🦋_chaima _and _rima _🦋
Chaima Boulhraouat