لم يَعد النهار في القبيلة يشبه البارحة.
ليلى تمشي بين البيوت وكأنها تمشي على خيطٍ بين عالمين.
منذ رأت العلامة على يدها، ومنذ زارها ذاك الحلم… وهي لم تعد كما كانت.
كانت تختلي بنفسها كل فجر، تقف تحت السماء وتصلي، ثم تفتح هاتفها القديم…
لم تجد فيه غير صور وجهها، مشوشة، كأن الزمن نفسه رفض أن يعترف بها.
كانت الصور تخفي ملامحها… لم يظهر أحدٌ سواها، بلا تفاصيل، بلا وجود.
أرادت أن تعود، أن تهرب، أن تُغلق المرآة وتعود لأمها وأصدقائها…
لكن البوابة ظهرت من جديد، بلا جدار… وكأنها تدعوها.
دخلت.
---
رأتهم.
كلهم.
أمها تبكي، الشرطة تفتش، وليا تصرخ وتدور في الشوارع، تصفها للناس، تحمل صورتها.
لكن لا أحد يسمع ليلى… ولا أحد يراها.
أرادت أن تصرخ، أن تلمس ليا، أن تقول لها "أنا هنا!"
لكن الزمن… كان أغلَق الأبواب، وتركها تشاهد فقط.
سمعت صوتًا بداخلها، ليس ككل مرة، بل أقوى، أعمق، مرّ كزلزال في صدرها:
"لا تقتربي… إن أردتِ العودة، اسمعي. لا تخبري أحدًا. لا تثقي بأحدٍ… حتى نفسك."
اختفى المشهد، وفتحت عينيها لتجد نفسها في سريرها الحجري.
على يدها… العلامة قد توهّجت بلونٍ أحمر باهت.
دخل سنان فجأة، بعينيه الحادتين، وقال: "أين كنتِ؟ لستِ ممن يتسكعن في الليل."
قالت، وقد غمرها الذهول: "أنا… فقط أتنفّس… الزمان خنقني."
نظر إليها طويلًا، ثم خرج.
---
في الصباح، قابلت نهار.
كان يقف قرب البئر، يحدّق بها كما لو رآها خارجة من العدم.
"أين تذهبين كلّ ليلة؟" سألها.
قالت بتحدٍّ: "ما دخلك؟"
فقال بابتسامة ساخرة: "لا أحد يظهر ويختفي هكذا، إلّا من كانت نفسهُ لا تنتمي."
تشاجرَا، كالعادة… لكن هذه المرة، كانت أعينهم تُخفي شيئًا أعمق.
كانا يقاتلان كي لا ينطقا بما يفيض في القلب.
فجأة، بينما تتجادل معه، لمعت أمام عينيها رؤى…
رؤى متقطعة:
راياتٌ تحترق، خيولٌ ميتة، طفلٌ يبكي، و… نهار، يضحي بنفسه ليحميها.
صرخت.
سقطت على ركبتيها، والدموع تسبق أنفاسها.
ركض إليها، وهزها:
"ماذا رأيتِ؟"
لكنها لم تجب.
---
ليلى ركضت إلى السيدة الغامضة، تلك التي لا يراها سواها.
قالت لها:
"رأيت… نهار يموت من أجلي. لا أريده أن يموت! أريد أن أغيّر المصير!"
ابتسمت السيدة، وقالت:
"كلنا نُمنح رؤى، لكن ليس كلنا نُمنح القوة لتغييرها.
قولي الحقيقة… وستدفعين الثمن.
اصمتي… وسيكون الثمن غيركِ."
ثم اختفت.
---
ليلى ركضت إلى أعماق الجبل، تبحث عن أجوبة.
دخلت شقًا مظلمًا، وهناك… رأته.
نقش على حجر قديم، كان اسم "نهار" مكتوبًا بلغة غريبة، إلى جانبه جملة:
"من تبقّى… فليختر: العودة، أو الإنقاذ. لا كلاهما."
---
رجعت ليلى تبكي، وجدت ليا، تحدق بها، ثم قالت بصوتٍ غريب:
"أنا أعرفكِ… لكن لا أعلم من أنتِ. لماذا؟"
اقتربت منها ليلى، وكادت تلمس يدها… لكنها شعرت بكهرباءٍ تمر في جسدها.
هذه ليست ليا.
بل شيء يشبهها.
نسخة… مزيفة.
نسخة جعلت ليلى تشكّ في عقلها.
ثم رأت في انعكاس النبع… المرأة العمياء.
قالت المرأة:
"قولوا لي إنها جُنّت… خيرٌ من أن تُسجَن عقولكم في صمتٍ يُميتكم."
ثم همست:
"يا ليلى… لا تفعلي كما فعلتُ أنا. لا تبقي هنا. لا تتردّدي."
larse★