كان الليل قد أسدل ستاره على المدينة، والهدوء يخيّم على البيت الكبير. في الطابق العلوي، جلس مارت على كرسي قرب النافذة، يحدّق في الشارع الفارغ. عيونه ثقيلة، لكنها يقِظة، كأن شيئًا في داخله يرفض النوم. أحداث المقهى لا تزال تحرق قلبه: الرسالة المجهولة… واللقاء الذي شاهده.
من بعيد، كان يسمع صوت خطوات خفيفة. إنها نتاليا. دخلت الغرفة بهدوء وهي تحمل كوبًا من الشاي الساخن. وضعت الكوب أمامه وقالت بصوت مرتجف:
– "أحضرت لك شيئًا يدفئك… الجو بارد الليلة."
لم يرفع رأسه. اكتفى بنظرة سريعة إلى الكوب، ثم عاد بصره إلى النافذة.
ترددت هي قليلًا، ثم جلست مقابله. صمت ثقيل خيّم بينهما، حتى قطعه صوتها الخافت:
– "مارت… ما الذي يحدث بيننا؟ أشعر أنني أفقدك يومًا بعد يوم."
أدار وجهه نحوها، نظر في عينيها نظرة حادة، لكنها مملوءة جرحًا:
– "هل تظنين أنني لا أرى؟! أنتِ تخفين عني الكثير، نتاليا. رأيتك… رأيتك بأم عيني."
شهقت، وضعت يدها على صدرها:
– "رأيتني؟ أين؟ متى؟"
أجاب ببرود قاتل:
– "في المقهى. مع رجل غريب. ظرف غامض. همسات. أسرار… أهذا ما تسمينه إخلاصًا؟"
ارتجفت يدها، وكاد الكوب يسقط من أصابعها. دموعها تجمعت، لكنها حاولت أن تسيطر على نفسها:
– "ذلك… لم يكن ما تظنه. لقد… لقد طلب مني المساعدة. كان يتحدث عن أطفاله، عن مرض زوجته… احتجت أن أمدّ له يد العون. لم أرد أن أزعجك بمثل هذه التفاصيل."
انفجر صوته كالبركان:
– "تفاصيل؟! تسلّمك رجل غريب ظرفًا في مكان مظلم وتقولين تفاصيل؟!"
ارتعشت شفتاها. نظرت إلى الأرض كطفلة مذنبة. لم تعرف كيف تدافع عن نفسها أكثر.
أمسك مارت رأسه بكلتا يديه، تنهيدة حارقة خرجت من صدره:
– "أشعر أنني أغرق يا نتاليا. ما بين ما رأيته، وما بين ما تقولينه… لم أعد أعرف أين الحقيقة."
…
من الطابق السفلي، كانت رينا تستمع. توقفت عن تحريك أوراقها، ووضعت أذنها خلف الباب. همست لنفسها:
– "الوضع راه خطير… لو استمر هكذا، رح يتكسّر كلشي."
وبعد دقائق، خرجت من غرفتها وهي تمشي بخفة، ثم دخلت فجأة عندهما بابتسامة مصطنعة:
– "أووو! يا جماعة، الجو هنا بارد أكثر من قلعة في القطب الشمالي. واش رايكم نعمل سهرة صغيرة؟ موسيقى، ضحك… أي حاجة نكسروا بها هذا الصمت المميت؟"
لكنها اصطدمت ببرود نظراتهما. فهمت الرسالة فورًا، فابتسمت ابتسامة حزينة، وخرجت وهي تتمتم:
– "يا ربي… هاذي مش مجرّد أزمة صغيرة، هاذي حرب مشاعر حقيقية."
…
في الجهة الأخرى من المدينة، كان ماجد جالسًا في غرفة مظلمة. شمعة واحدة تضيء المكان، وظلاله ترتعش على الجدران. أمامه يقف رجل غريب بملامح قاسية. وضع ماجد يده على كتف الرجل وقال بابتسامة ملتوية:
– "لقد قمت بعملك جيدًا. سلّمتها الظرف أمام عينيه… الآن بدأت بذور الشك تنبت في قلبه."
ضحك الرجل ضحكة باهتة وهو يمد يده ليأخذ مكافأته.
أعطاه ماجد ظرفًا آخر وقال:
– "اذهب. فالقصة لم تنته بعد."
وبمجرد أن أغلق الباب، جلس ماجد في كرسيه، وأطلق ضحكة عالية:
– "هاهاها! أيها الأخ العزيز… مارت، ستتعلم قريبًا أن الثقة ليست إلا وهماً. سأجعلك تكسر قلبك بيدك."
…
عاد مارت إلى غرفته، جلس على السرير دون أن يخلع معطفه. نتاليا اقتربت منه ببطء، وضعت يدها على كتفه وقالت بصوت مبحوح:
– "صدقني… أنا لم أخنك يوماً. لكنك لا تريد أن تسمعني."
أبعد يدها ببرود، نظر إليها نظرة كأنها سكين:
– "أنتِ من جعلني أصمّ."
وانهارت دمعة ساخنة من عينيها.
الليل مرّ ثقيلاً، لكن الجميع كان يعلم… أن القادم أثقل.
---يتبع........
🦋_chaima _and _rima _🦋
Chaima Boulhraouat