كان المساء هادئًا كأنّه وعدٌ بالسلام.
اجتمعت العائلة حول طاولة العشاء أمّ شابّة، بشعرٍ منسدل يلمع تحت الضوء كشعاع شمسٍ خافت، تطعم طفلتها الصغيرة بلطف، الطفلة ذات الخمس سنوات، كانت قطعة من الضوء بشعرٍ كستنائي متموّج وخدّين ممتلئين بالطعام تلوك اللقمة وكأنها أعظم اختراع عرفته البشرية.
وفجأة، دوّى صوتٌ صغير من الجهة الأخرى للطاولة:
"وماذا عني يا أمّي؟ أطعميني أنا أيضًا! أريد عدالتي!"
قالها الفتى ذو الإثني عشر عامًا وهو يعبس بتصنّع، ليبدو مضحكًا أكثر من كونه غاضبًا، ابتسمت الأم وربّتت على شعره الأسود المتناثر، وقالت بمشاكسة:
"حسنًا، يا ملاكي الحامي افتح فمك القطار قادم تشو تشو~!"
ضحك وهو يفتح فمه متقبّلًا اللقمة، بينما الأب الذي كان يراقب المشهد بحب، وقف من مكانه بحماس وسحب كاميرا رقمية من أحد الأدراج.
"حسنًا لا أحد يتحرّك! ما هذا الجمال؟ ابتسموا جميعًا!"
رفع الكاميرا إلى عينه الزرقاء، تلك التي تزيّن أسفلها شامة صغيرة أضفت على ملامحه وسامة غير مألوفة، شعره الأسود بدا فوضويًا بعض الشيء، لكنه زاد من وسامته.
ضغط زر التصوير، والتقط لهم صورةً تحبس لحظةً من دفءٍ لا يُعوّض.
خلفهم، كانت خادمة تمرّ بهدوء حاملةً صحنًا آخر من الطعام، تبتسم لهم كما لو كانت فردًا من العائلة، البيت كان واسعًا، دافئًا ينبض بالحياة العائلة كانت تبدو متماسكة، محبّة، والضحكات الصغيرة تملأ الأرجاء.
من كان يظنّ أن هذا الدفء سينقلب خلال ساعات إلى جحيمٍ لا يُنسى؟
بعد العشاء تفرّق الدفء في أرجاء المنزل كعبيرٍ عالق في الجدران، أخذ الأب طفله الصغير إلى غرفته، حيث كان السرير مرتبًا بعناية والضوء خافتًا كأنّه يهمس للنعاس.
جلس بجانبه، روى له حكاية هادئة عن فارس صغير لا يخاف الظلام، ثم قبّله على جبينه وبعد دقائق كان الفتى قد غطّ في نومٍ عميق، أنفاسه هادئة ووجهه مرتاح كأنّ العالم لا يحمل شرًا، أطفأ الأب الضوء، تاركًا ضوء الليل المعلّق يتوهّج بخفوتٍ كأمل صغير، وخرج من الغرفة بخفّة.
في الجناح الآخر من المنزل، كانت الطفلة إليس نائمة في حضن أمّها على الأريكة رأسها الصغير مستند إلى صدر الأم، ويدها معلّقة في الهواء كأنها علِقت في حلمٍ جميل.
جلس الأب بجانب زوجته، مدّ يده يداعب خدّ الطفلة برفق، ثم همس وهو يراقبها بحنان.
"جمالها يسرق الأنفاس… مثلكِ تمامًا"
لكنّه لاحظ نظرات زوجتة تحمل شيئًا ثقيلًا لم يُنطق، كان في وجهها تعبٌ لم يكن جسديًا فقط بل قلق عميق يشبه غصة، اقترب منها جلس على الأرض أمامها، أمسك يديها برفق بين كفيه، ثم رفع رأسه لينظر مباشرة في عينيها، صوته انخفض:
"ما بالكِ، يا معشوقتي روزاليا؟
أراكِ صامتة أكثر من اللازم"
ضحكت بخفوتٍ متعب، ثم تنهدت دون أن يغيب التوتر عن عينيها:
"أوه، يا عزيزي ألكسندر...
أخشى أن هذا السلام لا يدوم
أن يزول فجأة، كما تفعل الأحلام
وإن غضبوا… سيصلون إلينا، حتى هنا…
وسط هذا الهدوء، فينعكس كل هذا النعيم إلى عاصفة"
كانت كلماتها تخرج ببطء، كأنها تخاف من سماعها بنفسها، نظرت إلى ابنتها، ويدها تمرّ برفق فوق أصابعها الصغيرة.
"أنظر إليها بالكاد يداها تلفّ على إصابعي
هي لا تزال زهرة وإيثان رغم شجاعته، لا يزال طفلاً أيضًا...وهذا العالم... قاسٍ، يطفئ كل ضوء قبل أن يكتمل"
ألكسندر، رغم وقار ملامحه، تلبّدت نظراته بصمتٍ ثقيل، لكنه أخفى ذلك بابتسامة مطمئنة، أمسك وجه زوجته بكلتا يديه، نظر في عينيها الزمرديتين وقال بحزم وحنان:
"أقسم لكِ ما من شيء سيمسّنا
لا أحد يعلم بوجودنا هنا
نحن نعيش في هذا المكان النائي،
بعيدًا عن فوضى البشر
وإن اقترب أحدهم...
وإن تجرّأ على تخطّي بوابتنا...
سأقف أنا بينهم وبينكم
سأضحي من أجلك، ومن أجل إليس وإيثان"
اتسعت عينا روزاليا فجأة، الرعب تسلّل إلى ملامحها من مجرّد الفكرة شدّت على يده وهمست:
"لا… لا تقل هذا!
إن رحلتَ، سأرحل معك
إن سقط درعُنا… لا أقوى على القتال وحدي،
ولا أريد الحياة بدونك"
ابتسم ألكسندر بخفّة، محاولًا تخفيف وطأة خوفها، لكنه لم يُنكر أن قلبه بدأ يُنذر بشيء ما لكن قبل أن يردّ، دوّى صوت عالٍ في أنحاء المنزل، ركضت إحدى الخادمات من نهاية الممر، وجهها شاحب وصوتها يرتجف:
"سيدي! سيدتي!… هنالك... شيء خارج الأسوار… لا يبدو طبيعيًا!"
ارتفع نبض الليل فجأة وتبدّل الهواء في الغرفة ورائحة المطر التي كانت تبشّر بالطمأنينة، صارت تُنذر بالخراب.
صمتٌ ثقيل خيّم على البيت، كأن الزمن توقف فجأة حتى همسات الطفلة النائمة خفّت، وأضواء الغرف أخذت تنبض بخفوت متقطّع.
ثم انطفأ كل شيء.
الأنوار، الأجهزة، وحتى هدير التدفئة لحظة واحدة فقط، وتحولت الفيلا الدافئة إلى قطعة جليدٍ مظلمة، روزاليا شهقت، نظرت لزوجها بعينين مذعورتين.
"الكسندر…"
لكنّه كان قد وقف بالفعل متجهًا نحو النافذة بخطوات محسوبة، أزاح الستار قليلًا، فابتلعته العتمة لم ير شيئًا أولًا…ثم رأى كل شيء.
ظلالٌ تتحرّك بين الأشجار، ووميض أسلحةٍ لامعة، وأشخاص يتسلّلون من بين جذوع الغابة كأشباح كانوا يقتربون من بوابة المنزل بثقة من يعرف وجهته.
قال بنبرة خافتة لكنها قاطعة:
"لقد وجدونا"
ركض نحو الخزانة، سحب بندقية قديمة ذات تصميم ثقيل، فتح صندوقًا صغيرًا واستخرج طلقتين في هذه اللحظة، تحرّكت الخادمة نفسها التي صرخت منذ قليل، وعادت راكضة وهي تلهث:
" سيدي! أحدهم تجاوز البوابة! السور الشرقي مكسور!"
ردّ الكسندر بسرعة، بنبرة قائد معتاد على الأزمات:
"أخبري الحرس أن يتوزعوا على النوافذ، لا تتركوا النقاط العمياء مكشوفة"
ثم التفت إلى روزاليا، كانت ما تزال تحتضن طفلتها وتحدّق به كأنها تراه للمرة الأخيرة.
" اصعدي إليه خذي إليس، وأيقظي إيثان
الآن، روزاليا… الآن! "
هزّت رأسها، عضّت على شفتها حتى كادت تبكي، ثم صعدت الدرج بخطوات راكضة ومرتجفة، تحتضن طفلتها كمن يحتضن قلبه.
أما هو، فقد بقي هناك، يراقب ظلال الموت وهي تقترب، كان يعرف أنهم لن يمرّوا ليس قبل أن يُسقط أحدهم أولًا.
وكل شيء من هنا... بدأ يتهاوى.
اِستيقظَ الصبي من نومهِ مذعوراً أنفاسه لاهثة، صدره يعلو ويهبط بجنون، وعرقٌ بارد يبلل جبهته، الغرفة التي كانت دافئة قبل قليل باتت غارقة في عتمة باهتة، والنور، وخفق قلبه بسرعة عند سماع دوي أقدام عالياً، من خلف الباب، دوّى صوت ارتطام، ثم هرولة أقدام ثقيلة تتسابق على الأرض الخشبية.
وفجأة، فُتح الباب بعنف ودخلت أمه، وجهها شاحب كشبح، وشعرها الذي كان منسدلاً قبل قليل بدا الآن منكوشًا، يلتصق بعنقها المبلل بالعرق والخوف، وفي ذراعيها كانت أخته الصغيرة، تبكي دون صوت، ويداها متشبثتان بثوب والدتها كأنها تعرف أن شيئًا مرعبًا يحدث.
دون أن تنطق بكلمة، أمسكت الأم معصم طفلَها وبدون تردد للحظة، وهربت عبر الممرات المتعرجة للمنزل، وكل خطوة تخطوها كانت مليئة بالإلحاح والخوف.
اِستَعلَى على ملامحِ الفتى الصدمةِ والخوف حول ما يجري من حولهِ،وبين صوت بكاء أخته صغيرة وجثث الاشخاص الذين على أرض.
ركض حافيًا، بين أذرع الظلال المتراقصة على الجدران أقدامه الصغيرة لامست شيئًا رطبًا… لم يتوقف عيناه لم تبرحا يد والدته التي تمسك به بقوة، كأنها آخر حبل نجاة في بحرٍ يغرق.
الستائر الممزقة، المزهريات المحطّمة، الأثاث المقلوب ورجلًا كان قبل ساعات يقدّم لهم العشاء ممددًا على الأرض، عيونه مفتوحة على آخرها، لكنّه لا يرى شيئًا.
"هل هذا كابوس؟"
"هل سأستيقظ بعد قليل وأضحك على هذا الحلم السخيف؟"
لم يكن يعرف ما الموت بدقة، لكنه رآه في عيني أمّه وفي صوتها المرتجف حين قالت:
" لا تتوقف يا إيثان لا تلتفت خلفك، فقط أمسك بيدي"
أفسحت الفوضى التي سادت في تلك اللحظة المجال لظهور لمحة عابرة لوالده،كان الرجل واقفًا هناك، وكانت هيئته المهيبة تغلق البوابات بإحكام، والده يغلق البوابات بجدية، ويسد الطريق أمام أي شخص يحاول المرور. حاملاً في راحه يده بندقية، وقف والده كحامي، يحميهم من التهديد المجهول الذي تسلل إلى منزلهم.
وفي تلك لثواني معدوده عندما يخرُجون الى باحة المَنزِل التي تحيطها الغَابَةُ من الجانِبين.
في الباحة الخلفية، وقف ألكسندر أمام البوابة المفتوحة، جسده نصف مبلّل، وعيناه تراقبان الظلال وهي تزحف نحو بيته. بندقيته مرفوعة، أنفاسه تتسارع، ويداه ترتجفان.
لكنه ثبت قدميه كان يعرف أنه لن ينجو لكنه لن يدعهم يمرّون أطلق طلقة، ثم أخرى لكن العدد كان أكبر.
التفت للحظة قصيرة، خرق الضجيج صمت عينيه
فرأى روزاليا واقفة خلفه حافية القدمين، تحمل إليس على كتفها، وتمسك بإيثان الذي يلتصق بها كظلّها.
أراد أن يقول شيئًا…لكنه لم يمهَل.
يُسمع صوت الموت وهو يخترق رأسه برصاصة لقِيتَهُ في الأَرضِ من دون حركة حتى يغرق بدمائه.
فاتِستعلي صرخات الطفلة بالخامسة من عمرها تنادي أبيها، فـ تحتضنهم والدتهما بين ذراعيها فَتغطيهما بجسدها، جمعت طفليها بين ذراعيها وركعت، ضمت رأس إليس إلى صدرها، وذراعها الأخرى تلف كتف إيثان ، ضغطت عليهما بقوة، وكأنها تحاول دفع جسدها ليكون درعًا.
في لحظة فارغة يصمت بها العالم من شدة الصدمة لتي سقطت على واقع الفتى لم يتمكن من تحريك جسده أو حتى نطق بحرف.
قبل أن تهب العاصِفة ، تجمعت تلك الغيوم السوداء في السماء منذره بسقوطها ، لتعتذر والدتهم ونظرات اليأس والأسى على محاور وجهها كامله، نظرت إلى إيثان وصوتها بالكاد خرج من بين شفتيها المرتجفتين:
”سامحيني يا ملاكي...
سامحني، يا إيثان...“
لم يفهم، لماذا تعتذر؟
ما الذي يفترض به أن يسامح عليه؟
هو لم يفهم شيئًا بعد، لكنه شعر أن هذا… وداع.
فاغمضت عيناها مستقبله موتها بصدر رحب بحضن طفليها؛فَيطلق النار ليمتلئ جسدها برصاص بقيت تحتضن طفليها حتى اللحظة الأخيرة، حتى سقط رأسها بينهما، ثقيلًا بلا حراك.
كان واقفًا لا يتحرك، قدماه غارقتان في الوحل، المطر ينهمر بلا رحمة فوق رأسه، والريح تعوي في أذنيه كوحش مجنون.
جثة والده ممددة أمامهلا تبعد كثيرا رأسه مثقوب، دمه يسيل ببطء ويرسم خطوطًا داكنة على الأرض.
وبالقرب، والدته ملامحها هادئة بشكل مروّع ، والدم يغطي ثوبها الابيض لذي كان نقي قبل ساعات.
فَتسقط اخته متمسكه بساق أخيها الذي تجمد من هَولَ المنظر عائلتةُ ألتي احبها أغرِقتُ أَرضُ بدمائهم، أناملها تنغرز في جلده، كأنها تستجديه ألا يتركها،وهو بالكاد استطاع تحريك فكيه لينبس بشفتيه الى شقيقتة صغيرة
"اهربي..."
التقت عيناها الواسعتان بنظرات أخيها، وجسدها ملتصق به لا ترضى أن تنفصل عنه ولو لقيد نمله،حين يرتفع صوته عليها كان صوته رغم أنه كان مليئًا بالإلحاح الا انه يحمل لمحة من الخوف وهو يتوسل
" اهربي إليس!! اركضي!!"
فَأمتلأت عينَاها بدموع الغزيره كحبات المطر الساقطه على خديها، فتقف على ساقيها بشق الانفس و تركض بكل ما اوتيت من قوه نحو الغابةِ المظلمه ، و اِتجهت فوه بندقيه أحد الرجال نحوها فَيقفُ شقيقها أمام ذلك الحشد من الناس الذين يوجهون أيسلحَتهم نحوه، ليصرخ بوجوهم وعيونه ملئ بدموع والحقد والكره.
" أفعلو بي ماشأتم ولكن اتركوها ! "
ليظهر شخص ما من بينهم ويرفع يده كأنها اشاره لهم للتوقف ، وانزلو أسلحتهم وتقدم نحو الفتى ، خطواته ثقيلة، نظرته كأنها تثقب صدر الطفل، توقف أمامه، تطلّع إليه طويلًا، ثم قال بنبرة مليئة بالاحتقار:
" اذن أنت ابنها ألبكر إيثان بيلين
لديك شجاعتها وعزم والدك الذي ادى الى تهلكتكم جميعاً "
اقترب أكثر، انحنى نحوه قليلًا، وصوته صار همسًا مليئًا بالسخرية:
" طلبت أن تعيش أختك؟
حسنا سَألبي رغبتك لكنك ستدفع الثمن
ولن يكون بسيطًا "
عصفت بهم ألسماء وَكَأَنها غاَضِبَه ونهَمر المطرَ ليغسل أَروَاحهم ألتي سفكت بلا اي ذنب.
رفع يده بإشارة، فاندفع رجلان من الخلف، أمسكاه من ذراعيه بقسوة، سحباه كدمية، فيما إيثان يصرخ ويتلوى، عيونه لا تزال معلّقة بالغابة التي ابتلعت أخته.
جروه على الأرض، قدماه ترتطمان بالطين والحجارة، حتى وصلوا إلى سيارة مصفحة، وركلوه داخل صندوق معدني ضيّق، بارد، كئيب، كأنهم يدفنونه حيًا.
جلس هناك، يلف ذراعيه حول نفسه، يرتجف لم يكن يعرف إلى أين يأخذونه، لم يكن يعرف إن كانت إليس نجت، لم يكن يعرف إن كان سيخرج حيًا.
ثم أغلق عينيه وراح يصلّي لا لأجل النجاة بل لأجلها.
مرت ساعات لا تُعد ثم انفتح الباب، ضوء أبيض ضرب عينيه، أجبره على التراجع، فتح عينيه ببطء…
وما رآه غيّر كل شيء.
يتبع...
كانت هذه بداية سقوط إيثان
ومجرد شرارة أولى في طريقٍ لن يعرف الرحمة.
هل ستنجو إليس؟
وماذا ينتظر إيثان خلف ذلك صندوق؟
أخبروني:
ما رأيكم في أول فصل؟
توقعاتكم… مشاعركم… ونظرياتكم؟
كل كلمة منكم تدفعني لأكمل أكثر فلا تبخلوا عليّ
رأيكم يعني لي أكثر مما تتخيلون.
شاركوني تحت وأراكم في الفصل القادم.
Mizumiꨄ