الفصل 13 - حين تسقطُ النجوم

الفصل 13 - حين تسقطُ النجوم

11 0

كان المكان ساكنًا وهادئًا حتى شعر إيثان بخطواتٍ قادمة من الطابق العلوي. تلقائيًا، اتخذ وضعية قتالية، جسده استجاب قبل عقله، وكأن غريزته تعرف الخطر قبل أن يُعلن عن نفسه.

لكنه ما لبث أن هدأ حين سمع صوت تثاؤب ثقيل مألوف.

كان جاك يهبط السلم متكئًا على عكازه، شاحب الملامح، لكنه محتفظ بابتسامته المتعبة، ألقى نظرة سريعة على إيثان وقال بلهجته المعتادة.

- جاك: أوه، أنهيت استحمامك؟

- هاديس (إيثان): ... نعم.

- جاك: عذرًا إن تأخرت

كنت أتفقّد الغرفة التي ستقيم فيها غيرت الملاءات، لكن الغبار كان يملأ كل زاوية، غدًا نُنظّفها سويًا، الآن لا قدرة لي على ذلك.

- هاديس (إيثان): لا بأس...

يمكنني النوم على الأريكة إن لزم الأمر.

- جاك (ضاحكًا): بل أخاف

أن أستيقظ صباحًا وأراك ممددًا هناك، فأظنّك جثة!

وأغادر هذا العالم بسكتة قلبيّة فورية هاهاها!

- هاديس (إيثان) بتنهيدة متعبة:

ها قد بدأ مجددًا...

اقترب جاك من الطاولة وجلس، وكان قد أعد وجبة بسيطة بيتزا، وشطائر، ومقبلات متناثرة، وزجاجات مشروبات غازية، منفضة سجائر كانت على جانب الطاولة، ولا تزال لفافة مشتعلة تبعث خيوطًا من الدخان، تعبق في الجو برائحة التبغ.

وقف إيثان يحدّق في الدخان المتصاعد، وقد شرد ذهنه فجأة، تسلّلت إلى ذاكرته صورة سيلينا، لحظتهم الأخيرة معًا، صوتها، نظراتها، ذلك الرماد الذي بقي دون أن يُطفأ.

- جاك، مستغربًا: ما الأمر؟ لماذا لا تجلس؟

آه، هل يُزعجك الدخان؟ آسف... نسيت أن أطفئها، عادة بائسة لا أزال أمارسها رغم كل شيء.

يطفئ جاك السيجارة بعفوية ويُبعِد المنفضة عن الطاولة، ثم يلتفت نحو إيثان بإيماءة خفيفة تدعوه للجلوس، يأخذ إيثان مقعده أخيرًا، صامتًا للحظة، قبل أن يرد بصوته الرتيب.

- هاديس (إيثان): لا، لا بأس...

أنا معتاد على هذا، فقط شردت قليلاً.

- جاك ، يرفع حاجبه وهو يراقبه: هممم...

- هاديس (إيثان): ماذا؟

- جاك، يتنهّد ثم ينظر للطاولة:

لا أظن أن هذا الطعام يكفي.

- هاديس (إيثان): إن لم يكفك فلا تقلق

لست جائعًا على أي حال.

- جاك، يضرب الطاولة بخفة: أيها الأحمق!

ينظر إليه بنصف ابتسامة، نصف جدية.

- جاك: لا يكفيك أنت

انظر إلى نفسك أُقسم أنك و علاقه الملابس أصبحتما شيئًا واحدًا!

من شدة نحافتك، أرى عظامك كأنك لوحة تشريح متحركة، ثم تقول لي: (لا أريد أن آكل)؟

إيثان ينظر بعيدًا وهو يرد ببرود مألوف.

- هاديس (إيثان): الجوع ليس على رأس أولوياتي.

- جاك، بلهجة ساخرة: أجل، أُراهن

أن على رأس أولوياتك النوم على الأرض

وتجاهل آلامك، والحديث مع نفسك في الظلام!

- هاديس (إيثان): ...

- جاك: اللعنة..

. أنت لست فتى، بل شبح بثياب بشرية.

يصمت كلاهما لبرهة

ثم يُزاح الغطاء عن إحدى علب البرغر، يمدّ جاك واحدة نحو إيثان، ويقول بصوت أخف، كمن اعتاد هذا الجدال مع شخص لا يعرف كيف يهتم بنفسه.

-جاك: كُل

لا لأجلي، بل لأجل جسدك المنهك

صدقني، لا يمكنك أن تظل تحارب وأنت فارغ المعدة.

- هاديس (إيثان): لا يمكنني أكل كل هذا وحدي...

- جاك: بل يجب عليك

بالكاد سأجد لك ثيابًا غدًا حين نذهب إلى السوق

هيا، افتح فمك.

ثم يمسك جاك بقطعة بيتزا ويدنو بها من وجه إيثان كمعلّم يُطعم طفلًا عنيدًا، لكن إيثان يخطفها من يده في آخر لحظة ويأكلها بصمت، يتنهد، ثم يأخذ قضمة تلو الأخرى بتثاقل واضح.

وبعد أن اكتفى بالقليل، وضع ما تبقى جانبًا وهمّ بالنهوض، إلا أن جاك منعه من ذلك بوضع يده على كتفه.

- جاك: لا تتحايل عليّ

لن تقوم من هنا إلا وقد أكلت الكمية كاملة

لقد جئتني كهيكل عظمي، لا تجعلني أشعر أني آويت شبحًا في بيتي.

ومع قليل من التهديد وكثير من الإصرار، اضطر إيثان إلى إكمال ما تبقى من الطعام، بين تعليقات جاك الساخرة، ونظراته المنتصرة كلما انتهى من طبق.

وبعد دقائق طويلة من المضغ البطيء والتنهيدات المنهكة، فرغا من كل شيء على الطاولة.

إيثان يتكئ على الكرسي، ناظراً إلى السقف كأنه خاض معركة خاسرة.

- هاديس (إيثان): أقسم

أني لن أتناول طعامًا معك مرة أخرى أبداً.

- جاك، ضاحكاً وهو يجمع العلب الفارغة:

وأنا أقسم أني سأطعمك في كل وجبة

حتى تعود بشرًا طبيعياً لا عظمة ناطقة!

يسود صمت قصير، يقطعه صوت الريح بالخارج وهي تداعب زجاج النوافذ، فيما يختلط دفء المكان مع هدوء الليل المتسلل.

ظل إيثان صامتًا، يرمقه بنظرة مائلة بين الجدية والتهكم، بينما جاك ما زال يضحك حتى غلبه التثاؤب، كان الإرهاق بادياً على وجهه، وحتى على إيثان وإن لم يُظهره علنًا، ثم نهض جاك مستندًا إلى عكازه، وأشار إلى الباب خلف إيثان.

-جاك: حسنًا، حان وقت النوم

أنظر خلفك، ذلك الباب هو غرفتي

إن احتجت شيئًا، فقط اطرق الباب

هل ترغب بإلقاء نظرة؟

افتحه وشاهد بنفسك.

تقدم إيثان نحو الباب وفتحه بهدوء

كانت الغرفة تغمرها أجواء دافئة وهادئة، تتوسطها سرير أبيض بسيط، وتتدلى من السقف نباتات خضراء انسدلت على الجدار الرمادي الداكن حتى غطّت أغلب جانبه الأيمن.

بساط مزخرف يغطي الأرضية، وعلى الجهة اليسرى مكتب خشبي فوقه جهاز حاسوب وعدد من المستندات، وبجانبه أصيص صغير يحتوي على نبتة خضراء.

أما إلى يمين الباب، فكانت هناك مرآة ذات تصميم متموّج غريب، وتحتها طاولة خشبية بسيطة عليها زجاجات عطر وعلب شموع معطّرة.

- هاديس (إيثان)، متأمّلًا:

أشعر وكأنني على وشك أن أعيش في غابة...

- جاك، ضاحكًا بخفة: يا لك من قاسٍ!

لكن... هذا بالضبط ما كنت أريده أن يُشعِر به المكان.

- هاديس (إيثان): ماذا تقصد؟

سكنت نبرة جاك قليلًا، وكأن الذكرى شدّت شيئًا دفينًا فيه، ثم قال بنبرة أكثر دفئًا.

- جاك: كاثرين...

كانت تحلم أن تعيش في كوخ صغير وسط الغابة

لكنني كنت قد اشتريت هذا المنزل داخل المدينة، فحاولت أن أزرع فيه شيئًا من خُضرة أحلامها...

فقط لأجلها.

صمت إيثان، حدّق في ملامحه لثانية، ثم تمتم.

- هاديس (إيثان): أنتَ حقًا... رجل غريب.

ضحك جاك بصوت خافت.

- جاك: وغريبٌ مثلك هو آخر من يحق له قول ذلك!

تجاهله إيثان وأكمل طريقه نحو السُّلَّم، ثم سأل دون أن يلتفت.

- هاديس (إيثان): أظن أن غرفتي في الأعلى؟

- جاك: آه... نعم، هي هناك.

صعد إيثان السُّلَّم بخطواتٍ هادئة، وما إن وصل إلى أعلاه حتى واجهه رواقٌ بسيط تتوزع عليه بابان؛ أحدهما في مواجهته تمامًا، والآخر إلى يمينه.

ومن مكانه ذاك، كان بإمكانه رؤية غرفة المعيشة من الأعلى، بأضوائها الخافتة وأصواتها المطمئنة.

لحق به جاك، وأشار إلى الباب المقابل مباشرة، ثم تقدَّم وفتحه قائلاً.

- جاك: هذه هي غرفتك من الآن فصاعدًا.

حين فُتح الباب

اتسعت عينا إيثان ببطء، لم يكن يتوقّع ذلك. كانت الغرفة ذات تصميم مائل بزاوية حادّة من الجهة اليسرى، تلك الزاوية التي شكّلتها نافذة ضخمة تغطّي كامل الجدار من الأرض إلى السقف.

على اليمين وُضع سرير بسيط ومكتب صغير في الزاوية المكسورة من الغرفة، وبالقرب منه تلسكوب قديم موجّه نحو السماء.

دخل إيثان ببطء حتى منتصف الغرفة، وسكنت عيناه على الجدار الزجاجي المائل... كان المشهد يأسر العقل.

السماء أمامه، مرصّعة بنجومٍ متلألئة، صافية كأنها لوحةٌ رسمها القدر لأجله فقط، توقّف الزمن للحظة، وتجاهل كل التفاصيل الأخرى، لم يعد يرى شيئًا سواها...

النجوم.

كانت كافية لتسحبه إلى الخلف، إلى ذكرياتٍ لا يودّ استدعاءها، لكنها لا تُقاوَم. هناك... حيث كل شيء بدأ.

قبل ستّ سنوات

في مساءٍ تزيّنهُ النجوم وتغمره نسائم عليلة، كان طفلٌ في الحادية عشرة من عمره يركض أعلى التلّ بكل ما يملك من حماس.

يقفز تارة ويشير تارة أخرى نحو السماء، قرب شجرةٍ كبيرة أصبحت شاهدة على لحظاته الأولى مع الحلم، كان ذلك الطفل هو إيثان... قبل أن يفسده العالم.

خلفه كان والده، ألكسندر، يحمل التلسكوب بعناية بينما يخطو نحو القمة بابتسامة هادئة.

- إيثان: هيا أسرعوا! المذنب سيظهر قريباً!!

- ألكسندر، ضاحكًا: حسنًا، حسنًا، أنا قادم!

- إيثان: هيااا! هياااا!

تظهر روزاليا، أمّه، وهي تصعد التلة بهدوء، تحتضن الصغيرة أليس التي غطّت في نومٍ عميق داخل أحضانها الدافئة.

- روزاليا، مازحة: يبدو أن هناك من هم في قمة الحماس وآخرون غارقون في النوم العميق.

- إيثان، متوسلاً: أمي، أرجوكِ، أريد أن أرى المذنب!

- روزاليا، برقة: مع أنك تجاوزت وقت نومك منذ ساعتين؟

- ألكسندر، مدافعًا عنه: دعيه اليوم فقط

إنها ليلة مميزة.

- إيثان، بسعادة: نعم! نعم!

نظرا إليها بنظرات قطط صغيرة تتوسل البقاء، لتنفجر روزاليا ضاحكة بصوتها الرقيق، وتجيبهما بينما تنزل لتجلس على العشب.

- روزاليا: حسناً، لكن إن نمت غداً في الصف

لا تلومنَّ أحدًا!

ركض إيثان نحو والده الذي بدأ بتثبيت التلسكوب قرب الشجرة، والسماء فوقهم كانت كأنها بحرٌ من الألماس.

لم يكن إيثان يرى شيئاً سواها، كما لو أن كل ما في الأرض تلاشى، ولم يبقَ سوى السماء وأولئك الذين أحبهم.

كان إيثان يقفز بحماسة، عيناه تلمعان ببريق الطفولة، فيما كانت روزاليا تراقبه بابتسامة دافئة، سائلةً بصوت ناعم وهي تحمل أليس النائمة بين ذراعيها.

- روزاليا: هل تحبّ النجوم إلى هذا الحدّ يا صغيري؟

- إيثان، ببراءة: نعم!

أريد أن أعمل في الفضاء حين أكبر!

أن أكون أول من يلمس نجمة!

ضحك الجميع

كانت لحظة هادئة، دافئة، لحظة من ذلك الزمن الذي كان فيه كل شيء بسيطًا ونقيًّا.

لكن كما يقولون:

الهدوء الذي يسبق العاصفة... هو أخطر أنواع السكون.

لنعد إلى الحاضر...

إيثان ما يزال واقفًا في منتصف الغرفة، يحدّق بصمت في السماء الممتدة خلف الزجاج، كأنها ابتلعت روحه معها، وفجأة، قطع جاك ذلك الصمت بصوت خافتٍ فيه شيء من القلق.

- جاك: هل أنت بخير؟...

استدار إليه إيثان، عيناه واسعتان تلمعان بدموعٍ لم يطلبها، تساقطت بلا وعي على كفّه المضمدة تلك اليد التي لم تعد صغيرة ولا ناعمة... بل مشوهة من أثر التجارب، من الحرب، من الفقد، من كل شيء.

كان بكاؤه هادئًا كأول قطرات المطر،

كأنّه لا يعلم لماذا يبكي، فقط يشعر أن داخله يفيض بما لا يُحتمل، مسح دموعه بكم قميصه ثم تمتم بصوت خافت.

- هاديس (إيثان): لا شيء... فقط... أرغب بالنوم.

هل يمكنك أن تتركني وحدي؟...

تراجع جاك خطوة للوراء، وضع عقب سيجارة في فمه، همّ بإشعالها... ثم توقف.

وقبل أن يُغلق الباب، قال بصوت منخفض ولكنّه حمل وزناً كبيرًا.

- جاك: يمكنك أن تبكي قدر ما تشاء، يا فتى...

سأكون هنا حتى إن لم تكن مستعدًّا للحديث اليوم، يمكنك أن تتكلّم متى شئت

لا تدع الأيام تكدّس أوجاعها داخلك... فهي لا ترحم.

ثم أغلق الباب بهدوء، وترك خلفه صمتًا لكنه لم يكن هذا المرة، صمتًا وحيدًا، وذهب كلٌّ منهما إلى فراشه، نام كلٌّ منهما على ذكرياتٍ ثقيلة، تحاصر أيامهما الحاضرة... وربما القادمة أيضًا.

هل سيجدان السلام يومًا ما؟

أم أن السؤال الأصح: ما هو السلام بنظرهما أصلًا؟

في صباح اليوم التالي، استيقظ إيثان على أشعة الشمس التي تسللت إلى وجهه الناعس، تداعب جفنيه المرهقين، كانت تلك الليلة الأولى التي ينام فيها بعمق... منذ خمس سنوات.

غادر الغرفة ببطء، نزل الدرج متثاقلًا بخطواته، وما إن وصل إلى الطابق السفلي، حتى وجد جاك جالسًا هناك بالفعل، وقد انتهى للتو من ترتيب مائدة الإفطار.

كان يبدو وكأنه على وشك الخروج، مرتدياً سترة خفيفة، وواضعًا مفاتيحه على الطاولة.

- جاك، بابتسامة هادئة: أتيت في الوقت المناسب

هيا، اجلس لتتناول الإفطار.

توقف إيثان لوهلة، شعر بغرابةٍ لثوانٍ معدودة

تصرفات جاك بدت طبيعية أكثر من اللازم، وكأن شيئًا لم يحدث ليلة البارحة.

لكنه لم يعلّق. تجاهل تلك الفكرة، وتقدّم بخطاه إلى الطاولة، وجلس أمامه، تمامًا كما فعلا في مساء الأمس.

- جاك: عليك أن تُنهي إفطارك بسرعة

سنخرج بعد قليل.

- هاديس (إيثان): إلى أين؟

- جاك، ساخرًا: إلى السوق، طبعًا

أم أنك تنوي قضاء بقية حياتك ترتدي ملابسي الفضفاضة؟

- هاديس (إيثان): ... آه، حسنًا.

ثم بصوت أخف ردف.

كيف حال جرحك؟

- جاك: لا بأس

كما قال مارش، الجرح سطحي

ذلك الطبيب العين يعرف ما يفعل

أشعر وكأنني عدت عشر سنوات إلى الوراء!

- هاديس (إيثان) : جيد...

بعد أن أنهيا إفطارهما، استقلا سيارة أجرة إلى أحد محلات الملابس في وسط المدينة.

كان المكان يعجّ بالناس والألوان والضجيج، لكن إيثان ظل هادئًا، يتنقل بين الرفوف كظلٍ لا يتفاعل.

كان دائمًا ما يختار اللون الأسود؛ بنطال أسود، قميص أسود، جاكيت أسود.

بينما جاك، وكعادته، قرر كسر هذا النمط

بدأ يختار له قمصان بألوان فاتحة وسراويل بدرجات رمادية وزرقاء... وكان إيثان يلبسها ويقيسها بصمت، دون اعتراض.

لكن كل شيء تغيّر عندما أحضر له جاك بنطالًا أبيض وتيشيرتًا أبيض بالكامل.

تبدلت ملامح إيثان فجأة، انكمش وجهه بضيق، وعيناه اشتعلتا بانزعاجٍ خافت.

- هاديس (إيثان): أنا... أكره الأبيض. بشدة.

لن أرتديه.

تجمد جاك في مكانه لوهلة، مصدومًا من نبرة إيثان الحادة، لكنه لم يسأل، أعاد الثياب البيضاء إلى مكانها بهدوء، بينما غادر إيثان المتجر ووقف ينتظره خارجًا.

وقف على الرصيف يراقب الشارع بصمت

أناس يعبرون الطريق، رجال ونساء، ضحكات أطفال، عائلات تمشي متشابكة الأيدي

ثم لمح فتاة صغيرة بشعرٍ أشقرٍ مموج، تقفز بين أذرع والديها، توقفت نظراته عندها.

أليس.

اسمٌ مرّ في ذهنه كطعنة، لم يكن يعرف كيف يتعامل مع الشعور الذي اجتاح صدره فجأة، كأن شخصًا ما ضغط على ذاكرة لم تندمل بعد

ذهبت الفتاة إلى أحضان عائلتها، وبقي إيثان واقفًا في مكانه، يحدّق بصمتٍ في المشهد الذي بدأ يتفكك أمام عينيه، ظلت نظراته معلّقة في الفراغ، وكأنها تحاول اللحاق بذكرى هاربة من زمنٍ مضى.

خرج جاك بعد لحظات، ليجده واقفًا هناك بلا حراك، يتأمل شيئًا لا يُرى، نظر جاك إلى حيث تثبّتت عينا إيثان، فلم يجد شيئًا سوى شارعٍ خالٍ،

العائلة التي كان ينظر إليها قد غادرت منذ وقتٍ طويل.

أعاد جاك بصره إلى وجه إيثان المتجمد، وسأله بهدوء.

- جاك: هل نغادر؟ هناك مقهى قريب.

- هاديس (إيثان): نعم.

ذهبا إلى المقهى القريب، جلسا إلى طاولة صغيرة تطلّ على الطريق، كان جاك يتحدث، يُلقي النكات، يسأل لكن إيثان ظل صامتًا.

لم يلمس طبقه، لم يحرّك يده، فقط ينظر إلى الطعام أمامه كأنه شيء لا ينتمي لهذا العالم، عيناه شاردتان، روحه غارقة في أعماق لا يعرف كيف يخرج منها.

كأنك تنظر إلى مدينة هُدمت فيها كل البيوت، ولم يبقَ سوى دخان الماضي.

- جاك، مستغربًا: ألم يعجبك الطعام؟

ألا تحبّ الحلويات؟

- هاديس (إيثان): لا.

- جاك: إذن ما الأمر؟

صمت إيثان برهة، ثم رفع عينيه إلى جاك بنظرة حاسمة، وصوت خالٍ من التردد

- هاديس (إيثان): أحتاج إلى العودة إلى الميناء.

حدّق جاك فيه بدهشة.

- جاك: إلى الميناء؟ لماذا؟

ما الذي جعلك فجأة تريد الذهاب إلى هناك؟

- هاديس (إيثان): تركت شيئًا مهمًا هناك.

جاك صمت، يداه توقفتا عن الحركة، ونظر إلى عيني إيثان مليًا، رأى في داخله شيئًا لا يمكن وصفه شيء أثقل من الكلمات.

- جاك، بتنهيدة: ...لا أعلم ما هو هذا "الشيء"،

لكن من نظرتك، يبدو أنه مهم جدًا.

عاد الاثنان مجددًا إلى ذلك الميناء، الذي لا يزال محاطًا بأشرطة الشرطة ومغلقًا بالكامل، لم يكن هناك أحد،

تقدم إيثان، يحمل مجرفة اشترياها في طريقهما، متجهًا إلى ذات النقطة التي التقى فيها هناك، عند حافة الحديقة القديمة، حيث تشقّق الصمت يومًا بصوت الحقيقة.

سار الاثنان بهدوء، حتى وقف إيثان عند بقعة محددة، بدأ بالحفر، كانت الأرض قاسية، والذكريات أقسى.

حفر حتى ارتطم الحديد بشيء صلب

حقيبة سوداء مهترئة، نظر إليه جاك بدهشة وهو يمسح عرقه.

- جاك: واه، ما هذا؟ حقيبة مال؟

- هاديس (إيثان): لا... بل أهم.

- جاك، يتفاجأ: انتظر..

. في تلك الليلة، حفرت هذا العمق بيديك العاريتين؟!

لم يجبه إيثان، فقط أزاح الغبار عن الحقيبة وفتحها بهدوء، في الداخل، كانت هناك مستندات وصور قديمة، وشيئان آخران شدّا الانتباه:

إبرتان صغيرتان، بدا عليهما الغموض أكثر من الخطر.

سحب صورة إحداها تُظهر كنيسة متهالكة، وكتب خلفها بخط يدوي:

"كنيسة مار مارون."

أغلق الحقيبة، وحملها معه.

- هاديس (إيثان):

هل تعرف أين تقع كنيسة مار مارون؟

- جاك، ببطء: نعم... إنها قريبة من هنا

لكن... هل علينا الذهاب الآن؟

- هاديس (إيثان): نعم.

بعد وقت قصير

وصلا وقفا أمام الكنيسة بصمت، كانت مطابقة تمامًا للصورة، حتى الشقوق في الجدران بدت مألوفة.

أخرج الصورة، قارنها، ثم نظر إلى الأعلى.

هذه هي... هنا سيعرف أين شقيقته.

هنا ستبدأ الإجابة...

أو الجحيم القادم.

.

.

.

.

يتبع

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

هذا ليس بشريًا (Error 404)

المؤلف Mizumiꨄ
2025/06/13 مستمرة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة