السهلُ والمهرجان

السهلُ والمهرجان

19 0

استيقظتُ مع بزوغ أول خيطٍ للفجر، على صوت طبولٍ بعيدة، كأنّها تنبض من جوف الأرض.

خرجتُ من الخيمة، فرأيتُ السهلَ الممتدّ قد غدا سوقًا حيًّا، يموجُ بالبشرِ كما تموجُ الرمالُ تحت الريح.

الرجالُ يزيّنون خيولهم، والنساءُ ينشرن الأقمشة والعطور، والأطفالُ يركضون بين الأزقّة الترابية، تتعلّقُ أعينهم بالراياتِ التي رُفعتْ عاليًا، كأنها تحدّقُ في السماء.

اقتربتْ منّي رُبى، بثوبٍ منسوجٍ بخيوطٍ زرقاء، وضعت في شعري زهرةً من البادية وهمست: "أردتُكِ كواحدةٍ منّا اليوم، فلا تخذلي الزمان."

ابتسمتُ، رغم أن قلبي ما زال يرتجفُ من حديثِ الليل، من صدى ذلك الصوت الذي لم أعرف كنهه.

---

انطلقتُ معها عبر السهل، نتخطّى الخيام، نمرُّ بين القبائل، نسمع الشعراء يلقون فخرَهم على مسامع الشيوخ، والفرسان يتباهون بخيولهم وجراحهم.

قالت لي رُبى:

"هذا موسمُ السلام المؤقّت... يومٌ لا يُرفعُ فيه سيف، ولا يُهدرُ فيه دم، إلا في ساحة الفخر."

وقبل أن أسألها، أشارت بإصبعها نحو ساحةٍ تُقام فيها مبارزةٌ شرفيّة بين الفرسان.

هناك... رأيتُه لأوّل مرّة.

كان واقفًا بثباتِ الجبال، يلبسُ درعًا خفيفًا من الجلدِ والحديد، وعمامةً سوداءَ تحجبُ ملامحه جزئيًا، إلا عينَيه...

عينان كسهامٍ قد أُطلقت قبل أن تولدَ السهام.

قالت رُبى بهمسٍ: "ذاك نهار... فارسُ بني جُرهم. لا يقربُ منه أحدٌ إلا وتلطّخ بالأسئلة."

سألتها:

"ما به؟"

قالت:

"كأنّه يعرف شيئًا عن الزمان، أو كأنّ الزمان يعرفه."

أدرتُ وجهي عنه، فشدّتني نظراتُه.

نظرةٌ خاطفة، لكنّها استقرت في صدري كحجرٍ في بئر.

---

في منتصف النهار، صعد شيخُ القبيلة الكبرى على ربوةٍ من ترابٍ، وصاح في القوم:

> "يا بني العرب، إنّا قد جمعناكم هذا اليومَ لنعقدَ حلفَ الرماح، ونردَّ الدمَ بالودّ، والسيفَ بالكلمة، والريبةَ باللقاء."

صفّق الجمعُ، وهتف الشعراء، وبدأت مواكبُ الهدايا تُعرض، والطبولُ تدقُّ كلحنٍ قديمٍ منسيّ.

في غمرة الزحام، شعرتُ أن أحدًا يقترب منّي.

التفتُّ فرأيتُه... نهار.

قال بصوتٍ خفيضٍ، عميقٍ كحفيف شجرٍ في ليلةٍ ساكنة: "ما اسمُكِ؟"

لم أجب، لكنّه أردف: "ملامحُك لا تشبه القبائل. أنتِ من أيّ أرضٍ خرجتِ؟"

همستُ: "من أرضٍ... لا تُروى في مجلسِكم."

ارتفع حاجباه بدهشةٍ لم يُظهرها غيره، ثم قال: "الزمانُ لا يخطئ من يَدخلُه. وإن كنتِ ممن اختارهم، فاحذري أن يلفظك."

وتراجع، واختفى بين الجمع.

---

نظرتُ حولي، فرأيتُ الناسَ يحتفلون، يُغنّون، يبيعون، ويتضاحكون.

لكنّ شيئًا في صدري تغيّر.

كنتُ أظنُّ أنني دخيلة... والآن، بدأتُ أشعر أنني حلقةٌ مفقودة في سلسلة هذا العالم

وفي المساء...

رأيتُ مجددًا تلك النجوم التي تمشي في عكس مسارها

وسمعتُ الصوت ذاته يهمس:

"قد اخترناكِ يا ليلى... فالزمن لا يعيدُ من لا يُريد."

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بين سيوف الزمن

المؤلف larse★
2025/07/29 مكتملة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة