وقف الزعيم إنريكو وسط الممرّ الضيق المؤدّي إلى العيادة الخاصة بـ مارش، يقف بجانبه حارسه الشخصي متأهّبًا.
كان الوقت مغيبًا، والظلال تتسلل ببطء إلى زوايا المكان، تغمره بسكون ثقيل يشبه ما قبل العاصفة، ابتسم إنريكو تلك الابتسامة المصطنعة التي تُخفي أكثر مما تُظهر، وقال بصوتٍ رصين.
-إنريكو: يالها من مصادفة أن نلتقي هنا، هاديس.
-هاديس (إيثان): نعم…
مصادفة غريبة أن أجد الزعيم بنفسه يتجوّل في أماكن قذرة كهذه.
ضحك إنريكو بخفة ثم أجاب.
-إنريكو: أنا أهتم بجميع أتباعي
لذا لا يهم إن كانت الأماكن نظيفة… أو قذرة.
إيثان، بابتسامة ساخرة نطق.
-هاديس (إيثان): يا لك من رحيم…
أظنك ستعانق الشيطان إن وجدته واقفًا أمامك.
تغيّر وجه إنريكو للحظة، واكفهرّ الحارس الشخصي وهو يصرخ متقدمًا بخطوات غاضبة.
-الحارس: انتبه لكلامك أيها الوغد!
لكن إنريكو رفع يده في الهواء ببرود، فأوقفه على الفور.
-هاديس (إيثان) وهو لا يزال يحدّق:
ماذا؟ هل قلتُ شيئًا خاطئًا؟
أعاد إنريكو ابتسامته المزيفة وقال.
-إنريكو : لا بأس… لا بأس
لكن أخبرني، كيف كانت مهمتك الأولى؟
إيثان أجابه بنبرة مستهزئة.
-هاديس (إيثان) :أكثر متعةً مما توقّعت
كنت أظنني سأموت من الملل، لكن عنصر المفاجأة...
كان رائعًا!
ضحك إنريكو بصوت منخفض، وقال.
-إنريكو : جيد… يبدو أنك تتأقلم سريعًا مع…
الأجواء.
إيثان، مقاطعًا بحدة.
-هاديس (إيثان) :أجل
كان عليك أن ترى وجوه من قرروا حضور الحفلة متأخرين على أية حال، اعتذر…
عليّ اللحاق بـ جاك لم يستطع مواصلة السهرة، جسده العجوز لم يحتمل.
ومرّ بجانب إنريكو وكأنه ظلّ، تجاوزه دون أن يلتفت، خطواته ثابتة، باردة، غير عابئة بوجود أحد.
ثم فجأة
استدار للحظة،وصوته خرج منخفضًا، لكنه اخترق قلب إنريكو كالسهم.
-هاديس (إيثان):بالمناسبة هل وصلتك رسالتي؟
آمل أن يكون ساعي البريد… سريعًا بما يكفي.
ثم أكمل طريقه كأن شيئًا لم يكن،
ولم يرد إنريكو، لم يكن هناك سوى الصمت وصوت أنيابه تطحن بعضها من الغيظ.
عاد إنريكو إلى مكتبه كعاصفة اجتاحت المكان، دفع باب المكتب بعنف، فتطاير من قبضته وما إن دخل، حتى بدأ يُسقط كل ما تقع عليه يده.
الطاولة انقلبت، الكراسي تحطّمت، المزهرية هشّمها بقدمه، والصراخ انفجر من صدره كحمم لا تهدأ.
إنريكو يصرخ بغضبٍ متفجّر.
-إنريكو: كيف يجرؤ؟!
ذلك المراهق… ذلك الحثالة أن يهينني هكذا؟ أمام الجميع؟!
دخلت السكرتيرة مذعورة تحاول تهدئته.
-السكرتيرة: سيدي… أرجوك
تمهّل سنعالج الأمر—
قاطَعها بعينين تشتعلان.
-إنريكو : تمهّل؟!
هل تطلبين مني التمهّل بعد أن بصق في وجهي أمام رجالي؟!
أين أولئك العاهرين الذين أرسلتهم؟
ألم يكن بإمكانهم تلقين ذلك الصغير درسًا؟!
