الفصل 5 - نهاية الجحيم؟

الفصل 5 - نهاية الجحيم؟

18 0

إيثان : Time It's Off

الوقت انتهى

كانت صافرات الإنذار تعوي كذئاب جائعة، تشقّ الصمت وتملأ المكان بانفجارات صوتية متكررة، فيما الأضواء الحمراء تومض بنبضٍ جنوني على الجدران، وكأنها شرايين قلب يحتضر.

انتشرت حالة الطوارئ كالنار في الهشيم، والحرّاس المدججون بالسلاح اندفعوا كقَطعانٍ حديدية،

يهرولون نحو بؤرة الخطر، يطوّقون الممرات ويُفرغون الذعر في كل زاوية.

أما إيثان فكان يجلس بهدوء عند مستوى الجثة التي أسقطها قبل دقائق، يتأمّلها كما لو كانت دراسة تشريحية لعمل فني لا أثر للندم على ملامحه، لا ذرة تردّد.

مدّ يده ببطء نزع البطاقة المثبّتة على عنق الرجل، ثم نهض من مكانه بهدوءٍ يشبه اللامبالاة.

تقدّم بخطوات ثابتة نحو أحد الأبواب الجانبية،

أدخل البطاقة في جهاز التعريف فانفتح الباب بصوتٍ معدنيٍّ بطيء.

خلفه كان هناك مخلوق غريب بدا ككلب، لكن معالمه كانت أبعد ما تكون عن الحيوان الطبيعي ،جسده مزيج من العضلات الممشوقة والهياكل الآلية الصلبة،

وأسنانه تشبه شفرات مقصلة.

لكن الغريب أن الكائن لم يهاجم إيثان بل وقف هناك، صامتًا، يرمقه بعينين شاحبتين، يلهث، ثم أخفض رأسه بتودد غريب كأنّه يعترف به أو يهابه ،اقترب إيثان، وركع أمامه بهدوء، ثم حرّر القيد المثبّت في عنقه.

في اللحظة التالية، دوى صوت خطوات قادم من آخر الممر، وتقدّم أحد الحرّاس، رافعًا سلاحه، عينه على إيثان، إصبعه على الزناد.

لكن إيثان لم يتحرّك.بل التفت قليلًا، وقال بصوتٍ بالكاد يُسمَع:

"اذهب."

وكأنّها كانت شيفرة.

المخلوق انفجر في الهواء، اندفع كطلقة من جحيم،

وانقضّ على الحارس قبل أن يملك وقتًا ليصرخ أو يضغط الزناد.

فكيه أحاطا برأس الرجل صوت طحن العظام صرخ في الممر، والدماء تناثرت على الجدران،انفجرت الدماء، وتناثر اللحم والعظم والرأس تحطّم كقشرة بيضة بين أنياب المعدن والوحش.

إيثان؟

كان واقفًا هناك

لم يرمش

لم يتنفس

لم يتفاعل

فقط...

شاهد.

رجل آخر اندفع نحوه، سلاحه يصطك في يده، يطلق النار بلا توقف ،الرصاصات ارتطمت بالجدران، لكن قبل أن يقترب أكثر.

جدارٌ حديدي انغلق فجأة من الجانبين ككماشة جحيمية.

لم يُمهله، لم يرحمه، فقط انقضّ عليه وسَحَقَه بين ذراعيه الحديديتين.

صرخة مخنوقة، طقطقة عظام، وانفجار دموي ورأسه انفصل، وتدحرج على الأرض ككرةٍ مشوّهة،

تاركةً خلفها بركةً من الدماء تسيل تحت الجدار المغلق.

إيثان وقف هناك يحدّق بالكاميرا المعلّقة فوقه نظرة باردة، قاتلة، وكأنّه يقول:

"هل رأيت؟ هل ستُسجّل هذا أيضًا؟"

ثم التفت مجددًا نحو الجدار الجدران انفصلت ببطء، لكنها توقفت في المنتصف، وكأنها ابتلعت الجثة ولم تكتفِ.

أحشاء الرجل بقيت عالقة بين الفتحتين، تتدلى منها الأمعاء والدماء والخزي ،إيثان تقدّم دون أي تردد، وسَحَق رأس الجثة العالقة تحت قدمه العارية، كأنّه يُطفئ شعلة قذارة، ثم شقّ طريقه عبر الأحشاء كمن يعبر من باب عادي إلى جحيمه الخاص.

ومن هنا بدأت المجزرة.

مجزرة إيثان.

تحرّك كظلّ قاتم بين الممرات ، الحرّاس، العلماء، المساعدون، الهاربون ، كلهم على حدّ سواء لم يكن يقتلهم فحسب، بل يعاقبهم، كأنّه ينتقم لكل طفلٍ صرخ ذات يوم خلف زجاج المختبر، لكل جسدٍ تمزّق تحت مشرطهم، لكل إنسانٍ اختفى اسمه وصار رقمًا.

إيثان فوق الجثث يسير بخطى هادئة، حافي القدمين،

وملابسه البيضاء صارت مزيجًا من الأحمر القاني والبني القذر، دماء وجيف متجمعة عليه، لا تفرّق بين القاتل والمقتول.

ووصل أخيرًا إلى البوابة الأخيرة.

كان الناس يتسارعون للخروج منها، يتدافعون، يصرخون،

لكنها انغلقت قبل أن يتمكّنوا من الفرار.

وبينما ارتفعت صرخاتهم، كان العقاب يقترب ، يتقدّم إليهم كقدرٍ لا مفرّ منه ، لم تهزّه توسلاتهم. لم تؤثر فيه صرخات الاستغاثة ،كان يقتلهم واحدًا تلو الآخر،

بيديه، بسلاح، بأسنانه إن احتاج الأمر.

لكنه ترك واحدًا فقط أركون.

هرب الأخير مذعورًا، يتعثّر بجثثٍ وأشلاء،

حتى وصل إلى حافة الجحيم المكان الذي كان يُلقي فيه الجثث ، المكان ذاته الذي أقسم ذات يوم أن يُلقي إيثان فيه.

تراجع أركون، خطوةً تلو الأخرى، ثم استدار،

وجهه مشوّه بالذعر، لكنه يضحك ،ضحك هستيري، كأنّ جنون العظمة التهم عقله ضحكته تتردد في الفراغ،

تجعل إيثان يقف يحدّق فيه.

ويرى أمامه شيئًا واحدًا:

إنسانًا لم يعد إنسانًا.

أركون وهو يضحك بهستيريا، عيناه تلمعان بجنون.

أركون : هاهاها! أخيرًا...

وأخيرًا حقًا! لقد نجحت! نعم، نعم!

صنعتُ أفضل عيّنة على الإطلاق! هاهاها!

لكن فجأة عبس وجهه، كأنّه استفاق من نوبة جنونه، وتمتم وهو يحدّق في إيثان.

أركون : لكن كيف تمكّنتَ من السيطرة على المكان؟

لا يجيبه إيثان بل ينظر إلى الكاميرا ويعود لاركون وكأنه إجابة على سؤاله

أركون :آه نعم تلك الطبيبة المزعجة

التي تظنّ أنها ملاكك المنقذ من هذا الجحيم

هاها، يا لسذاجتك أنت حقًا لا تزال لا تعلم شيئًا.

أدار إيثان رأسه جهة اليمين، بحركة بطيئة، كأنّه لم يفهم مغزى ما قاله.

أركون : أنت لم تعلم بعد...

أنها السبب في كل تعاستك،

أيها الصغير المسكين.

إيثان : ما الذي تقصده؟ تكلّم.

ليس لدي كل الوقت لسماعك.

أركون: قصدي واضح هي من تخلّت عن عائلتك.

بفضلها، استطعنا إيجاد روزاليا

آه، تلك المرأة كانت صعبة المراس حقًا،

لم نكن نعلم أنها تختبئ في التلال،

وكان زوجها؟أكثر إزعاجًا!

نظام منزله كان حصنًا عصيًا على الاختراق

لكن بفضل سيلينا... تمكّنا من اختراق النظام بسهولة تامة نعم، هي خائنة أيضًا!

شعر إيثان بشيءٍ ثقيل يخنق صدره كأنّ الهواء انقطع فجأة ، توقّف في مكانه، ملامحه تجمّدت وكأنّه فقد كل شيء.

ثم، وبحركة غير متوقعة اقترب أركون ليضمه، كالمختل تمامًا، وهو يتمتم.

أركون: لا بأس يمكنك القدوم معي،

سنرفع من مكانتك، ستُقدَّر قدرتك

بل وسيكون السيّد سعيدًا جدًا بذلك!

إيثان :نعم...

أركون: رائع! كنت أعلم

أنك ذكي تعقل الأمور جيدًا إذن، لنذهب ونلتقِ به!

إيثان : نعم... في الجحيم.

أركون : ماذا-؟

لم يُكمل كلمته.

في لحظة، دفعه إيثان بكل قوّته نحو الهاوية

الهاوية المليئة بجثث الأطفال.

يتقدّم خطوتين نحو الحافة، يرى أركون يتلوّى بين الجثث، جسمه مكسور، يده تنزف، وجهه ملطّخ بالدم والطين، لكنه لا يزال يحاول التوسّل، كدودة تحاول الزحف من مقبرة مفتوحة.

إيثان (ببرود، صوته كخنجر مغروس في الهواء):

الرحمة؟...

ينظر إليه نظرة قاتمة، لا تحمل في طيّاتها أي ذرة بشر.

إيثان:

أمثالك لا يُمنحون الرحمة أنتم تَسحقونها حين ترجونها من الآخرين.

أركون (بصوت مختنق):

أرجوك... كنا مجبرين! كنا... ننفذ الأوامر فقط!

إيثان (ساخرًا، بصوت منخفض):

أوامر؟ مثل التي أعطيتها لقتل الأطفال؟ لتدمير عائلتي؟... لتُحوّلني إلى هذا الشيء؟

نظرته تغدو أكثر سوادًا، أكثر سُمًّا.

إيثان:

هل تعرف ما الفرق بينك وبيني؟

أركون لا يجيب، يتنفس بصعوبة، أنينُه يعانق الجثث من حوله.

إيثان:

أنا خُلقتُ من الألم أما أنت، فأنت من صَنَع الألم.

وأنا الآن أكسر صنّاعه.

أركون (بصوت هستيري متشنج):

فلتنزل الآلهةُ غضبَها عليك!!

يُسمَع صراخ أركون يعلو، يتردد في الهاوية المظلمة،

لكن لا أحد يجيبه، لا أحد يهتم حتى هوت الرافعةُ الثقيلة ذاتها التي تُستخدم لسحق الجثث

بانقضاضٍ مريع، كأنها لعنةٌ تنزل من السماء، وسحقت أركون مع بقايا الأجساد المتناثرة أسفل الهاوية.

ظلَّ إيثان واقفًا، لم يحرّك ساكنًا، ينظر نحو القاع، حيث اختفى جسد أركون تحت ركام الموت، بذات النظرة التي كان يُرمى بها يومًا

كـ"نفايةٍ لا تستحق الحياة".

الجميع يتشبث دومًا بحبل النجاة رغم أنهم لا يستحقون سوى الغرق في قاع الجحيم.

استدار بعدها، يغادر المكان بخطوات ثابتة، متجهًا نحو غرفة التحكّم،فقد سمع ما يكفي العدّ التنازلي للانفجار قد بدأ.

يسير بهدوء، تاركًا خلفه كل شيء الجثث، الدخان، والجنون ،إيثان بهمسٍ داخلي :

سيلينا...؟

هل كل هذا كان كذبًا؟

الصمت يرافق خطواته،لكن في داخله عاصفة بدأت تتشكّل ، صفّارات الإنذار تعوي بجنون،والأضواء الحمراء تضيء وتطفئ بجنونٍ أقرب إلى الهستيريا.

وفجأة-

أحد الجدران ينفجر بصوتٍ مروّع!

شظايا الحديد تتناثر، والغبار يتصاعد كسُحبٍ من رماد.

ومن بين الركام خرج "الكوابيس مجسدة".

وحشٌ مرعب.قوامه طويل بشكل غير طبيعي،

أطرافه ملتصقة ببعضها كأشلاء مركّبة عشوائيًا،

خليطٌ مشوّه من اللحم الحي والمعادن الصدئة،

وجهه محترق بالكامل، لا ملامح له،

عيناه مغطاتان بطبقات جلدية ملفوفة بأسلاك ملتوية.

انطلق نحوه بسرعة خارقة، كأن الريح تحمل جثته الميتة!

وإيثان؟ بالكاد تراجع خطوة قبل أن يفلت من ضربة قاتلة،

فاصطدم الوحش بالجدار خلفه، محدثًا أثرًا كالقذيفة.

في تلك اللحظة فهم إيثان فورًا.

إنها التجربة H.S0751

واحدة من أخطر التجارب التي أنشئت على الإطلاق.

كانت معزولة في مستودع سرّي منذ زمن طويل،

لم يُسمح لأحد حتى بالاقتراب منها

فقط ملفّها وحده كان كفيلًا بإشعال إنذار من الدرجة الأولى.

ويبدو أن الفوضى حرّرتها أخيرًا.

الوحش يزأر، صوته كطاحونة حديدية تصرخ من الجحيم لا لغة لا عقل فقط غريزة قتل.

يهجم مرة أخرى بسرعة غير طبيعية يركض على أربع، مخالبه تحفر الأرض الحديدية، وإيثان يركض بين الممرات، عيناه تراقبان كل زاوية، صدره يعلو ويهبط،

لكنه لم يكن خائفًا بل يقيس.

(إيثان في داخله): جسده كبير لكنه غير مستقر.

حركته سريعة لكن ضرباته ثقيلة.

يبدو أن قلبه لا ينبض إنه ميت-حي؟

الوحش يقفز فجأة فوق إيثان!

يضرب الأرض، ليُحطم جزءًا من السقف، يتناثر الحديد كالشظايا.

إيثان يتراجع، يتسلل خلف أنبوب بارز يمسك بقضيب حديدي صدئ.

"ليس لدي وقت الانفجار سيحدث بأي لحظة يجب أن أُنهيه بسرعة."

ينهض ويهاجم مباشرة، يضرب الوحش بالقضيب على جانب رقبته، لكن لا فائدة الحديد ينكسر!

الوحش يصفعه بيده المعدنية، يطير إيثان ويرتطم بالحائط، يسعل دمًا لكنّ عينيه تتوهجان.

الوحش يهدر ويتقدّم، لكن إيثان يبتسم.

إيثان: وجدتها ظهرك ليس محصن.

يقف، يتفادى الضربة التالية بدقة، يتسلل من تحت يد الوحش، ويتسلّق على ظهره مثل وحش آخر، ويبدأ بخلع الأسلاك من عموده الفقري، إحدى الأسلاك كانت متصلة بـ"وحدة التوازن".

الوحش يصرخ ويبدأ بفقدان السيطرة على توازنه. يضرب الجدران بعشوائية، يكسّر كل شيء، لكن إيثان ما زال على ظهره.

إيثان:

"سأنهي ما بدأوه بك لكن على طريقتي."

يغرز قطعة من قضيب معدني داخل قلب الطاقة الذي يلمع في ظهر الوحش ، صرخة تشق المكان تتوقف الأنوار فجأة ثم ينفجر الوحش من الداخل، في وميض من الشرر والدم والدخان المحترق.

إيثان يسقط أرضًا على ركبتيه، أنفاسه لاهثة، يداه ترتجفان لكنّه على قيد الحياة.

