ما كنتُ يومًا أحسبُ للزمن شأنًا، ولا خلتُ أن الزجاج يُخفي خلفه ألف دهرٍ ومئَة عصر...
دخلتُ تلك المكتبة العتيقة، والمطر يهمي كأنه يُغسلُ الزمان...
وما إن لامستُ حافّة الساعة الرملية، حتى انقلب الكون، وسقطتُ من زماني إلى زمانٍ لم يَعرف الكهرباء ولا عرفني...
★
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
★
ما كنتُ أظنُّ يومًا أنَّ زجاجَ المرآةِ يخفي خلفه دهورًا نائمة، ولا أنَّ الحجارةَ الصامتةَ تحوي في جوفها أسرارًا تَهيم بها الأرواح
كان مساءً كاسفًا، قد انعقدتْ فيه الغيومُ على أفق المدينةِ، وتداعتْ الرياحُ تصفُرُ في أزقّتها القديمة
دخلتُ بيتَ جدّي الذي ما وطئتُه منذ سِنِين، فوجدتُه كما تركَه، إلا مرآةً عظيمةً لم أرها من قبل، كانت تستندُ إلى جدارٍ حجريٍّ، وتَغشُوها طبقةٌ من الغُبارِ كأنها تلبسُ عباءةَ النسيان
اقتربتُ منها، لا أدري ما الذي شدّني إليها
ولمّا نظرتُ فيها، لم أرَ وجهي...
بل رأيتُ صحراءً شاسعة، وخيولًا تعدو، وراياتٍ ترفرفُ فوق نيرانٍ تشتعلُ، وصيحاتِ رجالٍ بأسماءٍ لم أسمعْ بها قطُّ
وها أنا ذا... حين لمستُها، شعرتُ أن الأرضَ قد زلزلتْ، وأنّ جسدي يسقطُ في لُجّةِ زمانٍ ليس زمني
فُتِحَتْ عينيّ على نورٍ شديد، ورأيتُ نفسي على أرضٍ غريبة، تُظلّني السماءُ الصافيةُ، وتحفُّني وجوهٌ قاسية، بعيونٍ جاحظةٍ ولهجاتٍ لا تشبه حديثنا
صاحتْ امرأةٌ من بعيد:
"يا فتاتي، من أيّ حيٍّ أتيتِ؟ ما خُطْبُك؟ أتراكِ من سُلالةِ الغُرباء؟"
فارتجفتُ، ولساني ما نطق
لقد عدتُ إلى زمنٍ لم يكتبْه التاريخُ بعد...
إلى الجاهلية
مددتُ بصري إلى تلك المرأة التي صاحت، فرأيتُها تلفُّ جسدَها بثوبٍ داكنٍ، تتدلّى من رأسها خصلاتٌ شعثاء، وسِوارٌ من نحاسٍ يلمعُ في معصمها، كأنّه خاتمُ عهدٍ من زمنٍ سحيق
تقدّمتْ نحوي بخطى واثقة، بينما كنتُ ما أزالُ أقف على رُكبتيّ، ألهثُ كما لو أنّي خرجتُ من بطنِ جبل
قالت:
"ما شأنُك؟ أنُزِعتِ من قومك؟ أم خرجتِ في غفلةٍ من الأهل؟"
ما وجدتُ في جعبتي غير الصمت.
فأنا لا أدري من تكون، ولا ما تعنيه كلماتها.
كان لساني عاجزًا، وعقلي يُصارع الحقيقةَ في قلبِ الوهم
اقتربتْ أكثر، وأشارت إلى فتاةٍ كانت خلفها:
"هاتوا لها ماءً، لعلّها عابرةُ السبيل أو رُسُلُ الغيب."
فجاءت الفتاة تحمل جرّةً من طين، ناولتني إيّاها بخوف، فرشفتُ قليلًا
كان الماء دافئًا، لا يشبه بردَ زجاجةٍ من عصري، لكنّه أنقذني من الاختناق
سألتها المرأة مجددًا، بصوتٍ أخفّ: "ما اسمُك؟ ألكِ نسبٌ يُعرف؟"
همستُ:
"اسمي... ليلى."
رمقتني بدهشة، تمتمت: "ليلى؟! من أيّ بطونِ العرب أنتِ؟"
نظرتُ إليها، ثم إلى الصحراء المترامية، ثم إلى السماء التي لا يخرقها برجٌ ولا سلكُ كهرباء
تناهى إلى سمعي صهيلُ خيل، وصياحُ رجال، وغبارٌ يتصاعدُ من بعيدٍ كأنّ الأرضَ تثور
صرختِ المرأة:
"إنها قبيلةُ بنو جُرهم! عادت تغزو مضاربَنا!"
فزعتُ، وتراجعتُ خطوةً
هي حربٌ؟
هل وقعتُ في زمنِ الغزوات؟
أنجو من حادثٍ واحد، لأقع في ألف؟
ركض القوم، الرجال يحملون سيوفهم، النساء يختبئن في الخِباء، الأطفال يُساقون نحو الجِبال
وأنا... وقفتُ في المنتصف، لا أدري أين مخرجي
لكنّ المرأة أمسكت بي من ذراعي وقالت:
"إن كنتِ ضيفتَنا، فأرضُنا تحميكِ. وإن كنتِ ظلًّا مرسَلًا، فالخيمةُ تظلُّ الجميع."
لم أجب. لم أملك شيئًا أقول
إلا أنني، في تلك اللحظة، شعرتُ بانتماءٍ خافتٍ يشدّني من صدري، كأنّ روحي، رغم ذعرها، عرفت هذا المكان من قبل... أو اشتاقت إليه دون أن تدري.
أُدخِلتُ إلى خيمةٍ منسوجةٍ بخيوطٍ سمراءَ، تفوحُ منها رائحةُ الرمادِ والجلدِ والعرَق. كان الداخلُ شبهَ مظلم، لا ينيره سوى سراجٍ يتراقصُ ضوؤه كأنه يتلوى في رقصةٍ حزينة
هناك، جلستُ على بساطٍ من وبر، وأخذتُ أتنفسُ بعمقٍ كمن عاد من مقبرةٍ لا يُعرف بابُها
دخلتْ عليّ فتاةٌ صغيرةُ القامة، بعينين واسعتين كسواد ليلٍ بلا نجوم، تحملُ بيدها قطعةَ خبزٍ وجفنةً من تمر
قالت بصوتٍ رقيقٍ كأنّه نسيم فجرٍ: "أما زلتِ خائفةً؟ لا تخشي شيئًا... أنا رُبى، ابنةُ زهيرٍ من بني نُشْرَة."
ابتسمتُ رغم ارتباكي، ومددتُ يدي بتردد: "أنا ليلى."
جلستْ جواري، وحدّقت في ملامحي كأنها تقرأ سطورًا مكتوبة على جبهتي
قالت:
"عيونك لا تشبه عيوننا... وملابسك أغرب من صياح الغربان."
أجبتها بهمسةٍ مرتجفة: "أنا لستُ من... هنا."
لم تُظهر ذهولًا كما توقّعت. بل قالت كأنها تُحدّث نفسها: "ربّما أرسلكَ الزمان."
نظرتُ إليها بدهشةٍ لم أستطع إخفاءها
همست:
"الزمنُ في أرضنا ليس كما عندكم... إنه يسمع، ويُرسل، ويأخذ."
ثم نهضت وقالت بلُطفٍ: "استريحي يا ليلى. غدًا يُقامُ المهرجان في السهل، وتُجمع فيه القبائل... ستري ما لم ترهُ عينك."
وخرجت
---
لمّا خلوتُ بنفسي، ساد صمتٌ ثقيل كأنّه غبارٌ خفيّ.
الهواءُ جامدٌ، لا طنينَ فيه ولا صدى.
مددتُ يدي نحو فتحةِ الخيمةِ، ونظرتُ إلى السماء...
فما كانت كما عهدتُها
كانت ساكنة، لكنّ النجوم تتحرّكُ بسرعةٍ غريبة، وكأنّها تسيرُ في عكسِ دورانها
ثم فجأةً...
اهتزّتِ الأرضُ تحت قدميّ اهتزازًا خافتًا، لا يكاد يُسمع، لكنّه أيقظ شيئًا داخلي
سمعتُ صوتًا. لا رجلًا، ولا امرأة.
كأنّه صدى، أو فكرةٌ تتكلم
> "أَيَسُوءكِ أنْ تعودي؟ أم بدأتِ تُحبّين ما ليس لكِ؟"
شهقت. نظرتُ حولي. لا أحد
> "بين زمنٍ يُسرق منك، وزمنٍ تُسرقين إليه... أين تقفين؟"
وضعتُ يدي على رأسي، حاولتُ النهوض، لكن كل شيءٍ دار بي كدوّامة
ثم توقّف كل شيء، وعاد الليل كما كان...
وسمعتُ من بعيد صياح ديك، يدلّ على اقتراب الفجر.
نظرتُ إلى المرآة الصغيرة التي كانت في حجري
تلك التي حملتُها دون أن أدري من العالم الآخر
فوجدتُها تعكس وجهًا ليس وجهي
وجهٌ يشبهني... لكنّه يشبه هذا الزمان أكثر
✦
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذي الروايه عباره عن حلم
حلمته امبارح ورح انزل كل فصولها
اليوم عشان لا انساها
larse★