الصمت ساد الغرفة كأن الزمن نفسه تراجع خطوة إلى الوراء.ثم خرج صوته بثبات، دون أدنى ارتعاش.
-إيثان: نعم أنا هو.
ارتجّت الأجواء داخليًا، وإن بدا الجميع ثابتين.
فُتحت أعين الرجال بتوتر، وكل منهم أمسك بسلاحه موجّهًا إيّاه إلى ذلك الفتى الواقف أمامهم بلا درع، بلا درب هروب، سوى وقفته المنتصبة، وذراعيه خلف ظهره.
أغمض عينه اليسرى ببطء، تاركًا اليُمنى محدقة بثبات نحو الرجل الجالس خلف المكتب الكبير، الزعيم نفسه.
ردف الزعيم بصوت متماسك، يخفي تردده خلف غلاف من السخرية.
-الزعيم: إذًا أنت الصبي الذي أثار كل هذه الفوضى؟
أجابه إيثان بهدوء، كنصل مغموس في سم.
-إيثان:لم أفعل شيئًا بعد.
ارتفعت حاجبا الزعيم باهتمام.
-الزعيم:وهل تنوي؟
-إيثان:إن لم ترد، فلن أفعل.
استغرب الزعيم مائلًا برأسه.
-الزعيم:وماذا لو أمرت رجالي الآن بإطلاق
النار عليك؟ ما الذي ستفعله؟
هنا، ابتسم إيثان ابتسامة باهتة، كأنها بلا روح ولا دافع، مجرد ظل على وجه خالٍ من الأثر.
-إيثان:لا شيء.
وانزلقت اللحظة في جمود قاتل.
كانت كلماته خنجرًا باردًا طعن قلوبهم دون أن يُراق دم.
رفع الزعيم أحد حاجبيه باهتمام خافت، ثم نطق من خلف دخان السيجار بلهجة متمعّنة.
-الزعيم: هل أفهم من هذا
أنك ترغب بالانضمام إلينا؟
قال إيثان بهدوء لا يخلو من التحدي.
-إيثان :نعم.
رمق الزعيم الصبي بنظرة طويلة، ثم أشار بإصبعه على الطاولة.
-الزعيم: وما الذي يدفعني، أنا، لأرغب في ضمّ
فتى لا أرى فيه أيّ شيء مميز؟
أجاب إيثان دون أن يرمش.
-إيثان:أنا من أنهى المجموعة في الميناء.
التفت الزعيم إلى جاك، وصوته لا يزال هادئًا، لكنه حاد كحد السكين.
-الزعيم:هل ما قاله هذا الصبي صحيح، جاك؟
كان جاك ما يزال في حالة من الذهول، فهزّ رأسه ببطء، محاولًا استجماع كلماته.
-جاك :آه... نعم، نعم. هو فعلها.
عاد الزعيم ينظر إلى إيثان، تأمّله من رأسه حتى أخمص قدميه، ثم تنفّس ببطء.
-الزعيم:هذا لا يكفي ما زلت لا أرى شيئًا
يُقنعني بأنك تستحق مكانًا هنا.
اقترب إيثان خطوة، ووقف بثبات، ثم قال.
-إيثان:أستطيع أن أثبت لك مقدرتي.
وولائي، إن سمحت لي.
كان الزعيم يجلس بثبات خلف مكتبه الجلدي العريض، بينما سادت القاعة الحمراء سكون قاتل. أنوار خافتة ترتجف من دخان السجائر، وأعين الحراس مركزة على الفتى الغريب الذي تحدّى قوانينهم وطلب الانضمام.
قال الزعيم بنبرة مشبعة بالملل.
-الزعيم:طلبتَ الانضمام حسنًا.
فلنرَ مدى طاعتك.
ثم أشار بيده لحارسين واقفين خلف الستارة، فأدخلا رجلاً مكمم الفم، موثوق اليدين، يتلوّى من الذعر.
-قال الزعيم:أثبت ولاءك واقتله.
الهواء متخثرٌ كأنه لم يتحرّك منذ قرون، والمصابيح الحمراء المعلقة تُلقي بوميضٍ متقطّع يُشبه تنفّس شيطانٍ يحتضر.