(بصوت داخلي):

انتهى واحد آخر سقط وجحيم آخر فتح طريقه لي

ينهض ببطء، يلتفت حوله صفارات الإنذار تزداد، الجدران تتشقق الوقت يُداهمه.

العد التنازلي على الشاشة:

00:02:39

الغرفة شبه مظلمة الهواء معبّأ برائحة السجائر والاحتراق.

سيلينا تجلس على كرسيٍ حديدي، كأنها كانت تنتظر الموت بابتسامة نصفية، تأملت شرارة السيجارة كأنها آخر شمسٍ على كوكبها.

يدخل إيثان ،ملابسه مغمورة بالدماء، خطواته مثقلة،

وجهه جامد، لكن عينيه تفضحان آلاف الحروب.

إيثان (ببرود مشوب بحنين):

منذ متى وأنتِ تدخنين؟

سيلينا (تبتسم بسخرية حزينة):

أتسأل متى بدأت التدخين وأنا في مكان كهذا؟

منذ أول مرّة رأيت فيها طفلًا يُحقن بتجربة

أو ربما منذ أول جثة باردة قلتُ عنها عينة تالفة

سيلينا تبتسم بأسى، بينما سيجارتها تحترق ببطء بين أناملها المرتعشة.

سيلينا : كطبيبة لك، كان يجدر بي أن أكون قدوةً تُحتذى رمزًا للعناية بالحياة.

لكن... لا حيلة لي، إيثان.

لستُ كما كانت والدتك.

أنا ظلّها فقط، ظلٌّ مشوّه...

ولا أستحق حتى لقب 'طبيبة'

إيثان يصمت يتقدم، يجلس مقابلها على طاولة مغطاة بالخرائط والرموز.

سيلينا (تنظر إليه): كنت أعلم أنك ستعود

ليس من أجلي، بل من أجل شيءٍ داخل صدرك

شيء لم يُقتل بعد.

إيثان (بصوت هادئ): ما الذي تنتظرينه، سيلينا؟

الانفجار؟

القصاص؟

أم الغفران؟

سيلينا (تنفث دخانها): ربما أريد فقط

أن يراني أحدهم قبل أن أموت.

إيثان صوته خافت، تنكسر فيه حدّة الصمت، كأن الغصّة تعصر حنجرته.

إيثان: لماذا لم تخبريني بالحقيقة كاملة؟

سيلينا تشيح بوجهها نحو الأرض، وزفرة طويلة تهرب من صدرها.

سيلينا: وهل كنتَ ستصدقني آنذاك؟

أو ربما كنت أنا من يهرب.

أهرب من ذنوبي، من ضعفي،

من كل ما اقترفت يداي...

الحقيقة؟ لم أعد أفهم نفسي، إيثان.

تتغيّر ملامح إيثان الصلابة التي كانت تحكم وجهه تتصدّع، لحظة قصيرة، لكنها تكفي ، يصمت، لكن صمته كان أثقل من أي عتاب، ثم يهمس وكأن الكلمات تجرح فمه.

إيثان: لقد وثقتُ بكِ، سيلينا...

لكنكِ أيضًا... خذلتِني.

سيلينا تقترب بخطوات مترددة، كأن كل واحدة منها تكشف ضعفها.

سيلينا : لم يكن أمامي خيار...

لو لم أفعل ما فعلت، لفقدتُ حياتي،

وحياة من سعيتُ لحمايتهم.

ندمت، إيثان ندمت حتى اختنقت بي الندامة.

الذكريات تتسلل إلى صوتها، تغمره برعشة ندم قديم.

تتكلم وكأنها تعتذر للعالم، للماضي، وربما لنفسها.

سيلينا : ذهبتُ لتحذيرها...

لكنني وصلت متأخرة.

كانوا قد سبقوني.

رأيتكَ، وطفلتها في تلك الليلة المشؤومة،

من خلف الأشجار، رأيتكمُم تحت ضوء القمر المذعور.

وحين ركضَت أختك إلى الغابة أدركتُ أن هناك أملًا ضئيلًا.

وجدتُها مغمىً عليها تحت شجرة، فاقدةً للوعي، باردةً كالرماد.

حملتها... وهرعتُ بها إلى كنيسة مار مارون.

كان هناك قدّيس أعرفه رجل طيب، يعرف

ما يدور خلف الجدران.

أعطيته الطفلة... وقلت له:

'اعتنِ بها، هذا العالم ليس آمنًا لطفل'

هربا معًا، نحو مدينةٍ أخرى...ومنذ ذلك اليوم

، لم أعرف عنهما شيئًا.

إيثان يرفع نظره إليها ببطء، كأن الكلمات تثقل عليه.

إيثان: إذن... كيف سأجدهما؟

سيلينا تبتسم بشحوب، بعينين تخبئان ألف فجر مؤلم.

سيلينا: ابدأ من هناك...

من كنيسة مار مارون.

ستجد ما يقودك إن صدقت نيتك.

يصمتان لحظة ثم يبدأ الانفجار يرتجّ أكثر جدران المبنى تتصدع انفجارٌ قريب يهزّ المكان ،صفارات الإنذار تصرخ بجنون، وألسنة اللهب تزحف عبر الممرات، تتقدّم كما تتقدّم النهاية سيلينا تلتقط حقيبة سوداء بجانبها، وتدفعها نحو إيثان

سيلينا: فيها كل ما دوّنته عن إزيل

عن التجارب، عن هذا الجحيم

ليست كاملة، لكنها قد تُنير لك الدرب.

سيلينا : اذهب، إيثان

هذه آخر مساهمة لي في فوضاك.

الأبواب الخلفية ستفتح خلال عشر ثوانٍ.

تمسك يديه، للمرة الأولى، بشجاعة امرأة أحرقتها الندامة.

تنظر في عينيه مباشرة، بعينين لا تخشيان الحقيقة بعد الآن

سيلينا: أنا آسفة، إيثان

آسفة على كل شيء...

إيثان ينظر إليها بثبات، صوته مشبع بالامتنان، لكنه لا يمنح عفوًا.

إيثان : شكرًا على كل ما حاولتِ فعله.

لكنني لستُ إلهًا يا سيلينا

لأغفر خطايا أحد.

إيثان ينظر لها، عيناه تختنقان بكل ما لم يُقال،

لكنه يهز رأسه ويدير ظهره يستدير ويغادر.

تبتلعه ألسنة اللهب كما تبتلع الذاكرة كل من فيها،

وخلفه تحترق الغرفة، ويحمل الدخان في سمائه آخر رمقٍ من امرأة كانت يومًا، لوهلة، إنسانةً بنيةٍ صافية.

الخارج صحراء تمتد بلا نهاية ،يمشي إيثان وسطها، حافيًا، الدماء تلطّخ قدميه، وجروحه، كذكرياته، لا تنزف لكنها لا تُشفى.

يتوقف يمدّ يده نحو السماء ، تشرق الشمس ذهبية، ساطعة، تبهر العين التي لم تعتد النور، يرفع يده ليحجب شعاعها عن وجهه، ويهمس، كأنما يحادث نفسه.

"كم مضى منذ أن رأيتُ شمسًا لا تحترق؟"

.

.

.

.

يـتبع

✦ وهنا... تنتهي الجولة الخامسة.

- هل فعلًا انتهى كل شيء داخل ذلك المختبر؟

أم أنّ ما كان تحت الأرض… ما زال حيًا؟

- من هو إزيل الآن؟

عالِم أم وحش؟

أمل أخير أم كارثة مقبلة؟

اكتبوا توقّعاتكم، تحليلاتكم، وأكثر لحظة حرّكت مشاعركم في الفصل.

كل كلمة منكم، كل حرف، هو وقود جولتي القادمة

شكرًا لأنّكم وصلتم إلى هنا.

”نراكم في الفصل القادم... حيث لا أحد يخرج سالمًا.“

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

هذا ليس بشريًا (Error 404)

المؤلف Mizumiꨄ
2025/06/13 مستمرة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة