نورٌ لا يُرى

نورٌ لا يُرى

17 0

كان الطريق إلى جبل المسفار شاقًا.

غبار الصحراء يلسع الوجه، والصخور تتربّص تحت الأقدام.

لكن الخوف لم يكن من الطريق…

الخوف كان مما سأجده هناك.

رُبى أصرت أن ترافقني، لكن شيوخ القبيلة رفضوا، قائلين إن الحكيمة لا تقبل إلا من خُطّت عليهم علامات الغموض.

فسرتُ وحدي، والقلب يحترق بأسئلة لا جواب لها.

---

حين وصلتُ، وجدتُ كوخًا من الطين، تحفّه الأشجار اليابسة كأنها حُرّاسٌ صامتون.

طرقت الباب بأصابعٍ مرتجفة.

"ادخلي، يا ابنة الزجاج."

جاءني صوتها… وكأنها تنتظرني منذ قرون.

دخلت.

كانت تجلس على الأرض، عيناها مغطاتان بقطعة قماشٍ رمادية، يداها نحيلتان كجذور شجرة عجوز، لكن جسدها كله كان يشعّ هالةً… كأنها لا تنتمي للأرض.

"تعالي، واجلسي."

فجلستُ.

قالت، دون أن تلمسني:

"رأيتِ النار، قبل أن تشتعل. رأيتِ الموت، قبل أن يُولد. الهاتف الأسود... والمرآة التي ابتلعتك... لم تكن لعنة، بل بوابة. وأنا، يا ليلى... كنتُ مثلك."

رفعت رأسي إليها بذهول.

قالت بهدوءٍ يغلفه وجع:

"منذ خمسين عامًا… كنتُ فتاةً من عالمك. كنتُ أعيش في زمن النور والحديد. رأيتُ المرآة، ولم أستطع أن أُقاومها. عبرتُ... ولم أعد."

"لماذا؟" همستُ.

"أردتُ العودة، لكنّ البوابة لا تُفتح لمن يخاف. وحين قررتُ أن أعود… اكتشفتُ أنني قد وهبت بصري لطفلٍ سيموت إن لم أُنقذه. اخترت أن أبقى… وأن أُبصر بقلبي، لا بعينيّ."

سكتت.

ثم مدت يدها، ولمست كفي، وقالت:

"لكنّكِ مختلفة… أنتِ لم تأتِ بلا سبب. الزمان نفسه اختاركِ. أنتِ لا تبحثين عن العودة فقط… بل عن إصلاح خطأ لم تُرتكبيه."

في تلك اللحظة، شعرتُ برجفةٍ تمرّ في جسدي، وظهرت صورة في ذهني...

القبيلة تحترق.

نهار يسقط وسط الخيول.

رُبى تصرخ بين الجثث.

والسماء تمطر… دمًا.

"رأيتِه الآن؟" قالت الحكيمة.

هززت رأسي، والدموع تنهمر.

قالت:

"رؤاكِ ستشتد، ولن ينجو من حولك إن لم تفهميها."

---

خرجتُ من الجبل، والشمس في كبد السماء، لكنها لا تدفئني.

كنتُ أرتجف.

في المساء، عُدتُ إلى الخيمة.

رُبى استقبلتني بقلق.

"كيف كانت؟"

همست:

"كانت… أنا."

لم أفهم كيف وصلت الكلمات إلى فمي.

---

لكن الصدمة لم تنتهِ.

ففي الليل، وبينما كنتُ أجلس قرب النار أفكر، جاءني "نهار".

جلس بجانبي، دون أن أطلب.

قال بنبرة مستفزة:

"هل قالت لكِ إنكِ منقذة؟ إنكِ ملاكٌ سقط من السماء؟"

لم أجب.

أكمل، يحدّق فيّ:

"أتعرفين؟ لا يعجبني أن تكوني بيننا. قبيلتنا لم تطلب يد العجائب. وجودك جلب الدم. وربما جلب الموت."

قاطعته رُبى، التي وصلت فجأة، وقد احمرّ وجهها:

"كفى، نهار! أنت لا تفهم شيئًا. ليلى ليست السبب. بل لولاها… لما بقي منّا أحد!"

قال، وهو ينظر إليّ نظرةً يصعب تفسيرها:

"ربما... لكنها تخفي شيئًا. وأنا سأعرفه، ولو بعد حين."

ثم نهض، وغادر.

---

رُبى جلست بقربي، وضعت يدها على يدي.

"لا تستمعي له. هو خائف. وأنا… أنا معكِ."

ابتسمتُ… بصعوبة.

وأنا أعلم أن ما قادم… لن يُشبه ما مضى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بين سيوف الزمن

المؤلف larse★
2025/07/29 مكتملة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة