"من دمّر حياتي... كانت هي، أجمل ما حدث فيها."
لا أحد يصدق أن أسوأ الكوابيس تبدأ بمشاجرة عادية...
لكنني أؤمن أن كل جحيم يبدأ بلحظة غضب صغير، ثم يكبر.
كان بيني وبين كاثرين شجار،ليس الأول لكنه كان الأشد، صوتها، نظرتها، طريقة ارتجاف يدها وهي تلوّح لي كلّها لا تزال تسكن ذاكرتي.
غادرت المنزل غاضبًا وذهبت مباشرة إلى العمل، وفي تلك اللحظة، جاءني العرض وظيفة مؤقتة خارج الولاية، ستة أشهر من العمل المكثف بعيدًا عن كل شيء.
عن كاثرين عن مارشال، ابني الوحيد، الذي لم يتجاوز السادسة من عمره.
لم أفكر كثيرًا، لم أبعث برسالة، لم أعد للمنزل، وافقت دون حتى أن أنظر إلى الخلف، كان يجب أن أرتاح من كل شيء.
كان يجب أن أهرب، لكن هناك شيءٌ لم يخبرني به أحد:
أنك حين تهرب من النار، ربما تترك أحبابك بداخلها.
كنتُ أحتاج إلى فترة راحة راحة منها، من البيت، من كل شيء، ظننت أن البُعد المؤقت قد يصلح ما كُسر، قد يعيد التوازن، وربما الشوق يُعيدنا كما كنّا.
لكن... يا لغبائي.
لم أكن أعلم أن ذلك سيكون أسوأ قرار في حياتي.
كنت أحاول التواصل معها أرسل الرسائل، أتصل، أنتظر ردًا، كلمة، حتى تنهيدة، ولكنها اختفت، لا إجابة، لا صوت، لا حضور.
اتصلت بوالدتي، فقط لتطمئنني أن مارشال بخير وأن كاثرين لا تزال هناك، على الأقل جسدًا.
وبقينا هكذا أيام تمر كأنها سنوات، ثم شهور، وكلما مرّ الوقت، شعرت أنني أبتعد عنهم أكثر، كأن المسافة التي بيننا لم تعد مجرد ولايات، بل حياةٌ كاملة تنهار.
وحين عدت أخيرًا إلى المنزل كنتُ مشحونًا بالشوق، ممتلئًا بالأمل أن أراها، أن أحتضن ابني، أن أصلح كل ما انكسر.
لكن كاثرين لم تكن كما تركتها،كانت قد عادت للمخدرات، سقوطها هذه المرة كان أعمق أعمق من أن تُنتشل بسهولة.
لم تسمح لي حتى أن أرى مارشال أغلقت كل باب، وكل نافذة، وكل ذرة من قلبها.
ورغم ذلك حاولت،حاولت أن أصلح، أن أفهم، أن أداويها بكلمة أو لمسة،بدايةً، فشلت كل محاولاتي، لكن مع الوقت بدأت تنكسر.
عدنا لبعضنا لكن لم تتوقف عن التعاطي، لكنها قلّلت، وهذا بحد ذاته كان إنجازًا.
وعادت علاقتنا إلى ما يشبه ما كانت عليه لكنني كنت أعلم، في أعماقي، أن هذا السلام المؤقت يسبق العاصفة.
وأخيرًا رأيت مارشال.
عامٌ كامل لم أرَ فيه وجهه، لم ألمس يديه، لم أسمع صوته، وعندما احتضنته أخيرًا لم يكن بخير، مارشال لم يكن الطفل الذي تركته.
هزيلاً، شاحب الوجه، عيناه غارقتان، لا يضحك لا حتى يبتسم، اعتنينا به، حاولنا أن نعيد له الدفء لكن شيئًا ما كان ينطفئ فيه ببطء.
وفي أحد الأيام، سقط أمامنا، يتقيأ دماءً، ارتجف قلبي، تجمّد جسدي، وسحبت أنفاسي كما لو كنت أغرق.
حملته إلى المشفى، والذعر يسابقني لا يهم أي قانون أو إشارة توقف، فقط أريد إنقاذه.
بينما هو في غرفة العمليات، كنتُ في ردهة الانتظار، محاصرًا بالقلق وفي لحظة، ووسط هذا الجحيم، جاءني خبر مفاجئ:
كاثرين... حامل.
فرحت؟ نعم.
لكن الفرحة لم تنفجر في صدري كما يجب لأن مارشال لم يخرج بعد من تلك الغرفة.
خرج الطبيب وجهه خالٍ من أي ملامح بشرية، كما لو أنه تدرّب على كتمان الرحمة، قال لي أن ابني يحتضر.
"سرطانٌ متقدّم... تأخّرتم كثيرًا... استعد للأسوأ."
يا إلهي كيف يُقال هذا؟ كيف يخبرون أبًا أن فلذة كبده سيرحل؟
تكسّرت من الداخل لكنني لم أسقط، لا لم يكن الوقت مناسبًا.
أخفيت الخبر عن كاثرين أخبرتها بابتسامة شاحبة أنه فقط سيبقى في المشفى لفترة أطول، طلبت منها أن ترتاح، وتهتم بجنينها بينما أنا، كنت أتحلل بصمت.
أخذت إجازة من عملي، وتركت كل شيء خلفي يومي كان موزعًا بين المشفى والمنزل والليل؟ كنت أدفنه على صدري كل يوم، ولا أحد يعلم.
مرّت الشهور، واقترب موعد ولادتها، لكنّ مارشال سبقه إلى الموت.
مات بين يدي
هل بكائي وصراخي أعاده؟
هل نفعني توسلي للقدر أن يعيده لي؟
لا لقد رحل، وفتح الجحيم بابه أمامي.
كان عليّ أن أخبرها.
حين أخبرتها لم تصدق،ضحكت أولًا، ثم بكت، ثم صرخت.
كانت تردد:
"هذه مزحة سخيفة، أليس كذلك؟"
يا ليتني كنت أمزح، كاثرين...يا ليت.
بعد شهر ولدت كاثرين طفلتنا "نتاليا" كنت أظنها هدية السماء أنها ستمسح الحزن، وستغطي هوّة مارشال، لكنني كنت وحدي من تمسّك بتلك الفكرة.
كاثرين لم تفرح لم تحبها، لم تلمسها حتى كانت ترى في عيني نتاليا صورة مارشال، فتكاد تصرخ كلّما بكت، تبتلعها الذكريات وتلوم نفسها، وتغرق.
عدتُ إلى العمل. كنت مضطرًا، علينا أن نعيش، لكنّي لم أكن مطمئنًا لتركها مع نتاليا، خفت عليها على الطفلة، فجلبت أمي لتبقى معهما أثناء غيابي.
وحدث الخطأ. الخطأ الذي حطّم حياتي إلى أشلاء.
في ليلة خرساء، عدت متأخرًا إلى المنزل، كلّ الأضواء كانت مطفأة ما عدا ضوء المطبخ، المتوهّج بهدوء قاتل في غرفة المعيشة.
دخلت، وهناك كانت كاثرين
جالسة على الأرض، تحيط بها عبوات الشراب، كأنها تقيم عزاءً وهميًّا في عقلها،ركضت نحوها.
-جاك:كاثرين! ما بكِ؟ أين أمي؟ أين نتاليا؟!!
لم تجبني.
نظراتها كانت ميتة.
كانت تكمّل شربها، كأنني ظلّ.
-جاك :أين نتاليا؟!! أجيبي، أرجوكِ! أين هي؟!
ثم رفعت كاثرين يدها ببطء، وأشارت إلى المطبخ، شعور بارد اخترق عمودي الفقري، نظرتُ... كان المطبخ مظلمًا إلا من ضوءٍ خافت ينبعث من الميكروويف.
فجأة، فهمت.
لم يكن الأمر بحاجة إلى تفسير.
تقدّمت خطواتي متكسّرة، أنفاسي محشورة في صدري، قلبي يريد تمزيق قفصي،وصلت إلى الباب، فتحته.
وكانت هناك.
نتاليا.
تدور داخل الجهاز اللعين، جسدها الرقيق يحترق ببطء.
وجهها الذي لم يُكمل ثلاثة أشهر، بدأ يتقشّر.
صرخت، فتحته بكل ما أوتيت من قوة، وانتشلتها دون أن أفكّر بحرارة المعدن يداي احترقتا، لكنّي لم أشعر بشيء فقط كنت أصرخ باسمها.
ثم...
سمعت صوتًا خلفي صوت سكين تُسحب،التفتُّ، كاثرين واقفة، تمسك السكين، تترنّح تخطو نحوي، وأنا أرتجف، أعود للوراء حاميًا طفلتي واتوسّل.
-جاك: كاثرين، لا... دعينا ننقذها، أرجوكِ، يمكننا البدء من جديد...
-كاثرين : لا، جاك... لا يمكنك فهم الأمر. الحياة فقدت قيمتها.
-جاك: ماذا تقولين؟! هذه طفلتنا!!
بابتسامة حزينة قالت لي بأسى.
-كاثرين : جاك... لقد أحببتك حقًا، من أعماقي... لكنني وصلت نهايتي.
-جاك : كفى، هذا جنون... أنزلي السكين، أرجوكِ!
-كاثرين : دعنا نذهب إلى مارشال... جميعنا.
-جاك: !!
أدركتُ حينها...
أنها ستقتلني، وتقتل نفسها.
اندفعت فجأة طعنتني، لم تكن دقيقة أصابت كتفي، لكن الألم كان طفيفًا مقابل ما هو قادم.
وفي المحاولة الثانية، أمسكت نتاليا بيدي اليسرى وحين حاولت دفعها، طعنتني مجددًا، هذه المرة في كفّ يدي اليمنى.
دخلت السكين من راحة يدي وخرجت من الجهة الأخرى.
ألم لا يوصف لكنّي أمسكت بالسكين وهي داخلي، وسحبتها من يدها، ثم دفعتها بكل ما تبقّى لي من قوة.
سقطت أرضًا، ألقيت السكين بعيدًا، وضممت طفلتي يدي تنزف... قلبي ينزف أكثر.
