"استمعوا لي!"
صرختُ بصوتٍ حاد في ساحة القبيلة، ووجوههم تحدّق فيّ كأنني شيطان نزل من السماء.
"رأيتُ النار تلتهم خيامكم… ورجالكم يسقطون كالسنابل اليابسة. هناك من يخطط لهلاككم من الداخل!"
ارتفعت الهمهمات…
ثم ضحك أحدهم.
"هل صارت الأحلام تنطق؟ أم أن الغريبة فقدت عقلها؟"
قال آخر، بصوتٍ مُتهكم:
"لن نُصدّق فتاةً خرجت من مرآة."
ثم صمتوا… ينتظرون رد شيخ القبيلة.
تقدّم الشيخ، نبرة صوته كانت حزينة أكثر من كونها قاسية:
"يا ابنتي… لا نتهم بالهوى، ولا نتحرك من الظنون. أعيننا على رجالنا، وإن صحّ منك شيء… فسوف نراه بأعيننا."
انخفض بصري إلى التراب.
لقد حاولت… لكنهم عُميانٌ بالإرادة.
---
حين تفرّق الجمع، اقتربت "ليا".
كانت تراقبني منذ البداية… وعيناها تقولان شيئًا لم تنطق به بعد.
قالت بخفوت:
"أنا… صدقتُك."
نظرت إليها، قلبي يضطرب.
"لماذا؟"
هزّت رأسها:
"لا أعلم. لكني حين أراكِ، أشعر أنني أعرفكِ… أعرف عينيكِ، وصوتكِ، حتى ملامحكِ. كأنني حلمتُ بكِ… أو عشتُكِ في زمنٍ آخر."
ابتسمتُ بألم، وقلت:
"ربما… كنا يومًا في ذات العالم."
---
في اليوم التالي، خرجتُ وحدي إلى عمق الصحراء.
كأن شيئًا كان يناديني… لا أعرف ما هو، لكني شعرتُ أن الوقت يضيق.
مشيتُ، وورائي خطوات الرمال الناعمة، وأمامي تلالٌ تلمع من حرارة الظهيرة.
وبين الصخور… وجدتُ مدخلًا ضيقًا، يشبه شقًّا في الأرض.
انزلقتُ فيه كأن الأرض نفسها فتحت فمها لتبتلعني.
في الداخل، كان المكان باردًا، والعتمة تسكنه.
لكن في قلب الظلام…
رأيتُ وردة، تنمو من أرض حجرية، متوهجة بضوءٍ خافت.
مددتُ يدي… ولمستُها.
---
فجأة، تجمّد كل شيء.
رأيتُ نهار.
كان يقف أمامي، ووجهي مليءٌ بالخوف.
خلفي… نار عظيمة، وسيف مرفوع يريد قتلي.
نهار… يندفع، يرمي نفسه بيني وبين الموت، وتغوص النصل في جسده.
صرختُ في الرؤية…
"نهــــار!!!"
ثم عاد كل شيء.
ارتجفتُ، يداي لا تزالان على الوردة، وعيناي تغرورقان.
لا… لن أدعه يموت. حتى لو كان يكرهني. حتى لو لم يفهمني.
---
عدتُ للقبيلة، أبحث عن رُبى، أريد أن أخبرها بكل شيء، بكل الرؤى، بكل ما حصل معي… عن الوردة، عن الخائن، عن نهار.
وجدتها قرب النهر، تنقل الماء.
ركضت إليها:
"رُبى، أحتاج أن أخبركِ بأمرٍ… لا يشبه أي شيء سمعتهِ من قبل."
لكن قبل أن أفتح فمي…
صرخ الزمن.
نعم… شعرتُ أن الهواء نفسه يهتز، أن السماء تنكمش، أن الرمال تصرخ من تحتي.
ثم جاءني الصوت… ليس من حولي، بل من داخلي.
"إياكِ أن تتكلّمي… إن نطقتِ، اختلّت الموازين. سيهلك من أردتِ نجاته. وستسقطين في هوّةٍ… لا تعود منها الأرواح."
تراجعتُ خطوة، أرتجف.
رُبى نظرت إليّ، قلقة:
"ليلى؟ ماذا بكِ؟"
قلت، بصوتٍ مبحوح:
"لا شيء… فقط نسيتُ ما أردت قوله."
وغادرت… وأنا أشعر أنني أنزف من الداخل.
---
لكنني أقسمتُ…
سأمنع كل شيء من الحدوث…
ولو اضطررتُ أن أحترق بدلًا عنهم.
♬
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
larse★