جدرانٌ إسمنتية، متشققة، تنزف صدأً من مواسير قديمة، فيما طاولة طويلة تقف كنعش مفتوح في طرف الغرفة، وخلفها جلس الزعيم يشبه جدارًا من الرخام البارد.
في منتصف المساحة، كان الرهينة مقيدًا بحبال خشنة، كأنما اقتُلع من أحد الكوابيس ثم أُلقي هنا، دون أن يُعطى فرصة للفهم.
وقف إيثان على بُعد خطوات لا سلاح، لا انفعال، لا حتى ظلّ شعور على ملامحه عيناه سوداوان، كأنهما مرآتان معطوبتان لا تعكسان شيئًا سوى الفراغ.
الزعيم قال بصوته الخشن، كأنه يُدخّن الحروف قبل أن ينطقها.
"اقتله."
صمت، حتى الهواء تراجع.
الرهينة بدأ يرتجف، يتوسّل بنظراته المرتعشة، والدموع تشقّ طريقها عبر وجنتين شاحبتين ،لكن إيثان لم يتحرّك لم يهتز له جفن حتى.
اقترب ببطء خطواته لا تُصدر صوتًا، كما لو أن الأرض تخشى أن تُبلّغ عنه ثم انحنى، وجهه بات بمحاذاة وجه الرهينة، وعيناه تحدّقان في عمق الروح المتهالكة أمامه.
ثم انحنى، وجهه بات بمحاذاة وجه الرهينة، وعيناه تحدّقان في عمق الروح المتهالكة أمامه.
همس، بصوتٍ باردٍ كحافة مشرط.
-إيثان : أتعلم ما هو أسوأ من الموت؟
أن تعيش حيًّا دون أن تعرف لماذا
أن تُحبس في جسدٍ لم تختره،
ويُطلب منك أن تموت باسم أحد آخر
سأعطيك حريّتك الآن، إن كنت تجرؤ.
الرهينة شهق، أنفاسه تتسارع، وقلبه يقرع كطبول حرب لا أحد يراها،ببطءٍ مريب، بدأ يفكّ قيود الرجل بسكين صدئة لا على عجل، لا دفعة واحدة بل شقّ الحبل شعرةً شعرة، كمن يزرع وهماً بالأمل في صدر ضحيته.
وكان صوته ينساب إلى أذنه كهمس الشيطان، رخيمًا، لزجًا، يقطر سمًّا لا يُرى
إيثان:هشش... لا تصرخ...
الأمر لن يستغرق طويلًا.
الرهينة بدأ ينتفض، ينظر إليه كمن رأى شبحًا، أو ما هو أسوأ... من يعرفه.إيثان همس ثانيةً، أهدأ، أعمق، وأقسى.
إيثان: زوجتك كانت تدعى 'لارا'، صحيح؟
من الجميل أنها ماتت قبل أن ترى ما أصبحت عليه.
الرهينة شهق، تجمدت عيناه. إيثان يواصل، كمن يقطّع ضحية على طاولة جراحة نفسية.
إيثان: والدك لم ينتحر. لقد سقط من النافذة
بعد أن عثر على صورٍ لم يكن ينبغي أن يجدها.
أخوك الأصغر؟
كان يشمّ الغراء في المطبخ عندما انقطعت الكهرباء هل تذكر كيف احترق البيت؟
أنا أذكر.
الرهينة بدأ يهز رأسه، يتمتم برعب:
لا… لا…
إيثان:
كل ما كنت تهرب منه أنا أتيت به إلى هنا.
أوَتعلم؟ لا تحتاج سكينًا
أنت تحمل موتك في داخلك منذ زمن.
أنا فقط، أزيح الستار.
إيثان يمد يده، يمرّرها على خدّه بلطفٍ خبيث، كأنما يواسيه.
إيثان:قالوا لك أن كل شيء سيكون بخير
لكنك كنت تعلم دائمًاأن النهاية تنتظرك بصبر.
الآن، خذ زمام الأمر.
كن سيد ألمك.
اغرس الحقيقة في قلبك حررها.
أكمل كلماته، ثم انحنى ببطء وقطع الحبال بخفة متقنة، قبل أن يضع السكين أمام الرهينة على الأرض وكأنما قدّم له مصيره على طبق من جليد.
القاعة ابتلعت أنفاس الجميع. الصمت صار ثقيلاً كالرصاص.عيونهم اتّسعت، لا تصدّق ما تراه حتى جاك نفسه، انفجر منفعلاً، كاد يتدخل، قبل أن يتراجع؛ أدرك متأخراً أن هذا تصرّف غبي.السكين تُرك أمام رهينة؟ مجنون! سيهاجم الصبي! هذا ما دار في خلده.
جاك:
هل جننت؟! سيقضي عليه!
لكن حُرّاس الزعيم أمسكوه قبل أن يتحرّك شبرًا، وقبل أن ينفجر بالغضب...تجمّدت القاعة.
وفي تلك الثانية، الثانية الواحدة...حَدثَ ما لم يتوقعه أحد.عينا الرهينة توسّعتا، ثم انكمشتا في ومضة تشبه رعشة الموت.
شهقةٌ قصيرة، حادّة كالسكاكين يده المرتجفة امتدّت نحو السكين، دون تردّد،سكينٌ صغير. قرارٌ نهائي.
حركة واحدة وصوت الجلد وهو يُشقّ، كأن قماشًا متعفنًا يُمزّق من الداخل.وصوت الدم، ليس كالمطر، بل كهمس لعناتٍ تسيل على أرضٍ مسكونة.
الصمت تلبّس الجدران.الرهينة تحدّق في الفراغ، عيناه زجاجيتان، كأنما يرى شيئًا على الجانب الآخر من الموت.
لقد ذبح نفسه،بدم بارد،وإيثان لم يحرّك ساكنًا.
وقف بهدوء قاتل، نفض الغبار عن قميصه، تنفّس كمن أنهى صلاة جنازة.
ثم قال، بصوت باردٍ خالٍ من الحياة، كأنّه يأتي من قاع قبر.
إيثان:الضعفُ عار
والموتُ أهون من أن تُستخدم.
الرهينة ممدّدٌ على الأرض، بلا حراك.
السكين مغروس في صدره كوصمة نهائية،
وعينا إيثان تحدقان إلى الأسفل لا شفقة، لا حزن، لا نصر.
فقط لا شيء.
الزعيم لم يتحرك بعد، لم يرمش حتى.
رجلاه ثقلتا، كأن خوفًا قديمًا تسرّب من عظامه.
رفع رأسه ببطء، وحدّق في ملامح إيثان كمن ينظر إلى بقايا بشر لم تعد تنتمي للعالم.صوته خرج خشنًا، كمن اختنق بدخان الحيرة.
الزعيم:
من أنت بحق الجحيم؟...
إيثان لم يجب، فقط مسح أثر الدم عن طرف إصبعه بمنديل ثم رماه بجانب الجثة.
اقترب خطوتين فقط.
كل من في القاعة تراجع غريزيًا، وكأن الهواء من حوله صار سامًا،الزعيم عضّ على شفتيه، حدّق في ذلك الفتى أو الشبح ثم زفر ببطءالزعيم وهو يشيح بنظره عن الجثة.
الزعيم :
... هذا كافًا انا اعترف بمقدرتك ..
إيثان أخفض رأسه باحترام.
ثم اقترب حتى وقف أمام الزعيم مباشرة انحنى أمسك يد الزعيم بكلتي يديه، وقبّلها ببطء لا طقوس بل ولاء خالص، مظلم، ثقيل.
نطق إيثان بصوت خافت، لا يُسمع منه سوى الحرف الأخير.
إيثان: أطيع حتى النهاية.
الزعيم أغمض عينيه لثوانٍ، كأنه يختم عهدًا مع مخلوقٍ لا يفقه الخضوع، لكن اختار أن ينحني مؤقتًا.
كان جاك واقفًا في الزاوية، يحدق بإيثان كأنه يراه للمرة الأولى لم يكن الفتى نفسه الذي جرفه بين ذراعيه وهو ينزف حتى الموت.
لم يكن الفتى الذي استلقى صامتًا تحت مشرط مارش.
هذا كان شيئًا آخر.
تسلّل رعشة إلى يد جاك اليمنى لم يشعر بها منذ سنين.
لم يعرف ما يخيفه أكثر: ما فعله إيثان؟ أم كيف فعله؟
همس لنفسه كمن يستنطق الشك:
"اللعنة… من أين جئت، يافتى؟
وأي جحيم عبرت لتصل إلى هنا؟"
لكنّه لم يتكلم لم يُظهر شيئًا وقف ساكنًا متجمّدًا.
الزعيم، بعد لحظة صمت ثقيلة، جلس ببطء.
ثم نطق، ونبرة صوته كانت أشبه بخوفٍ يُلجَم، لا بأمرٍ يُطلق
الزعيم:
لكن لدي سؤال لك.
إيثان انحنى قليلًا، وصوته كان ساكنًا كبحيرة في ليلة خالية من النجوم.
إيثان:
اسأل، سيدي سأجيبك بصدق.
الزعيم:
كيف… جعلته يقتل نفسه؟
سكت الجميع.
حتى الأنفاس انحبست بينهم جميعًا، وحده إيثان تنفّس بثبات تقدم خطوة واحدة ثم همس، لكن الهمس اخترقهم كالصراخ. أجاب إيثان بصوت عميق، كأن شيطانًا يتحدث نيابة عنه.
إيثان:
كان خائفًا من ماضيه
وأنا فقط ذكّرته به.
أخبرته أين اختبأت جثث عائلته،
وأين وُلد الطفل الذي تركه يصرخ في قبو محترق
قلت له كم تشبه زوجته صراخ والدته حين ماتت،
وكيف أن عظام والده لا تزال تنتظر في الثلاجة الصناعية.
لم أحتج إلى قتله.
فقط وضعت مرآة أمامه
وجعلته يرى.
الزعيم، دون أن يشعر، بلع ريقه قطرة عرقٍ نزلت من صدغه الأيسر.أدار نظره سريعًا عن وجه الفتى، كمن يكاد يغرق فيه.وبعد لحظات، تمتم بنبرة مكسورة.
الزعيم:
ما… ما اسمك؟
إيثان أغلق عينه اليسرى، وانحنى رأسه قليلًا.
صمت لعدّة ثوانٍ كانت ثقيلة كالخطيئة.
"ليس لديّ واحد."
الزعيم رفع حاجبه بدهشة.
الزعيم:
كيف… ليس لديك اسم؟
إيثان، وهو يطأطئ رأسه قليلًا باحترام مدروس
إيثان:
هل تتشرف بمنحي اسمًا؟
تجهم الزعيم، وكأنه يزن الكلمات بين يديه ألقى نظرة جانبية نحو الرف القريب من مكتبه ،كتب قديمة، مغبرة بعضها منسي.
وبينما هو غارق في التفكير، ارتجف الرف فجأة، وسقط كتابٌ منه،صفع الأرض بصوتٍ جاف، مشؤوم.
التفت الجميع والزعيم نظر ببطء ثم انحنى والتقط الكتابالعنوان محفور بنقش ذهبي باهت:
"آلهة العالم السفلي دراسة في الأساطير اليونانية."
فتح الكتاب مصادفةًوانزلق بصره تلقائيًا إلى منتصف الصفحة:
"هاديس إله الموتى، سيد العتمة، حارس الأسرار المدفونة،الذي لا يُنطق اسمه إلا إذا اقترب الفجر من الزوال."
ارتجف شيء ما داخل الزعيم،كأن الصفحة تنظر إليه، لا العكس،كأن الكتاب لم يسقط بل جاء.
رفع رأسه نحو الفتى الذي ينتظر، ساكنًا، بابتسامة بالكاد تُرى.
-الزعيم: اسمك…سيكون هاديس.
سكتت الغرفة حتى الهواء تغيّر كأن اسمًا قديمًا خرج من المقبرة كأن الجدران فهمت شيئًا لم يقله أحد.
ابتسم إيثان أو هاديس الآن بلا أثر للفرح فقط ارتسم على وجهه ظلّ، وكأن الاسم كان له منذ البداية،
وكان فقط ينتظر من يُعلنه.
رن هاتف الزعيم رفع يده بتوتر، أجاب لكن عينيه لم تفارقا إيثان،حديثٌ غامض، همسات، ثم صمت قصير وأخيرًا، أغلق الخط.
-الزعيم:لدي مهمة لك، هاديس
شحنة ستخرج الليلة ستذهب مع جاك وتُشرف على إيصالها عد بعد انتهائك.
تكلم إيثان الذي أصبح الآن هاديس بهدوء قاتل، كمن أنهى اختبارًا دون أن يهتم بالنتيجة.
-هاديس (ايثان) :حسنًا.
الزعيم يلوّح بيده وهو يتكئ إلى الخلف، نبرته مليئة بالرضا والحذر في آن.
-الزعيم: يمكنكم الانصراف الآن.
يتحرك هاديس أولاً، يخطو خارج الغرفة دون أن يلتفت يتبعه جاك بعد لحظة صمت، بينما عينا الزعيم تتبعان الفتى حتى يختفي عن الأنظار،ثم ينظر إلى أحد رجاله الجانبيين ويقول بنبرة هادئة تحمل معنىً واحدًا.
-الزعيم: راقبوه عن كثب وإن اقتضى الأمر… تخلّصوا منه.
في الممر الطويل المؤدي للخارج، كان هاديس يسير بثبات، خطواته واثقة كأن الأرض نفسها تعرفه،أما جاك فكان يتبعه بخطوات مترددة، يداه تتحركان بعصبية، يحاول كبح اندفاع الأسئلة في صدره،ثم أخيرًا، أسرع بخطاه ومدّ يده وأمسك كتف الفتى.
-جاك :هيي! أجبني… ما معنى كل هذا؟
مالذي تنوي عليه؟!
وأيضًا… كيف حال جراحك؟
إيثان يتوقف، يرفع عينيه ببطء كأن السؤال نفسه عبثي،ثم يتنهد بصوت منخفض، ويجيب ببرود مميت.
-هاديس(إيثان) : لم أظن أنك مغفّل إلى هذا الحد.
لِمَ سأقول لك ما أنوي فعله؟
جاك يتراجع خطوة، مذهولًا من ردة الفعل، ثم يزم شفتيه.
-جاك :هاه! أيها الطفل أين احترامك للكبار؟!
-هاديس(إيثان) : نحن في مكان لا يحترم أحدًا
وتريد مني أن أضع الاحترام فيك؟
-جاك : كم عمرك بحق الجحيم؟!
لم تتعلم أبدًا معنى الاحترام؟!
إيثان دون أن يتوقف، بصوت كمن يرمي جملة على الأرض دون اكتراث.
-هاديس(إيثان): سبعة عشر
وأيضًا أترى أن هذا وقت مناسب لمسرحية سخيفة عن الأخلاق؟
يتحرك من جديد، يبتعد بخطواته الهادئة بينما جاك يبقى واقفًا في مكانه لبضع ثوان، ينظر إلى ظهره وهو يبتعد،ثم يهمس لنفسه.
-جاك ظننته في الرابعة عشرة… إنه نحيل للغاية…
انتظر! إلى أين…؟ تبًا، إنه يبتعد بسرعة!
وصلوا أخيرًا إلى نقطة التجمع، حيث كانت الشاحنة المعدّة للانطلاق تقف في زاوية موحشة من ساحة التخزين.
بعض رجال العصابة كانوا يتكئون على الجدران، والبعض يتفحص الأسلحة أو يتحدث بلا مبالاة،لكن ما إن وطأت قدم إيثان المكان، حتى تبدّلت الأجواء.
العيون حدّقت فيه،غريب،صغير،دخيل.
نظرات تتراوح بين الريبة، والسخرية، والاشمئزاز الصامت.
ثم خرج من الصفوف رجل ضخم، يتجاوز طوله المترين، بذراعين كأنهما أعمدة حديد، اقترب ببطء، يلوّح بسيجار بين أصابعه وهو ينظر إلى إيثان باستهزاء.
الرجل بنبرة عالية تُغطي على المكان.
-الرجل؟:هيه! من أحضر هذا الـ... القزم؟
أين رضّاعته؟! أم نسي الحفاظ؟
انفجر المكان بالضحك ضحكات مبحوحة، ملوثة برائحة التبغ ثم فجأة، دون سابق إنذار، مدّ الرجل يده وقبض على رأس إيثان كأنه لعبة.
بيده الأخرى بدأ يصفعه، مرة... اثنتين... ثلاث، والضحك يعلو تكلم الرجل وهو يضحك بجنون.
-الرجل؟: ما رأيكم؟ هل سيبكي؟
بل ربّما… يبلّل سرواله! أهاهاهاها!
لكنّ إيثان لم يتحرك، لم يرتجف،لم يصرخ،بل رفع عينيه تلك العينان الخضراء لتي تحمل عمق كقاع بئر بلا قعر.
أجاب إيثان بصوت خافت، لكنه سُمِع بوضوح كأن العالم صمت فجأة.
-هاديس (إيثان) : هل يمكنني قتله؟
وجهه الذي ازرقت بعض جوانبه من الصفعات، بقي جامدًا،عيناه تتحركان ببطء بين ملامح الرجل ثم نحو جاك، وكأنه ينتظر إذنًا.
الرجل ضاحكًا وهو يرفع قبضته مجددًا.
-الرجل؟: ما هذا؟ بطل خارق؟
تنوي أن تُطلق الليزر من عينيك؟
وقبل أن تُستكمل الضربة، جاء صوت جاك حادًا، كالسوط.
-جاك : لا تقتله يا هاديس!
صمتٌ مفاجئ،ثم أكمل جاك، بابتسامة خبيثة وهو ينظر نحو الرجل المتنمر.
-جاك: لكن يمكنك أن تُعيد له الإهانة بطريقتك.
ارتفعت أنظار الرجال جميعًا نحو إيثان،الضحك تلاشى،التوتر انتشر،كانت هناك ثوانٍ فقط لكنها كانت كأن الزمن تجمد،الكل بانتظار شيء مريع.
استدار إيثان بهدوء نحو جاك، لم يكن في ملامحه أيّ انفعال،وفي اللحظة التي انطلقت فيها قبضة الرجل الضخم نحو وجهه.
قبض عليها إيثان قبل أن تلامسه،يد واحدة فقط أطبقت على ساعد الرجل، ثم بدأت بالضغط،والانحناء،واللف.
وفجأة دوى صرير مرعب.
كان صوت المفاصل وهي تُلوى،العظام بدأت تتكسر تحت ضغط أصابع إيثان، قطعة بعد قطعة.
-الرجل؟ : آآآآه... أَ... أتركني!!
لكن اليد لم تتحرر بل بدأت تتشوه،الجلد تمزق،العظام خرجت من مواقعها معصمه التوى بزاوية غير بشرية،ثم برزت قطعة عظمية حادة من منتصف الساعد، واخترقت الجلد كالرمح.
صرخة الرجل شقت الفضاء، وهو يسقط على ركبتيه، يمسك بذراعه المحطمة كأنها جسد يحتضر،ذراعه لم تعد يدًا بل كومة من اللحم المتدلي والعظم المكشوف.
إيثان نظر إليه كأنه يشاهد تجربة علمية، ثم بصمت مرعب رفع ساقه، وركله بقوة،الرأس اصطدم بالأرض الإسمنتية، وانفجر الدم من جبهته جسده تمدد بلا حراك.
ساد الصمت
كل من كان في الساحة تجمّد مكانه، أحدهم ابتلع ريقه بصوت مسموع، والآخر تراجع خطوة بلا وعي،
ثم تكلّم إيثان بصوت بارد، كأن الموت ذاته ينطق.
-هاديس (إيثان) : عليك أن تتعلّم كيف تركع أحيانًا
من أجل أن تُمنح فرصة العفو عن حياتك.
رفع نظره للجميع كانت أعينهم مسمّرة عليه، بين رعب مكتوم وشكوك داخلية تهمس: من هذا الكائن؟
ابتسم ابتسامة باهتة، وكأن ما فعله للتو لم يكن أكثر من تعديل ربطة حذاء. ثم قال.
-هاديس (إيثان) : اسمي هاديس
وقد انضممت إليكم للتو آمل فقط أن تكون أدمغتكم ما زالت في رؤوسكم، على عكس هذه الكتلة الفاشلة من اللحم.
تراجع البعض خطوة دون وعي، وكأن ظله وحده بات ثقيلاً فوقهم،في تلك اللحظة، لم يكن هاديس مجرّد اسم جديد في القائمة بل لعنة نزلت على رؤوسهم، بخطى ثابتة.
.
.
.
يتبع
Mizumiꨄ