-كاثرين : عزيزي جاك...
يبدو أنك لا تريد الرحيل معي...
أنا آسفة...
لكن يجب أن أذهب إلى مارشال... لقد انتظرني طويلاً.
في تلك اللحظة كل شيء حدث بسرعة لم أنتبه لم أستوعب،كانت قد سقطت قرب مجموعة السكاكين، يدها التقطت واحدًا آخر سكين صغير، حاد، ولامع...ووجهته إلى رقبتها.
بصارخًا يائسًا صرخت
"كاااااثريييييييين!!!"
لكن صوتي لم يمنع النصل،ولم يوقف الزمن.
اخترق السكين رقبتها، وتدفّق الدم كنافورة حمراء سقطت على الأرض، بهدوء مريع كأنها أخيرًا وجدت راحتها.
جلستُ هناك في منتصف المطبخ الضوء الخافت يرتجف، وجثتها أمامي، ونتاليا بين ذراعيّ لا حركة، لا أنفاس، جسدها الصغير كان قد برد.
فقدت كل شيء.
زوجتي التي أحببتها بعمق، رغم كل شيء طفلتي التي بالكاد نطقت الحياة.
حضنتهما معًا، وانفجرت بالبكاء بكاء مرير، مكسور، لا يشبه صراخ البشر بكيت حتى تألم حلقي حتى اختنقت بنفسي...
كان الألم لا يُحتمل الفراغ لا يُملأ وكل ما بقي هو أنا رجل محطم، يضم جثتين، تحت ضوء مطبخ باهت في بيتٍ لم يعد بيتًا... بل مقبرة.
بعد مضي بعض الوقت عادت والدتي إلى المنزل، صرخة واحدة منها كانت كفيلة بإحضار الشرطة،وصلوا، ودخلوا،
وجدوا ثلاث جثث.
وأنا...
كنت الجثة الثالثة،
لكن على قيد الحياة.
جالس على الأرض،أحتضن ما تبقّى من عالمي، أنظر إلى الفراغ بعينين لا تريان لا شيئًا ولا معنى، سحبوني من بينهما،من حضني، من الموت الذي تمنّيت أن يضمّني معهما.
كنت ساكنًا، لم أقاوم، لم أصرخ، لم أتنفّس، كل ما فيني مات، ما عدا الجسد وهذا أسوأ من الموت.
كل صراخي، بكائي، كل الألم الذي مزقني قبل دقائق تحوّل إلى فراغ صامت لا نهاية له.
أقسم...
لو تأخروا بضع دقائق أخرى فقط،
لكنت أمسكت بالسكين وانضممت إليهم.
مرّت السنوات بعدها، ولا أعلم كم منها ضاع، أو كم منها دهسني تحت رحمة الأيام.
لم أكن أعيش...بل أتحلل ببطء.
فقدت عملي،فقدت سمعتي، وصار الناس يهمسون باسمي كما لو كنت قاتلًا، رغم أن الشرطة برّأتني، لكن أعين الجميع ظلت تراني مذنبًا، كأنني من دسّ السكين،
وكأنني من أشعل الجحيم في منزلي.
كأنني أنا من قتلتهم.
كنت جسدًا بلا روح، قلبًا بلا نبض، وكلّ من عرفني دفنني حيًا بنظرته.
في النهاية أصبحتُ مثلها، غرقتُ في الخمور، أدمنت المخدرات وفهمت.
فهمت الألم الذي كانت تخفيه خلف عينيها ذلك الماضي الذي لم أسألها عنه يومًا، لكني دفعتُ ثمن جهلي مضاعفًا.
تمنيت لو أنها قتلتني في ذلك اليوم، على أن أعيش حبيس صور الماضي،أسير أشباحٍ لا تنام، وغارق في صمتٍ لا يُسمع.
بسبب ما وصلتُ إليه، صار الانخراط مع العصابة أمرًا تافهًا، كان لدي صديق قديم طلب مني الانضمام، ولم أتردد.
حتى لو استخدموني كقنبلة بشرية، لم أكن أرى سببًا للعيش لكن وسط كل هذا الخراب...
لكن وسط هذا الركام شخصٌ ما أعاد لي نبضًا كدت أنساه، أعدت إشعال أملٍ خافت دفعني لمحاولة تخطي الماضي،
لإحراق تلك الصورة، ولطمرها في طيّات النسيان.
ظننت أني تخطيت،حتى رأيتك...
عندما أنقذتك، ظننتك مارشيل، قسماتك، عينيك، شيء ما بك أيقظ شيئًا مدفونًا داخلي لكنك لم تكن هو.
كنت شيئًا آخر.
أنت مختلف، تمنحني رغبة بالحديث بالرغم من خوفي.
فمن تكون يا هاديس؟
ما أنت بالضبط؟
.
.
.
.
.
يتبع
•
لا تنسو تصويت والمتابعه حتى يصلكم تنبيه بالفصول جديده :)✨
• رأيكم في الأحداث ؟
• رأيكم في افعال كاثرن زوجه جاك ؟
• وش تتوقعون رد فعل إيثان على هذا ؟
Mizumiꨄ