الفصل 4 - ساعة الانقلاب

الفصل 4 - ساعة الانقلاب

19 0

أنفاسٌ ثقيلة، ونبضاتُ قلبٍ متسارعة، وماضٍ يعود مع ألمِ الفقدان، تتسلّل الذكريات، كأشباحٍ من زمنٍ مضى، تلك الأيام التي كان فيها الجميع سعداء...

أطفالٌ يطاردون طائراتٍ ورقية في وادٍ أخضر تتناثر فيه أزهارُ البنفسج وتُنسَج فيه أطواقُ الإكليل فوق الرؤوس الصغيرة.

لكن الفرحَ لا يدوم فما لبث أن احترق كلُّ شيء،

وتحوّل الحُلمُ إلى رماد.

يُغمض عينيه ببطء وكأن العالم اختفى للحظة، ثم يفتحهما مجددًا ليعود كما كان واقفًا في المنتصف بين الغضب والانكسار، بين ماضٍ ملطخٍ بالدم، وحاضرٍ لا يحمل له إلا السخرية.

قال بصوتٍ هادئ، يكاد يلامس البرود.

إيثان: لماذا استدعيتني؟

أظنّك رجلٌ ذو مقامٍ كبير...

فلماذا تريد رؤية طفلٍ قذرٍ مثلي؟

تجاهل وجه الرجل الذي يقف أمامه، رفض أن يعترف به،

رفض أن يُسميه فكيف يُخاطب من جعله يتمنّى الموت وهو لا يزال على قيد الحياة؟

ضحك إزيل ضحكة عالية مفاجئة، كأنّه سمع نكتة في جنازة، ضحك ويده تمسح دمعًا لم يُوجد، وقال بينما لا تزال ضحكته تتردد في الغرفة.

إزيل: آه يا فتى... أنت تُعجبني

شخصٌ مثلك نادر لا انكسار كامل،

ولا تمرد صريح مزيج جميل من الحقد

والكبرياء لهذا قد جلبتُك إلى هنا

سادت لحظة صمت بعدها، كأنّ الجدران نفسها ضاقت بتلك الكلمات، هو لم يرتجف لم يصرخ لم يتحرك لكن نارًا اشتعلت في أعماقه نارًا لا تُطفئها إلّا رؤية إزيل وهو يحترق ببطء.

رغم الضغط العالي الذي يُطلقه إزيل في المكان،

ذلك الشعور الثقيل الذي يكاد يُحني الرقاب ظل إيثان ثابتًا، كشجرةٍ ترفض أن تنكسر أمام العاصفة.

أنفاسه بطيئة منتظمة،لكن داخله كان يغلي،

كأن قلبه قنبلة موقوتة تنتظر الشرارة الأخيرة.

في تلك اللحظة، دلف رجلٌ أنيق يدفع عربةً معدنية،

تتأرجح بهدوء على الأرض الرخامية، تصدر صريرًا خافتًا.

توقّف أمام الطاولة الطويلة، ثم بدأ بترتيب الأطباق.

كانت الأطباق مغطاةً بأغطيةٍ معدنيةٍ لامعة،

وكأنها تخفي شيئًا أعظم من مجرد طعام.

ووُضعت أمام كل من إيثان و إزيل، إلى جانب كأس زجاجي عميق، يملؤه سائلٌ أحمر قاتم يُشبه النبيذ،

لكن رائحته كانت أكثر عبقًا وأقرب إلى شيءٍ يُشبه الدم.

تحرّك إزيل فجأة ،دون أن ينبس بكلمة، دون أن يصدر صوتًا، دار حول الطاولة بخطواتٍ هادئةٍ واثقة،

حتى أصبح خلف إيثان مباشرة.

لم يتحرك إيثان ،لم يستدر لكنه شعر بأنفاسه خلفه،

شعر بظلّه يسقط على ظهره كجدارٍ من الجليد.

وفي لحظةٍ عابرة، استدار إيثان لينظر إلى إزيل ،

بلا خوف بل بنظرة ثابتة، مُحمّلة بكل ما لم يُقَل.

فأجابه إزيل بنظرةٍ أطول ثم ابتسم.

ابتسامة لم تكن طيبة، ولا ساخرة ، بل ابتسامة رجلٍ يعرف تمامًا أنه يتحكّم بالخيوط، وأن الفتى الذي أمامه،

مهما قاوم سيأتي يومٌ يُنزل فيه رأسه.

قال إيثان بنبرة باردة، وهو يُلقي نظرة جانبية على الكأس أمامه.

إيثان : ألا ترى أنني قاصر على شرب النبيذ؟

ابتسم إزيل بهدوء، ابتسامةً لا تشبه الفرح، وقال بصوت خفيض كمن يُخفي شيئًا في طيّاته.

إزيل :هذا ليس نبيذًا

ثم اقترب خطوة، وانحنى قليلًا نحو الطاولة،

مدّ يده وسحب الغطاء المعدني عن طبق إيثان

فانكشفت قطعة لحمٍ مشوي، تقطر منها عصارة داكنة،

تفوح منها رائحة توابلٍ مختلطة برائحةٍ...

لم يستطع إيثان تحديدها تمامًا لكنها ضايقته.

تابع إزيل بصوته الهادئ، كمن يسرد إنجازًا شخصيًا.

إزيل : ما رأيك في الصيد الذي اصطدته اليوم؟

لقد عملوا جاهدين لإعداد هذه الوجبة خصيصًا لك.

حرصتُ ألا تكون مشوية كثيرًا أردت أن أعرف إن كانت ستعجبك.

تجمّد إيثان ، لم يتكلم، لم يتنفس للحظة...

شيء ما في الداخل اختل، صمتٌ داخلي صاح بأعلى صوت ،ثم جاءت الذاكرة باردة وحادة وكأنها صفعة.

”أرجوك... أريد فقط أن أعيش!

ما الخطأ الذي اقترفته بحق حياتي؟!

أريد أن أنجو! أريد أن أعيش!“

ذاك الصوت...

ذاك الرجاء المرتجف...

ذاك الطفل.

تساقطت الكلمات في رأسه كأحجارٍ من الجحيم، وصار المشهد أمامه ضبابيًا فجأة، لم يكن جائعًا بل كان يتقيّأ داخله.

أيعقل؟ أيمكن أن يكون ما في الطبق هو لحم ذلك الطفل؟

تساؤلات ثقيلة راحت ترتطم بجدار وعيه، كصدى طلقاتٍ في ممرٍ ضيّق.

”ألسنا جميعًا نريد أن نعيش؟

هل كان الرفض خيارًا؟

ما الصواب؟ ما الخطأ في هذا العالم المشوّه؟

أيّ جُرمٍ اقترفناه لنُلقى في هذه المسالخ البشرية؟

ألم نكن... مجرّد أطفال؟“

ثم جاءت الهمسة الأخيرة، الأصدق:

”...أنا أيضًا، أريد أن أعيش.“

لم يتفوه بكلمة ، بل مدّ يده بثبات نحو السكين والشوكة،

بدأ بتقطيع اللحم أمامه، ببطء وهدوء أشد من القنبلة التي تسبق الانفجار.

ثم تناول أول لقمة ،مضغها بصمتٍ تام، وكأن الحياة نفسها توقفت لتراقبه، كانت تلك الموافقة الصامتة توقيعًا بالدم.

وفور أن ابتلعها، انفجرت ضحكة إزيل عالية، هستيرية،

كمن رأى مشهدًا كوميديًّا عظيمًا لا يُنسى ثم صفق له،تصفيقًا طويلًا، كأنّه يُكرّم فائزًا بجائزة.

إزيل: أحسنتَ الاختيار أنت كنزي الثمين،

وعليك أن تعرف ذلك.

عاد إلى مقعده، وأخذ يأكل هو الآخر، بطريقة عادية، بلا تأثر وكأن شيئًا لم يكن وكأن الطفل لم يُقتل، وكأن إيثان لم ينكسر، وكأن العالم لم يُصب بأذى.

مرّت دقائق ثقيلة،صمتها أكثر صخبًا من أي حديث، قبل أن يقطعها صوت إزيل، وهو يحتسي من كأسه بهدوء مسرحيّ.

إزيل : يمكنك الذهاب متى شئت لقد أنهيت ما لدي.

ولا تقلق بشأن آداب الرحيل، أعلم أن عائلتك أحسنت تربيتك، كما أرى.

قبل ان يتفوه ايثان بإجابة استوقفته لمحه من انعكاسه في إحدى المرايا المحاطة بزخارف ذهبية مترفة، فتوقّف لوهلة.

لم يتعرّف على مَن يحدّق به من الجانب الآخر لم يكن ذاك وجهه الذي يعرفه ،كان هناك شيء غريب في النظرات... كأنها تعود لشخصٍ أخرى تمامًا.

أدار عينيه سريعًا،كمن يرفض أن يواجه الحقيقة، أو ربما... كمن يكره الاعتراف بها، إيثان بصوتٍ هادئ، يخفي اضطرابه.

إيثان: حسنًا... أستميحك عذرًا.

إزيل، وهو يلوّح بكأسه نصف الممتلئ، بنبرة ساخرة.

إزيل: آه، وبالمناسبة سأعود إليك لاحقًا سيكون لديك صديق جديد حينها، حاول أن تكون مُرحِّبًا.

لم يردّ إيثان غادر دون أن يلتفت خلفه، كأن كل خطوة يخطوها خارج تلك الغرفة هي حربٌ على نفسه.

عند خروجه، اقترب منه أحد الرجال بانحناءة خفيفة وهمس:

"عذرًا، سيدي... تم تغيير موقع غرفتك سنرافقك إليها الآن."

سار إيثان بصمت إلى جانب الرجل، يعبران الممرات الطويلة التي كانت تضجّ بالصمت حتى وصلا أخيرًا إلى غرفة جديدة.

فتح الرجل الباب بهدوء، فظهرت غرفة بسيطة، لكنها أنيقة ، سرير نظيف، حمّام مشترك، إضاءة دافئة، وجدران مطلية بلون هادئ شيء لم يعتد عليه إيثان قط، منذو دخوله في جحيمه الحالي.

لكن ما أثار قلقه أكثر من راحة المكان هو الغياب التام لكاميرات المراقبة ،رمق السقف، زوايا الجدران، كل زاوية محتملة...لا عدسة، لا عين تراقب.

غادر الرجل بهدوء، دون كلمة إضافية، وكأن وجوده كان جزءًا من بروتوكول مبرمج وفهم إيثان في لحظته تلك أن هذه الغرفة لم تُمنح له عبثًا.

بل خُصِّصت له، بأمرٍ من إزيل.

بمجرد أن أُغلِق الباب خلفه، توجّه إيثان مباشرة إلى الحمام ،شعور بالغثيان وضيق في صدره اجتاحه، كان منهكًا، ووجهه شاحب كأنه قطعة من الموت.

ما إن دخل حتى سقط على ركبتيه بجانب المغسلة، وانفجر غثيانه عنيفًا تقيّأ كل ما في جوفه، حتى لم يبقَ شيء سوى مرارة في حلقه، وارتجافٍ في أطرافه.

نهض ببطء، مسح فمه بكمّ قميصه المرتعش، واقترب من المرآة ،حدّق في انعكاسه... ثم تمعّن فيه أكثر، كأن من ينظر إليه شخصٌ آخر.

تمتم بصوت مبحوح:

"هل ما فعلته... كان صحيحًا؟"

لكن الانعكاس لم يبقَ صامتًا.

بل حرّك شفتيه، ورد عليه بنبرة هادئة، كأنها صدى ينبعث من داخله:

"هل تلوم نفسك؟"

ارتبك إيثان، تراجع خطوة ثم قال:

"ماذا؟"

الانعكاس، بابتسامة خافتة:

"نعم... لم يكن هناك خيارٌ آخر."

"إيثان"، بصوتٍ مشوش:

"لكني... أشعر أن هذا خطأ."

الانعكاس، وقد زاد وضوحًا:

"كان مجرد حادث."

همس إيثان، بصوت مكسور، خالٍ من الثقة:

"حقًا؟.."

ردّ عليه الانعكاس، هذه المرة بنبرة حاسمة:

"نعم، مجرد حادث."

كرّر إيثان الكلمات بصوت خافت، وكأنه يحاول تصديقها:

"صحيح... مجرد حادث."

تلاشى الانعكاس ببطء، تاركًا خلفه صورة شاحبة بلا روح.

تجمّد إيثان، وعيناه تحدّقان في فراغ المرآة...ثم انحنى على الحائط، جلس بصمت .

انعكس التعبير على وجهه، عاكسًا الانطفاء الكامل.

عاد كما كان بلا روح، بلا مقاومة.

فقط صدى داخلي يتردد، يسأله بلا هوادة:

"هل تؤذيك الذكريات؟"

days 2 time 23 : 38

في اليوم التالي، كان إيثان واقفًا داخل أحد المختبرات الباردة، محاطًا بجدرانٍ بيضاء كالموت السريري.

يخضع، كعادته اليومية، لتجارب كيميائية مرهقة

بات جسده يعتاد الألم، لا يصرخ، لا يتشنّج لكن ذلك لم يكن دليل نجاة.

فالصمت أحيانًا يُخفي انهيارًا بطيئًا، قاتلًا.

عروقه برزت تحت جلده بلونٍ بنفسجيّ قاتم، تتشابك كالأغصان الذابلة، بينما تلوّنت المناطق المحيطة بها بأزرقٍ باردٍ كالجليد ،كأن دمه ذاته بدأ يحتضر.

وحين انتهت الجلسة، غادر المختبر برفقة أحد العلماء الذين يشرفون على التجارب ،سارا في ممرٍ طويل، تضيئه أنابيب صفراء باهتة، كأنها تشهق أنفاسها الأخيرة.

وعند نهايته، كان اللقاء ينتظر.

فتى، في مثل سنّه تقريبًا، وقف هنا لكن حضوره كان كئيبًا، ثقيلًا، كأنه يُفسد الهواء بمجرد وقوفه.

شعره أخضر بلونٍ غريب، ممشّط بشكل فوضويّ عن قصد، وعيناه بلونٍ أحمر باهت، تحدّقان دون رمش، كأنهما تلتهمان كل من يقع تحتهما.

لكن ما خطف نظر إيثان هو الندبة العريضة التي تشقّ وجهه من خده الأيمن إلى الأيسر كأنما الزمن قد حاول تمزيقه إلى نصفين، وفشل.

كان أطول من إيثان ببضعة سنتيمترات، لكنه بدا أثقل من ذلك بكثير.ط ثقلٌ لا يُقاس بالكيلوغرامات، بل بالألم والتاريخ والجنون.

وإلى جانبه، كان يقف أحد الرجال الذين رآهم ذات مرة، واقفًا خلف إزيل، يراقب بصمتٍ يثير الريبة.

؟؟:مرحبًا.

لم يردّ إيثان، لم ينظر حتى في اتجاه الصوت.

كأن التحية ارتطمت بجدار صمته وسقطت ميّتة على الأرض.

تقدّم أحد الرجال، ووقف أمام الفتى ذي الشعر الأخضر والندبة الغائرة، وقال بنبرة رسمية:

"السيد إزيل أرسل ماكس... لتُجريا منافسة.

ويأمل أن تُشكّلا فريقًا معًا، لاحقًا."

ماكس بصوت هادئ ونبرة مهذبة بشكل مصطنع.

ماكس :يشرفني مقابلتك، (S-001X)...

أنا (A-507X)، أو كما ينادونني: ماكس.

لم يلتفت إليه إيثان، بل ثبت نظره على الرجل، وتجاهل الآخر كأنه غير موجود، ثم قال بجفاف.

إيثان: ولماذا المنافسة؟

ردّ الرجل بنبرة لا تخلو من الاستعلاء:

"لنعرف قيمتك."

ضحك إيثان ضحكة قصيرة، خافتة، مملوءة بالمرارة والتهكّم.

إيثان : قيمتي؟... يا لها من نكتة...

انتقلوا إلى الساحة.

إيثان يعرف هذا المكان جيدًا جدرانه الملطّخة، الأرض التي شهدت عشرات الانهيارات، رائحة المعدن والعرق والرماد.

لم يعد يخشاه، ولم يعد يرهبه صار مشهدًا باهتًا في ذاكرته المثقلة ،وقف الآن وجهًا لوجه أمام ماكس.

فجأة، انطلقت أصوات النظام الآلي، رتيبة كالموت:

النظام:

«منافسة حيّة بين (A-507X) و(S-001X).

القتل ممنوع.

جميع الوسائل الأخرى مسموحة.

تنتهي المنافسة باستسلام أحد الطرفين أو وصوله لإصابة حرجة.»

في تلك اللحظة، عبر تساؤلٌ ساخر ذهن إيثان كوميض برقٍ في سماء ملبدة:

"هيه ممنوع القتل؟ هذا قانون جديد."

النظام:

«ليبدأ النزال.»

لم تمهله اللحظة التالية كثيرًا، لم تكد الجملة تُستكمل حتى تلقّى إيثان ضربة مفاجئة ضربة مباغتة مزّقت الهواء، واستقرت في صدر إيثان، أطاحته إلى الوراءالغريب أن ماكس لم يتحرّك قيد أنملة.

فقط ذراعه امتدت للأمام، كما لو كان يُحرّك قطع الشطرنجبعقله.

بدأت الأجسام المحيطة تهتزّ، والأرضية نفسها بدت وكأنها تتنفس باضطراب.

إيثان، رغم الصدمة، لم يسمح للذهول أن يُقيّده.

بينما كان يتراجع، التقط عقله التفاصيل:

"يبدو أن لديه قدرة على تفجير أو تحريك الأشياء عن بُعد بطريقة ما"

رغم الضربة، نهض بسرعة، وبدأ بالاندفاع محاولًا تقليص المسافة بينه وبين خصمه، مستعينًا بقدرته على تحليل الخطر وتوقّع الضربات ،عقله يحلل، جسده يصرخ، لكنه لا يتوقف.

حينها، ابتسم ماكس بسخرية، وردّ بصوته الحاد:

ماكس:

"لا تظن أن الأمر بهذه السهولة حتى لو تأقلمت سريعًا."

وفجأة، ضربة جانبية خاطفة لا صوت، لا تحذير، فقط موجة ضغط اخترقت الفراغ، صدمت إيثان في جانبه الأيسر ،قذفت إيثان كدمية مكسورة نحو أحد جدران الساحة،تبعثرت الدماء من فمه، والغبار غطّى جسده المنهك.

لكن...نهض.

واقِفًا وسط الركام، مغمورًا بالدخان،

عيناه تضيقان لا زالتا مشدودتين نحو خصمه،

عيناه تشعّان بثباتٍ مخيف،كان كمن خرج للتو من قبر لكنه يرفض الموت مجددًا.

داخل رأس ماكس، بدأت همساتٌ سامة تتسلل كالأفاعي تمتم، محمّلًا بالغضب والإحباط، بصوتٍ لا يسمعه أحد سواه:

"كان عليه ألّا يتجاهلني...

لماذا السيد مهتمٌ بشخصٍ مثله؟"

الغيرة، الحسد ، الشعور بالنقص أمام نظرات اللامبالاة التي غرسها إيثان فيه كخنجر.

وبينما هو غارق في شرار أفكاره، التفت بسرعة خلفه، كمن استشعر خطرًا...لكنّه تأخر كثيرًا.

عينا إيثان كانتا هناك قريبتان حد الرعب.

كان يقف خلفه مباشرة، كظلٍّ تخلّق من الصمت والدم.

قبضة من حديد انطبقت على رأس ماكس بقوة ساحقة وفي لحظة، ارتطم جسده بالأرض، ثم تبعتها صرخة مدوية حين سُحبت ذراعه للخلف حتى كُسِرَت بطريقةٍ لا إنسانية،مصحوبة بصوت العظام وهي تتحطم تحت سطوة الغضب المكبوت.

صوت تكسر العظام صرخ في الساحة بصوتٍ أعلى من أن يُتجاهل،تلاه صراخٌ بشري مشروخ، مذبوح، من ماكس نفسه.

إيثان لم يصرخ ،لم يتنفس بصعوبة.

لم يبدُ عليه الغضب ولا الشماتة ،فقط عيونٌ جامدة، غارقة في الدماء، ووجهٌ لا يحمل ملامح بشرية.

نظراته الباردة وحدها كانت كافية لتجمّد الهواء،

وصمته، صمته كان صرخةً من نوعٍ آخر،

صرخةً ملأت الساحة برعبٍ نقيّ، لا اسم له.

صمته وحده ملأ الساحة برعبٍ لم تعرفه من قبل رعبٌ بلا صوت، بلا شفقة كأن الموت يقف أمامك.

باندفاعٍ يائس، استخدم ماكس قوّته ليدفع إيثان بعيدًا عنه، موجة خفية انفجرت بينهما لتقذفه عدة أمتار إلى الوراء.

سقط إيثان على ركبتيه، لكنه لم يلبث أن نهض ببطء لا تأوّه، لا وجع فقط نظرات حادة، صلبة كالفولاذ.

أما ماكس، فنهض متكئًا على ذراعه الأخرى، بينما يتشبث بذراعه المحطّمة التي تدلّت بزاويةٍ غير طبيعية.

وجهه الذي تلقّى الضربات من الجانب الأيمن بدأ يتقشّر كقناعٍ زائف تتكشف أسفل الجلد المتصدّع طبقة معدنية لامعة، أنظمة دقيقة، وأجزاء ميكانيكية،

كأن ملامحه قد كانت كذبة طوال الوقت.

رمق إيثان بنظرةٍ حاقدة، والنار تشتعل في عينيه لكن إيثان كان واقفًا بثبات مخيف، سكونه يسبق العاصفة، وهالةٌ لم يُرَ مثلها من قبل بدأت تتجمّع حوله كأن الأرض ذاتها تنكمش تحته من شدة الضغط.

عيناه كان فيهما شيء مروّع، شيء لا يخص عالم البشر.

تقدم خطوة، ثم قال بصوت بارد، كأنما يُلقي بحكم إعدام.

إيثان: وتحسبُ نفسك إنسانًا؟

وأنت مجرد آلة لا أكثر.

ارتعد فكّ ماكس، وصرخ بجنون، وقد تفجرت مشاعره دفعة واحدة.

ماكس: أيها الشيطان الوغد!

تظن أنك انتهيت مني؟!

النظام:

«انتهى النزال»

دوى الإعلان في الساحة، ليقطعه صوت ماكس المنفجر غضبًا، وقد فقد السيطرة تمامًا :

ماكس : ماذا؟! لا! لم ينتهِ بعد!

سأقتله بيديّ هاتين! هذا اللعين!

صرخ بجنون وهو يحاول تفعيل قدراته مجددًا، لكن مجموعة من رجال الأمن اندفعت بسرعة نحوه، كأنهم كانوا يترقّبون لحظته التالية.

أحكموا قبضتهم عليه، وسحبوه بعيدًا، فيما استمر في الصراخ والتهديد كوحشٍ جريح، يُنتزع من فريسته بالقوة.

أما إيثان فقد ظل واقفًا، لا يرمش.

عيناه لم تفارقا خصمه لحظة نظراته كانت كالسكاكين، مشبعة بالقرف والاشمئزاز كأنّه لا يرى أمامه سوى كومة من النفايات البشرية.

استدار بهدوء، ولحق بالعالِم الذي كان بانتظاره قرب بوابة الساحة، سارا سويًا بصمت، يعبران ممرًا طويلًا وممتدًا، محاطًا بجدران معدنية ملساء وهادئة أكثر مما ينبغي.

الوجهة كانت واضحة: عيادة سيلينا منطقة طبية شبه معزولة، بعيدة عن صخب المختبرات.

الهدوء،الخطوات المنتظمة،رائحة الكحول والمطهّرات ، كل شيء كان عاديًا.

حتى امتدت يد إيثان فجأة نحو عنق العالم الذي يسير أمامه. قبضته اشتدت في لحظة كشفت عن نيةٍ لم تكن وليدة لحظة، بل خطة نضجت بصمت.

لم تمنحه الضحية فرصة لصرخة،

أنفاسه انحبست، عينيه اتسعتا رعبًا، وركبتاه تخلخلتا

العالِم حاول المقاومة، لكن عبثًا لم تمر ثوانٍ حتى انقطعت أنفاسه بالكامل، لحظات... وسقط صامتًا، جثّة بلا روح.

ثم دويّت صفارات الإنذار فجأة، تقطع السكون بشراسة، كأنها أصوات حربٍ تُقرع.

أضواء حمراء تومض على الجدران، أصوات أقدام تُسمع من بعيد، فوضى قادمة.

لكن إيثان ظل ثابتًا وسط ذلك كله، لم يتحرّك، لم يتوتر.

وبهمس خافت خرج من فمه، كأنّه وعدٌ قديم تحقّق أخيرًا بهمسٍ أشبه بنبوءة :

"حان الوقت."

.

.

.

.

يتبع

ــ هل انتهت فعلًا؟

أم أنّ كل ما جرى لم يكن سوى التمهيد للجحيم الحقيقي؟

ــ هل سيبقى إيثان على هذا الثبات؟

أم أن ما بداخله بدأ يتشقق؟

ــ ماكس هل انتهى أمره؟

أم أن الغيرة والآلة ستُعيده بثمنٍ أغلى؟

اكتبوا توقعاتكم، تحليلاتكم، ورايكم في مجريات الفصل

كلّ تفصيلة تهمّني، وكل حرف تكتبوه يدفعني للكتابة أكثر.

شكرًا على وقتكم، قلوبكم، وتشجيعكم المستمر.

أتمنى أنّ الفصل نال إعجابكم، وإذا وصلتم لهنا

فأنتم من النخبة.

نراكم في القادم

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

هذا ليس بشريًا (Error 404)

المؤلف Mizumiꨄ
2025/06/13 مستمرة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة