حين خرج إيثان من ذلك الصندوق الضيّق، ارتسم الخوف والذهول على ملامحه، وحبس دموعه بصعوبة وهو يُمعن النظر فيما وقعت عليه عيناه. كان داخل مبنى يشبه المصحة العقلية؛ أروقة بيضاء تمتد ببرودتها، وساحات يتقاتل فيها الأطفال بوحشية. الأرضيات ملطّخة بالدماء، وغرف زجاجية لا يُرى ما بداخلها من شدّة الدماء التي غطّت الجدران والنوافذ. رجال ونساء يرتدون معاطف بيضاء وقفوا أعلى تلك الساحات، يراقبون المشهد دون أن تطرف لهم عين، وكأنّ ما يحدث أمامهم مشهد مألوف لا يثير أي انفعال. اقتاده رجل عبر الممرات وهو يشعر بثقل النظرات التي تطارده من كل جهة. وعندما توقّفوا أمام باب حديديّ ضخم، أدخل أحدهم رمزاً ما، ثم فُتح الباب ليكشف عن غرفة بيضاء ضيقة، لا تحتوي إلا على أربعة جدران وإنارة ساطعة. نزعوا ملابسه، وألبسوه ثيابًا بيضاء ناصعة، ثم ألقوه في تلك الغرفة. حلّ الصمت كليًّا، لا يُشمّ فيها شيء، لا يُحسّ بأيّ دفء أو حركة، كأنّه في فراغٍ تام. لم يكن يسمع سوى أنفاسه المرتجفة تتردّد بين الجدران. حاول أن يهدأ، وجلس في منتصف الغرفة، لا يدري ما ينتظره بعد هذه اللحظة. في البداية، خُيّل إليه أن المكان مريح نوعًا ما، لكن بعد مرور ساعات طويلة، بدأ الخوف يتسلّل إليه مجددًا. لم يسمع صوتًا طوال تلك المدة، فقام يتلمّس الجدران، لعلّه يجد منفذًا، ولكن بلا جدوى؛ كل شيء مصمت. الباب كذلك لم يكن يختلف عن الجدران، كأنّه جزءٌ منها. حاول أن يتحدّث، أن يصرخ، لكن صوته تاه في العدم. استلقى أخيرًا على الأرض، علّه يُسكّن خوفه ويغفو قليلاً بعد تعب الليلة الماضية. تراكمت الصدمات واحدة تلو الأخرى، حتى أغمض عينيه أخيرًا. لكن الكابوس لم يتأخر. في تلك الليلة الباردة، تراءى له مشهد مفزع: حين نظر إلى الأرض، رأى عددًا هائلًا من الجثث مكوّمة تحت قدميه، شكّلت جبلًا من الموت. وفي أسفل الجبل، كان هناك شاب لا يرى منه سوى ظهره... حين التفت نحوه، بدأت ملامحه تتضح شيئًا فشيئًا... ولكن قبل أن يُدرك من يكون، انبعثت من العدم ظلال سوداء كثيفة، تسلّلت منها أيادٍ معتمة وسحبت الطفل إلى أعماق الظلمة. فزِع إيثان من نومه، يلهث بصعوبة وكأن الغرفة تخلو من الهواء. كان العرق يغمر وجهه، ونبضات قلبه تكاد تخرج من صدره، ثم عمّ الصمت من جديد... لكنه لم يكن قد غادر تلك الغرفة بعد. غير أن شيئًا جديدًا قد ظهر: صحن أبيض صغير يحوي بعض الأرز. في الأيام الأولى، قاوم إيثان. حاول العدّ، تحسس الجدران، رسم خيالات بأصابعه على الأرض... كان يبحث عن أي شيء يربطه بالواقع، بأي طريقة. لكن الغرفة لم تمنحه شيئًا. بمرور الوقت، بدأ يشعر بأن نفسه تتآكل من الداخل. تلاشت قدرته على التفريق بين النوم واليقظة، وبين الذاكرة والهذيان. لم يكن يعرف إن كانت الساعات تمضي أم أن الزمن توقّف. ظنّ في لحظة أنه ميت... أو أسوأ، أنه ما زال حيًا ولكن تم نسيانه. بدأ يرى جدران الغرفة تنزف. يسمع أصواتًا لا وجود لها. كان يُحدّث نفسه، ثم يغضب من صدى صوته، ثم يرجو الصدى ألا يتركه وحده. الجثث من كابوسه تسللت إلى يقظته. رأى وجوههم تفتح أعينها وتنظر إليه من الأرض والجدران، تتنفس حوله، تهمس باسمه، وتضحك. وفي لحظة ما، فقد رغبته في الكلام. ثم فقد القدرة على البكاء. لم يعد يعرف من هو. نسيَ اسمه، نسيَ لماذا هو هنا. لم يعد حتى يشعر بالجوع أو العطش... كل ما تبقّى هو الخوف الخالص، خامًا، لا اسم له، لا شكل، فقط يرتجف داخله كالوحش. وفجأة... فُتح الباب. دخل رجل طويل القامة، مظهره يوحي بأنه عالم، تتدلّى من عنقه بطاقة تعريفية كُتب عليها: "أركون أغيد" الاسم الذي سيُحفَر في ذاكرة إيثان إلى الأبد. كان هناك بقايا طفل، مُرتجف، يحدّق إلى القادم بعينين خاويتين من رعب كان إيثان قد فقدَ توازنه العقلي بعد بقائه في تلك الغرفة لمدة شهر كامل. انسحب إلى أحد زوايا الغرفة، يحدّق بخوف بعينين مرتجفتين إلى ذلك الرجل الذي يقترب بخطى ثابتة. وعندما وصل إليه، لم يكن هناك مهرب. إيثان (بأنفاس متقطعة): ـ أ... أرجوك... دعني! لم أفعل شيئًا خاطئًا! أُقسم لك! أركون (بهدوء مخيف): ـ نعم، كنتَ فتى جيدًا... لكن الأمور لم تنتهِ بعد. ثم التفت إلى من خلفه: ـ خذوه إلى غرفة الاستجواب. حاول إيثان المقاومة، لكنه كان أضعف من أن يواجههم. سُحب إلى غرفة الاستجواب، التي لم تكن تحتوي سوى على طاولة وكرسيّين متقابلين. جلس إيثان على الكرسي، وثُبّتت يداه وساقاه بإحكام، والخوف يعلو وجهه بوضوح. دخل دكتور أركون وجلس أمامه، يحمل في يده بعض الأوراق. أُغلِق الباب خلفه بإحكام، وكانت الغرفة محاطة بجدران صمّاء، لا يرى من نافذتها الوحيدة سوى عتمة لا تُفضي إلى شيء. جلست العيون المتقابلة على طرفي الطاولة، أحدهما باردٌ كمشرطٍ في يد جرّاح، والآخر خائفٌ كمَن لا يفهم لماذا وُضع تحت هذا الضوء القاسي. رفع دكتور "أركون أغيد" نظره عن الأوراق، وألقى نظرة طويلة على وجه الطفل الذي بالكاد يقوى على الجلوس. ثم قال بابتسامة هادئة تُخفي خلفها شيئًا شيطانيًا. ـ أركون: فلنبدأ الآن، إيثان... تذكّر، كل إجابة خاطئة تساوي صدمة أقوى. لذلك... كن فتى جيدًا، وأجب بصدق. نحن لا نحب الأكاذيب، أليس كذلك؟ ـ إيثان (بصوت مكسور):ح... حسنًا... ـ أركون (نبرة باردة): لماذا أنت هنا؟ ـ إيثان:... لا أعلم... أآآآه! صرخة تخترق الغرفة، يتشنج جسده من قوة الصعقة الأولى ـ أركون (يعقد حاجبيه): قلت لك، لا تكذب. ـ إيثان (يلهث، عيناه دامعتان): لكنّي... لا أعرف حقًا! أقسم لك! ـ أركون: غريب... ابن رجل فرّ بمخططات مشروع، وابن امرأة خانت المؤسسة... ويقول إنه لا يعلم شيئًا؟ ـ ايثان (بدهشة): ماذا...؟ أمي؟ أبي؟ ـ أركون (يراقبه دون شفقة): حسنًا... ما هو السلاح الذي كان والدك يعمل عليه؟ أين أخفاه؟" ـ إيثان (بعينين تتقلب فيهما الصدمة والذهول): سلاح؟ لا... لا أفهم! عن أي سلاح تتحدث؟ أآآآآآآه!! اهتزّ جسده الصغير كدمية تحت رحمة التيار. العرق سال بغزارة، وأنفاسه صارت متقطعة كمن يغرق. ـ إيثان (بصوت متهدّم): لا أعلم... لا شيء ... أنا لا أعلم شيئًا عن عمل أبي... ـ أركون (بصوت أخفض، أكثر خبثًا): ووالدتك؟ هل كانت تخبرك بأسرارها؟ أم أنها كانت أكثر حرصًا؟" ـ إيثان: أمي... كانت طيبة... فقط كانت تريد... كانت... يتلعثم، لا يعرف ما يقول، وكأن كلمات العالم ضاعت منه ـ أركون (يميل للأمام): أنت لا تعلم أنهم كانوا يخونوننا، أليس كذلك؟ أن والدتك خانت المشروع؟ أن والدك سرق منا أعظم سلاح عرفه هذا الجيل؟" صمتٌ طويل. دمعة سقطت من عين إيثان على الطاولة الباردة. لم يكن يملك جوابًا، فقط ذاكرة ممزقة، وألغاز لا يعرف أنه كان طرفًا فيها. ـ أركون (بنبرة ساخرة): جيّد... إذن، سؤال أخير ... أين شقيقتك؟ ـ إيثان (ينتفض): ما... ما علاقتها بالأمر؟! ـ أركون (ينظر إليه نظرة عميقة، كمن يزن عقله): أكثر مما تتخيل... إنها المفتاح الأخير، إيثان. ـ إيثان (بصوت متهالك، عيناه شبه مطفأتان): ... لقد تركتها... في الغابة... لا... آآآه!" لم يُكمل، إذ اجتاحته صعقة عنيفة قذفته إلى الوراء، ليُسقط رأسه خائرًا على الطاولة، لا حراك. لكن "أركون" لم يكتفِ، بل انحنى نحوه، جذب رأس الطفل من شعره بغلظة، وهمس في أذنه بنبرة شيطانية باردة. ـ أركون: ينبغي أن تفهم، يا إيثان... هذه الحياة لم تعد تخصك وحدك. حياة أختك كلها... معلّقة برقبتك. ثم تركه ينهار في العتمة. بعد يومين – الساعة 5:35 تم إخراج بعض العينات التي نجت من اختبار "الغرفة البيضاء" كان التصنيف الصادر على إيثان: "S - 001X". اختبار البقاء الأول بعد شهرٍ من التجريد التام، من الضوء، من الصوت، من المعنى. من أصل 400 عينة، تم إقصاء 107 طفلًا. ماتوا... أو جُنّوا... أو لم يعودوا يُعتبرون بشريين. خلال اليومين الأخيرين، ظلّ إيثان في غرفة الاستجواب. لا طعام. لا ماء. لا نوم. فقط صدمات كهربائية، أسئلة لا يفهمها، وأصوات تتسلل لعقله كالهواجس. خرج الآن إلى الممرات، بالكاد يسير، قدماه لا تحملانه. بين الضجيج، والصرخات، ووقع الأقدام الثقيلة، جاءه صوتٌ رقيقٌ كالنسيم: ؟؟؟: ـ "عليك أن تعيش..." التفت سريعًا... لكن أحد الحراس جذبه بعنف، لم يرَ من صاحب الصوت. لكنه... علِق في قلبه كأمل صغير يطفو فوق القذارة. عندما دَخَلَ الساحة، شَحب وجهه. الهواء كان مُعفنًا، مليئًا برائحة الدم والعفن واللحم المتحلل، جثث أطفال، بعضها مقطّع، بعضها مكوّم فوق بعضه الآخر، كأنها قمامة بشرية. أراد أن يتقيأ... لكنه تماسك. أُعطي سكينًا صغيرة... التقطها بيدين مرتجفتين، وارتسمت على وجهه علامات الذهول والخوف. ثم فُتح الباب المقابل. ودخل طفل آخر... نَحيل، يبدو أصغر منه، يمسك سكينه بكلتا يديه، وعيناه دامعتان. أُغلقت الأبواب خلفهما. وانبعث صوتٌ آلي من أعلى الساحة، يعلن ببرود: "القتال بين S - 001X و S - 027V سيبدأ الآن." إيثان لم يفهم... لم يدرك المعنى إلا متأخرًا. ك الفتى الآخر، كان يبكي... لكنّه ركض نحوه فجأة صارخًا: "أنا آسف!" تراجع إيثان، لكن السكين كانت أسرع. صرخة. دم. انغرست السكين قرب عينه، جرحتها بعمق... وسقط أرضًا، يصرخ ويمسك وجهه، والدم يغمر يده والأرض تحته. بدأ يتقيأ... ألمٌ، رعب، وصدمة اجتمعت في لحظة واحدة. صوته بحّ من الصراخ، قلبه كاد يتوقف، والعالم حوله أصبح ضبابًا أحمر لا يُحتمل. كان الدم يسيل من عينه المصابة، جسده يرتجف... أنفاسه متقطعة لكنه لم يكن يسمعها. بل سمع شيئًا آخر... همسات تتسلل من فوق الأسوار... بين الظلال والعيون البيضاء... "إذا مات... تخلّصوا من شقيقته." "عديم القيمة... مجرّد قمامة." "كائن زائد... مشروع فاشل." "قمامة... قمامة... قمامة..." شهقات البكاء في صدره تحوّلت إلى صرخات مكتومة. الخوف اختلط بالكره، والكره اشتعل فيه نارًا. الخوف... القلق... الكره... الغضب... الخذلان... كل تلك المشاعر انفجرت داخله دفعة واحدة، كأن جسده لم يعد قادرًا على احتوائها. عيناه لم تعودا تُبصران الواقع، بل الغدر... والخذلان... والألم. مدّ يده المرتجفة إلى السكين الملطخة، قبض عليها بشدة... ثم وقف. نظر إلى الأرض، فكانت السكين ترقد هناك... وكأنها تُناديه... تُغريه... تُعطيه مخرجًا وحيدًا من هذا الجحيم. مدّ يده المرتجفة إلى السكين الملطخة، قبض عليها بشدة... ثم وقف. بخطوات مشوشة، اندفع نحو الطفل الآخر...ومن دون وعي... ركض ،ركض على جثته الصغيرة...ركض تقوده مشاعره لا عقله، جسده لا إرادته. طعنة،ثم أخرى،ثم ثالثة،ثم طعنة أخرى ،ثم طعنات لا تُعد. لم يكن يرى سوى الدم. لم يكن يسمع سوى صوت السكين تخترق الجسد الطري.صراخ...بكاء...توسل...ثم صمت. الطفل الآخر لم يعد طفلًا،لم يعد شيئًا. أصبح قطعة لحم مشوّهة غارقة في الدماء. وإيثان... جالس فوقه، يلهث، عيناه شبه مطفأتان، ويداه ترتعشان وقد غمرهما لونٌ أحمر لم يكن يعرفه من قبل. حين أدرك ما فعل، ارتجف.سقطت السكين من يده. رفع رأسه ببطء، منهكًا، محمّلًا بالذنب والفوضى... ورأى وجهًا بين الوجوه العديدة أعلاه. وجهٌ لا يشبه البقية... لا يضحك، لا يحتقر، لا يأمر... بل يبكي. فرأى بين عشرات الوجوه الباردة وجهًا واحدًا مختلفًا. وجهٌ لا يشبه البقية... لا يضحك، لا يحتقر، لا يأمر... بل يبكي.عينان حزينتان... تنظران إليه،ارتجف قلبه. ونطق بصوت داخلي خافت: "لمَ تنظر إليّ هكذا...؟" ثم هوى جسده الصغير على الأرض،عيناه أُغلقتا... والسكون سقط على الساحة كالكفن ،سكونٌ مرعب... أشبه بولادة شيء لا يعود كما كان أبدًا. . . يتبع
Mizumiꨄ