دخل أحد الحراس، ملامحه جامدة، لكنه لا يخفي التوتر.
-الحارس: سيدي… نعتذر،
فقدنا الاتصال بهم منذ ساعات
حاولنا التواصل… لكن بلا فائدة
أرسلتُ رجلاً لاستكشاف ما حدث، وقد وجد أحدهم حيًّا… هو في طريقه الآن.
توقف إنريكو لحظة تنفّسه ثقيل، كأن صدره يحاول احتواء بركان، ثم ضرب الحائط بقبضته وهو يصرخ.
إنريكو: عليه أن يصل بسرعة
حتى أقتله بيدي هاتين إن كان هو السبب في هذه الإهانة!
عمّ الصمت المكتب، سوى صوت أنفاسه الغاضبة وعينيه الممتلئتين بنار، بعد دقائق دوى طرق خافت على الباب دخل أحد الحراس، يتبعه رجل نصف ميت جسده ينزف، قدمه تجرّ خلفه، ويده معلّقة بجانبه كأنها فقدت الوعي قبله.
عيناه كانتا خاويتين تمامًا، نظرة رجل لم يعد ينتمي لهذا العالم، وقف إنريكو فورًا، وقد تجمّد الحاضرون من صدمة المشهد، وضع الحارس المصاب متكئًا على الحائط، وابتعد.
- إنريكو، بحدّة: ما الذي حدث؟!
أرسلتكم لتقتلوا جاك ومراهقًا أحمق!
فتعود لي كعاهرة على شفير الموت؟! أين البقية؟!
الرجل المصاب، صوته متقطّع، وجهه شاحب.
-الرجل المصاب : كان… كان شيطانًا… بحق…!
(يسعل بشدة، ينثر بقع دم)
لقد قتلهم… كلهم..
-إنريكو، بصوت مرعِب: من؟!
يجيبه الرجل المصاب، بالكاد يرفع رأسه.
-الرجل المصاب: الفتى… مع الرجل… هشّم رؤوسهم… لم يُمهلنا حتى نلتقط أنفاسنا…
-إنريكو، يزأر: تقول إن مراهقًا فعل هذا بكم؟!
-الرجل المصاب: ليس مراهقًا…
إنه شيطان… قال لي… أن أخبرك…
أن تتوقف عن إرسال المزيد… وإلا، ستكون التالي.
أصيب إنريكو برجفة في عينيه لكن صرخ مرة أخرى.
-إنريكو: هل أخبرته أنني من أرسلتكم؟!
- الرجل المصاب، بصوت متهالك:
لم أخبره… كان يعرف… كان متأك—…
توقّف فجأة سقط رأسه للخلف
مات.
خيم صمت ثقيل على الغرفة كل الحاضرين ثبتوا في أماكنهم، مصدومين أما إنريكو، فاستدار بخطوات بطيئة، وجلس على كرسيه، وانحنى، يخفي وجهه خلف راحتيه.
مرّت ثوانٍ
ثم أنزل يديه، وحدّق في الفراغ أمامه
إنريكو، بصوت منخفض لكنه مملوء بغليان.
إنريكو: هل جلبتم لي المعلومات التي طلبتها عن ذلك اللقيط؟
- الحارس، متردّدًا: في الواقع يا سيدي…
لم نجد شيئًا.
-إنريكو، نظر إليه ببطء: ماذا؟
- الحارس، يحني رأسه: بحثنا في كل قاعدة بيانات، في كل سجلات الدولة… لا اسم، لا بصمة، لا سجل ميلاد
حتى دور الأيتام… لا شيء
كأنه… لم يُولد أبدًا
ضرب إنريكو سطح المكتب بقبضته، فاهتز كل شيء.
- إنريكو: أتقصد أن هذا اللعين خرج من الجحيم؟!
من العدم؟!
لم يرد أحد
ان الحارس مطأطئ الرأس، لا يجرؤ على التنفّس
وفجأة… رن الهاتف الأرضي بجانبه، تردد صدى الرنين في الغرفة كصفعة.
مدّ إنريكو يده والتقط السماعة، صوته متوتّر.
- إنريكو : نعم؟
جاءه صوت أنثوي خفيف لكن يحمل تحت نغمة المزاح سُمًّا يعرفه جيدًا.
- كارمن: آه مرحبًا إنريكو~
لقد مر وقت طويل، أليس كذلك؟ هاهاها… كيف حالك؟
- إنريكو: ما الذي دفعكِ للاتصال؟
تكلمي بسرعة، كارمن.
- كارمن: آه يالك من قاسٍ
كل ما فعلتُه أنني سألت عن أحوالك~
وهكذا تستقبلني؟
ضحكت بخفة ثم تابعت، وكأنها تستمتع بتعذيبه البطيء.
- كارمن : على كل حال، ليس هذا المهم…
كنت فقط أودّ أن أسأل عن فتى هاديس
هل هو بخير؟ لقد اشتقت لرؤيته، صدقًا.
تجمّدت ملامح إنريكو ثم سألها بصوت مُتحجّر.
- إنريكو:...لماذا تسألين عنه؟
جاءه الردّ هادئًا، ملوّنًا بالخبث.
- كارمن: آه، لم يخبرك أحد؟
أنا المشرفة عليه رسميًا وقد اجتاز الاختبار بجدارة
نال إعجابي من النادر أن يحدث هذا.
لحظة صمت قاتلة.
- إنريكو يحاول كبح انفعاله:
إذًا… أصبح عضوًا رسميًا…
- كارمن: نعم
أوَصِل له سلامي واهتم به، رجاءً
دعه يعيش مع جاك حاليًا...
زمّ إنريكو شفتيه، ثم سأل بشكّ.
- إنريكو: لماذا جاك… بالتحديد؟
وهنا تغيّر كل شيء.
اختفت نبرة الدعابة، وحلّت محلها برودة قاتلة.
- كارمن: تسأل كثيرًا، يا إنريكو
هل لديك اعتراضات؟
ساد الصمت
إنريكو، بعد لحظة، بصوت منخفض أجاب.
- إنريكو : لا
سأنفذ ما طُلب مني.
- كارمن، بنغمة ظافرة: هكذا أحبك.
إلى اللقاء، إذن.
وأغلقت الخط.
ظل إنريكو متجمّدًا للحظة، يحدّق في الفراغ
أنفاسه تتسارع، عروقه تخفق، قبضته تنغلق
ثم فجأة رمى سماعة الهاتف بعنف على الأرض، وتحطّمت إلى قطع.
كان جسده يرتجف، لكن عينيه كانتا أكثر شيء يتكلم:
هذا لم ينتهِ.
أنا لا أنسى من يتحدّاني.
في تلك الأثناء، وصل إيثان إلى عيادة مارش
دفع الباب الحديدي العتيق ببطء، فصدر عنه صريرٌ حاد، كأن المكان نفسه يئنّ من ثقل الزمن.
دخل إلى غرفة ذات جدران فيروزيّة باهتة، تتدلّى عليها رفوفٌ قديمة تحمل زجاجات وأدوات طبية، على الجهة اليمنى، استقرّ سريرٌ معدني مغطّى بملاءة شبه ممزقة، كان جاك ممددًا عليه وجهه شاحب، وضمادة ملطّخة بالدم تغطي خاصرته.
إلى جواره طاولة مملوءة بمقصات وسكاكين طبية، معظمها ملطّخ بدمٍ لم يجف بعد، وأرضية الغرفة غارقة بالفوضى.
مارش جلس بجانب السرير، يراقب دخول إيثان بنظرة لا تخلو من فضول.
- هاديس (إيثان ) : هل هذا العجوز فارق الحياة، أم لا يزال لديه ستة أرواح احتياطية؟
ردف جاك، بصوت متعب وساخر.
- جاك : أيها الصعلوك اللعين… أتتمنّى موتي حقًا؟
- هاديس (إيثان): يالعجب!
يبدو أنك قطّ بأرواحٍ لا تنتهي…
كم بقي منها؟ اثنتان؟ أم واحدة بالكاد تتنفس؟
مارش، ضاحكًا وهو يشير بيده.
- مارش : لا تقلق، إصابته لم تكن قاتلة من الأساس
لكن كما ترى، الزمن يأكل هذا الرجل ببطء.
- جاك، متهكمًا: الآن ضدي أنت أيضًا؟
- مارش، بابتسامة مرحة: أنا فقط مع الحقيقة، يا صديقي.
تقدّم إيثان بخطى هادئة وجلس على كرسي بلاستيكي أبيض قربهما، ألقى نظرة مطوّلة إلى السقف المهترئ، ثم أعاد نظره إلى جاك، ساخراً.
- هاديس (إيثان):أظن أن وقت استقالته قد حان.
- مارش: أتمنى ذلك لكنه عنيد كحصان روسي.
- جاك وهو يزفر بضيق: تبا لكم، هكذا تعاملون
رجلاً مسنًا ومصابًا؟
مارش، مشيرًا بيده إليه كمن يُسدل الستار على عرض
- مارش : انسَ أمره
والاسم هاديس، أليس كذلك؟
- هاديس (إيثان) : نعم هذا ما يسمّونني به الآن.
مارش، يضيّق عينيه، يتأمل وجه الفتى.
- مارش : هل صحيح ما يُقال؟
أنك قضيت على أولئك الأربعة… وحدك؟
لم يردّ إيثان مباشرة.
أدار رأسه نحو مارش، ونظر إليه نظرة جامدة لا حياة فيها ثم قال بصوت خافت.
- هاديس (إيثان): نعم فعلت
"هل تريد تجربة ذلك بنفسك؟
في تلك اللحظة تغيّرت الهالة في الغرفة
هواء ثقيل خيّم عليهم، مارش شحب وجهه، وشعر بشيء يلتفّ حول عنقه، كأن الغرفة بأكملها فقدت حرارة الحياة.
- مارش، وهو يهز رأسه: أوه !
لم أقصد التشكيك فيك يا هاديس، بل العكس تمامًا
أنا منبهر مما فعلت ، صحيح أنهم من فئة (C)، لكن أولئك الأوغاد معروفون بالخيانة والغدر…
نطق إيثان بنبرة باردة كأنها تصف طقسًا لا مذبحة.
- هاديس (إيثان) : وأصبح الآن من المستحيل التعرف على وجوههم.
ضحك مارش بهدوء، ثم مال إلى الوراء على كرسيه البلاستيكي المتأرجح.
- مارش : يالك من فتى… إذن، أين تنوي العيش الآن؟ سمعت من جاك أنك بلا مأوى.
نظر إيثان إلى جاك.
ذلك الأخير التفت فجأة إلى الحائط، وكأنه مهتم جدًا بتشقق الدهان القديم عليه، أعاد إيثان نظره إلى الأمام، وقال.
- هاديس (إيثان) : لا أعلم
سأنتظر قرار زعيمكم.
وفجأة فُتح باب العيادة بصوت معدني، ودخل ستيفن بخطواته المتهاونة المعتادة، تجوّل بنظره سريعًا، ثم جلس على طاولة جانبية وتوجه بكلامه إلى إيثان بابتسامة عريضة.
- ستيفن: يبدو أن زعيمنا المحترم
لديه هواية واحدة مؤخرًا وهي إغاظتك
قالوا لي إنك ستعيش مع جاك! ههههه، رائع أليس كذلك؟
- هاديس (إيثان) : أفضل الموت
على أن أعيش مع عجوز يتنفس بصوت أعلى من خطواته.
نظر إليه جاك بصمت، ملامحه جامدة لكن عينيه تلمعان بنصف ابتسامة، مارش، ضاحكًا وهو يشير بعكازة إلى جاك.
- مارش : فكرة ممتازة في الواقع
جاك لن يستطيع مزاولة عمله لشهرٍ على الأقل
فلتعتبرها إجازة مع مساعد خاص.
زمّ إيثان شفتيه، لم يُعجبه ما سمع، بينما كان جاك على العكس تمامًا، انتعش وجهه فجأة، وكأنه استعاد عشرين سنة من عمره دفعة واحدة.
حاول النهوض من السرير متفاخرًا، فبادره مارش بالعكاز ليتكئ عليه، ثم أشار لهم وهو يمشي ببطء.
- جاك: كفى هراءً
هاديس، اتبعني.
- هاديس (إيثان): إلى أين؟
- جاك، بابتسامة خبيثة: سأريك قصري المتواضع.
أمسك بذراع إيثان وسحبه معه، يمشي بخطى بطيئة، لكن مفعمة بحياة نادرة لم تُرَ على وجهه منذ زمن طويل، تبادل مارش وستيفن النظرات، ثم انفجرا بالضحك سويًا،
ستيفن، يضع كفه على رأسه كأنه غير مصدق.
- ستيفين: لا أصدق ما أراه
هذا العجوز عندما يُصاب، يظل نائمًا هنا يومين كجثة تنتظر من يغسلها، أما الآن؟
يتحرك كأنه في العشرين! فقط لأن هذا الفتى معه؟
- مارش: آه، يا رجل
يبدو أن شيئًا ما فيه عاد للعمل
ربما شيء كان ميتًا منذ سنين.
- ستيفن: من يدري؟
ربما وجد ما يستحق أن يُقاتل لأجله مرة ثانية.
- مارش، يربت على كتف ستيفن:
أجل الاثنان متشابهان أكثر مما يعترفان به.
- ستيفن: والاثنان عنيدان بدرجة كارثية.
وبعد مرور بعض الوقت، وصلت سيارة الأجرة التي تقلّ جاك وإيثان إلى أحد أحياء المدينة الهادئة.
كان المنزل بسيطًا وجميلًا من الخارج، بلون أبيض حليبي تُزينه أبواب أمامية بلونٍ برتقالي قاتم مائلٍ إلى البني الفاتح، يذكر بألوان الخريف.
تقدم جاك نحو الباب الأمامي الأسود، وأخرجه من عزلته بمفتاحٍ خاص، على يمينه كان باب زجاجي يكشف عن غرفة المعيشة، وعلى يساره كراج سيارة مغلق.
ما إن دخلا حتى استقبلهما دفء المكان وهدوؤه
في المدخل، كان السلم الخشبي يتصدر المشهد، وعلى جانبيه رفوف صغيرة معلّقة، تعجّ بالكتب والنباتات المتدلية برقة، كأنها تحرس السلم بصمت.
نزعا أحذيتهما عند العتبة، ثم توجّها إلى غرفة المعيشة،
رمى جاك جسده المُرهق على أريكة بيضاء مريحة تتوسطها طاولة زجاجية محاطة بإطار خشبي.
الغرفة مفعمة بالحياة، رغم سكونها نباتات خضراء تملأ الأركان، ولوحات فنية بأسلوب عصري تزيّن الجدران، وفي الزاوية اليمنى باب زجاجي يفتح على حديقة منزل صغيرة لكنها أنيقة.
في المقابل، كان هناك مدخل بلا باب، أقرب إلى قوس أنيق، يقود إلى المطبخ، جاك، مبتسمًا وهو يفتح ذراعيه كأنه يقدّم مسرحًا عزيزًا على قلبه.
- جاك: ما رأيك؟ منزلي، أليس جميلاً؟
- هاديس (إيثان) وهو يُلقي نظرة سريعة:
آه… نعم
هادئٌ أكثر مما توقعت.
- جاك: تعال، دعني أريك باقي المنزل وغرفتك.
تقدّما نحو المطبخ
كان مفتوحًا على الطراز العصري، بخزائن من الخشب البني الداكن، وسطح من الرخام الأبيض اللامع، في المنتصف، طاولة طعام صغيرة لأربعة أشخاص، يتدلّى فوقها مصباح أنيق، وعلى الطاولة إناءٌ زجاجيّ بداخله نبات أخضر حي.
لكن جاك، الذي كان يتكلم طوال الطريق، توقّف فجأة،
سقط الصمت على المكان، كما تسقط ورقة ميتة في الخريف صامتة، لكنها تحمل وزن الحزن كله.
نظره تجمد على زاوية الطاولة
هناك حيث اعتادت زوجته الجلوس، حيث اعتاد ابنه الصغير أن يثرثر ويضحك، مرت لحظة ثقيلة
ثم تنفس جاك بعمق، رفع رأسه.
- هاديس (إيثان): جاك...؟
- جاك: آه، نعم، هذا هو المطبخ!
هل تجيد الطبخ بالمناسبة؟
- هاديس (إيثان): لا...
- جاك: حسنًا، لا بأس لحسن الحظ، أنا طباخ ممتاز! ستتذوق قريبًا وصفتي السرية~
ابتسم جاك وهو يمدح نفسه، لكن إيثان لم يُجبه، بل غادر المطبخ بهدوء بعد أن تأكد أن جاك بخير، تاركًا العجوز يثرثر وحده، نظر إلى يساره حيث كان هناك بابان إضافيان.
- جاك: هناك غرفتي
والباب الآخر هو الحمّام تعال، سأريك.
فتح الباب الأيسر، ودخل إلى الحمّام. كان بسيطًا وأنيقًا، حوض استحمام من الرخام الأبيض، مرش مياه، وجدار حجري يزين الزاوية، وبجانبه نخلة صغيرة موضوعة على الأرض في أصيص.
على اليسار، كانت هناك فتحة مقوّسة في الجدار تؤدي إلى غرفة غسيل صغيرة.
- جاك: هذا هو الحمام، وتلك غرفة الغسيل
عندما تنتهي، خذ حمامًا واغسل ثيابك
هل لديك غيرها؟
- هاديس (إيثان) : ...لا، فقط هذه.
- جاك: أوه، لا بأس
أعتقد أن عندي ملابس من عشرة أعوام مضت
وأنت بالمناسبة تحتاج لقص شعرك أيضًا.
- هاديس (إيثان): هل هو سيء؟
- جاك: نعم، فضيع جدًا!
كيف ترى وأنت مغطى الشعر هكذا؟
شعرك يغطي عينيك! اجلس هنا، سأقصه لك.
تردد إيثان قليلًا. هذه أول مرة منذ زمن يُعامل فيها بشكل عادي، بشيء من العناية، ولم يكن قد اعتاد على ذلك بعد، منذ ما جرى له، انقطع عن الثقة بأي شخص، لكن جاك لم يتراجع.
- جاك: لا تقلق أنا جيد في هذا.
- هاديس (إيثان): وماذا عن إصابتك؟
- جاك: لا تقلق، لا زال مفعول المُخدّر يعمل
دعني أُنهيه قبل أن يعود الألم.
جلس إيثان على كرسي خشبي وضعه جاك أمام مرآة دائرية مُعلقة على جدار الحمّام، خرج جاك من الخزانة بأدوات قص الشعر وبعض المستلزمات، وبدأ العمل بصمت.
كان شعر إيثان طويلاً، يتدلّى على عينيه ويصل إلى أسفل رقبته، قصّه جاك بعناية، جعل طوله أقصر بكثير، وقص الجوانب بشكل نظيف، ليبدو مرتّبًا وأنيقًا.
الآن أصبحت عيناه واضحتين عينان بلونٍ أخضر ناعم، فيهما نظرة متعبة لكنها آسرة، لكن مع هذا الوضوح، برزت الندبة التي تعبر عينه اليمنى بوضوح، نظر إيثان إلى نفسه في المرآة.
تلك الندبة... لم يرها منذ زمن، أو ربما كان يتجنب النظر
مرت لحظة طويلة دون أن يتكلم، فقط يتأمل صورته الجديدة أو القديمة التي لم يرها منذ سنوات.
- جاك: أرأيت؟ أبدعت! هاهاها!
- هاديس (إيثان): آه... نعم، شكرًا لك.
- جاك: لو كانت ابنتي على قيد الحياة الآن
لزوّجتك إياها، أيها الوغد!
أقسم أنك ستجذب الفتيات بسهولة
لديك مستقبل واعد، هاهاها!
- هاديس (إيثان): توقف عن هذا العبث، أيها العجوز.
- جاك: هههه حسناً حسناً، اذهب وخذ حماماً
سأبحث لك عن بعض الثياب.
غادر جاك الغرفة، بينما بدأ إيثان بفتح الماء الساخن في حوض الاستحمام، خلع ثيابه القذرة واحدة تلو الأخرى، ثم نظر إلى المرآة...
جسده الهزيل، المغطى بالندوب، وعلامات العمليات الجراحية، بدا كخريطة للحرب لا مكان فيه يخلو من أثر،
خطوط سوداء، ندبات محفورة، أثار غرز وجروح قديمة... جسد لا يبدو كجسد فتى، بل كسجين خرج من جحيم تجارب بشرية.
وفي منتصف أسفل عنقه، وشم واضح رمز محفور بدقة:
S - 001X
نقش رقم تجربة، ملكية خاصة بشيء لا إنساني، شيء يمقته في نفسه.
دخل الحوض وجلس بصمت، ترك الماء يغمره حتى رقبته، ثم أغمض عينيه وغطس رأسه بالكامل، كأنّه غاص في محيط ثقيل، معيق... كأنّ يهرب من العالم.
ظل هناك، ساكناً، لا يتحرك. حتى قطع الصمت صوت طرق خفيف على الباب.
- جاك : هل انتهيت ؟
- هاديس (إيثان): سا أخرج بعد قليل.
- جاك: ستجد المناشف في الأدراج.
نهض إيثان ببطء من الحوض، أخذ منشفة من الرفوف، وجفف نفسه، فتح الأدراج، فوجد روبين: أحدهما نسائي، والآخر رجالي، لكنه بدا كبيرًا عليه.
ارتدى الروب الرجالي على أي حال، ثم خرج إلى جاك.
- جاك، وهو ينفجر ضاحكًا:
هاهاها! يا رجل، لم أتوقع أن يكون بهذا الحجم عليك! كأنك طفل تائه بثياب والده!
- هاديس (إيثان): اصمت.
- جاك: حسنًا، حسنًا... خذ هذه
هذا أصغر ما أملكه، ربما يناسبك.
ارتدِها، وسأكون جالسًا هنا إلى أن أريك غرفتك في الطابق العلوي.
أوه، وطلبت طعامًا جاهزًا، لا طاقة لي للطبخ اليوم، آسف.
- هاديس (إيثان): لا بأس.
أعطاه جاك بعض الثياب، ثم عاد إلى الأريكة وفتح التلفاز بينما عاد إيثان إلى الحمام ليرتديها.
الثياب كانت قديمة بعض الشيء، لكنها نظيفة، سروال أبيض واسع جدًا عليه، لكنه ربطه بالخيوط المحكمة عند الخصر ليمنعه من السقوط.
هودي البني كانت أكمامه أطول من اللازم، فسحبها لأعلى حتى وصلت إلى منتصف ساعديه، وكان واسعًا أيضًا، لكن مريح.
وقف إيثان أمام المرآة للحظة، ينظر إلى نفسه،
ما زال يبدو غريبًا عن هذا المكان... لكن على الأقل، كان يشعر بنقطة راحة حتى لو لم يعترف بذلك.
خرج إيثان من الحمام، يسحب أكمام الهودي إلى أعلى ساعديه وهو يخطو نحو غرفة المعيشة.
كان التلفاز لا يزال يعمل فعلاً، وصوت المذيع الخافت يملأ المكان، والطعام وُضع بعناية على الطاولة الخشبية أمام الأريكة البيضاء.
لكن جاك
لم يكن هناك.
لا صوت يُسمع سوى هدير التلفاز، ولا حركة في الأرجاء، الغرفة بدت فجأة أكبر من المعتاد، أهدأ مما يجب...
وكأن شيئًا ما خرج منها لتوّه، أو دخل إليها دون أن يُرى.
حدّق إيثان في الطاولة، في الطعام، في الممر المؤدي للسلم... ثم همس لنفسه بصوت بالكاد يُسمع:
"كان هنا قبل لحظات..."
ثم ارتفع صوت التلفاز فجأة دون أن يلمسه أحد
الضوء الخافت في السقف بدأ يرمش ببطء.
عندها فقطشعر بشيء غريب خلفه
لكن حين استدار
.
.
.
.
.
يتبع
Mizumiꨄ