الفصل ألثالث - نحو المجهول

الفصل ألثالث - نحو المجهول

21 0

ضُوء ساطع ساقَطَ عليه ليفتح عِينَة النائمه بهدوء نَوْمُهُ إلذي كان يشبه النَوَّمَ الأبَدِيُّ.

جلس على السرير الحديدي، جسده النحيل مغطى بالضمادات، كدمية خزفية مكسورة حاول أحدهم يائسًا ترميمها.

اللون الأبيض يحيط به من كل اتجاه الملاءات، الجدران، أروقة المستشفى، حتى الأطفال الآخرين الراقدين في أسرّتهم جميعهم كانوا أشباحًا صغيرة تتنفس بصعوبة.

ضمادات تلف جسده النحيل، كما لو كانت تُخفي تحتها جراحًا لا تُحصى ،بعضها مرئي وبعضها أعمق من أن يُرى.

في الجناح كانت الغرفة تعجّ بأصوات الأجهزة، أنين الأطفال، وخطوات الممرضات الهادئة، حركة مستمرة لا تلامس السكون الداخلي الذي ينهشه.

بين الممرضات اللواتي يتنقلن من طفلٍ إلى آخر، تقدّمت امرأة بخطوات ثابتة ،وجهٌ شاحب، شعر مربوط للخلف وعينان سوداوان لكن ملامحها مزيج من الصرامة والأسى.

انحنت أمامه، وجلست لتكون بمستواه.نظرت إليه بعينٍ حنونة وصوتٍ هادئ لكنه يحمل صرامة خفية.

: هل أنت بخير؟

صوتها لم يكن دافئًا، لكنه لم يكن باردًا أيضًا ،كان يشبه صوت شخصٍ اعتاد رؤية الحزن، لكن لم يعتد تجاوزه، إيثان لم يرد كل ما فعله أن نظر في عينيها السوداوين لم تكن عينا طبيبة كانتا أشبه بمرآتين لرعبه الداخلي، نهضت من جلستها، مدت يدها نحوه بحذر.

سيلينا : اسمي الدكتورة سيلينا، نادِني سيلينا فقط

مرّ أسبوع على سقوطك... أنا هنا لأفحص عينك،

هل تسمح لي؟

ارتجف جسده وابتعد للخلف حتى التصق بنهاية السرير، كأن لمسة أخرى ستؤذيه،لكنها لم تُجبره انتظرت ، ثم جلس بهدوء، مغمضًا عينيه، مستسلمًا.

ببطء، بدأت تزيل الضماد عن عينه المصابة، لفافة تلو الأخرى، إلى أن كشف الجرح أخيرًا.

توقفت للحظة...

العين كانت فاقدة للونها الطبيعي أو بالأحرى... ما تبقّى منها، فقدت بريقها، وسكنها البياض ،تحوّلت إلى رمادٍ بارد تحيط به ندبة بارزة تخترق وجنته، لم تكن مجرد إصابة كانت علامة تملؤها ندبة واضحة، وشحوبٌ كأن الضوء نُزع منها للأبد.

سيلينا (بهمس):هل ترى بها...؟

فتح فمه الصغير، لكن صوته خرج مبحوحًا، كأن الكلمات كانت عالقة في الحلق.

إيثان:... لا.

لحظة صمت.

ثم هزّت رأسها بتفهّم، وأعادت لفّ الضماد برفق أكبر من السابق.

سيلينا:فهمت... يجب أن تبقى مغطاة إذًا

سأُبدّلها الآن

قبل أن تنهض سمعته يهمس كأن الكلمات خرجت رغماً عنه، ممزوجة ببقايا الدموع التي لم يستطع إسقاطها.

إيثان:... لماذا تنظرين إليّ بحزن؟

توقفت يدها في منتصف الطريق...

نظرت إليه بصمت لثوانٍ، قبل أن تقول بصوت شبه خافت.

سيلينا: "لأنك لم تُخلق لتكون هنا"

ايثان: ؟ ماذا تقصد

تنظر إليه وتبتسم بألم

سيلينا: أضن أنه بسبب ندَّمَ قديمَ

سيلينا : لقد أنهينا لهذا اليوم عليك الآن المغادرة

لقد جَاءوا إليك بالفعل على أي حال

دخل رجل ضخم، ملامحه مشدودة ونظراته مملوءة بالضيق، اقترب ليأخذ إيثان دون حتى أن ينظر إليه لكن سيلينا رفعت يدها، وقالت بصوت أكثر صرامة مما اعتاده منها.

سيلينا:عليه العودة إليّ غدًا لم أنتهِ من فحوصاته بعد

الرجل (بتهكُّم وتكشيرة سخط): لا يبدو أنه بحاجة لفحوص، بل لتأديب

سيلينا (بحدة، تحدق فيه بعين ثابتة): ومن منّا الطبيب؟

أأنت من يُشخّص؟ أم تُلقي أحكامك كجزار؟

زمجر الرجل بضيق، ثم لوّح بيده بازدراء.

الرجل: تسك... كما تشائين سأُبلّغ الإدارة

غادر وهو يجر إيثان، لكنها ظلّت واقفة مكانها لم تُحرّك ساكنًا كل ما فعلته أنها تبعته بعينيها حتى غاب عن أنظارها، كأنّ شيئًا فيها انكسر معه.

مرّت الساعات...

عاد الظلام إلى الجناح، ثم أُضيئت المصابيح الباردة من جديد، وحين دخل مجددًا كان وجهه شاحبًا أكثر من المرة الأولى، وكأن كل دقيقة قضاها هناك سرقت منه عامًا آخر.

سيلينا (بابتسامة بالكاد تُرى): أهلًا بعودتك S-001X

إيثان بصوت خافت، لكن يحمل ظلال فهم أعمق.

إيثان: أعلم أنكِ لم تطلبيني عبثًا هناك سبب خلف هذا اللقاء

نظرت إليه للحظة طويلة، ثم قالت بهدوء يشبه الاعتراف.

سيلينا:همم... لم يمضِ وقت طويل على وصولك،

لكن الغريب أنك بدأت تتأقلم بسرعة

لم يرد

فقالت وهي تنهض، تنظر حولها قبل أن تهمس له.

سيلينا:نعم، كنت أود قول شيء آخر

الحقيقة أنني... أريد إنقاذك

إيثان (مذهولًا): إنقاذي؟ ولماذا؟

توقفت نظرت إليه ثم قالت بنبرة ارتجفت في نهايتها.

سيلينا:لأنك لا تنتمي لهذا المكان وجودك هنا خطأ،

خطأ يجب أن يُصحَّح وإن كان متأخرًا

إيثان:لكن... لماذا؟ ما الذي يدفعك لفعل ذلك؟

ارتعشت عيناها قليلًا نظرت إليه كما لو كانت ترى ماضيها على وجهه،وقالت بصوت خفيض.

سيلينا: لأنني... أحاول أن أكفّر عن خطيئةٍ ربما لن تُغتفر

إيثان: أي خطيئة؟

نظرت إليه، لكن لم تُجِب فقط أغمضت عينيها وابتلعت الكلمات، كأنها سمّ لا يُقال، قالت سيلينا بصوت خافت كمن ينزف سرًا

سيلينا:على الأقل استطعتُ إنقاذ شقيقتك الصغرى

إيثان (بفزع يتفجّر من عينيه):أين هي؟!! أين...؟!

لم تُجِب فورًا.

بل انحنت لتُحكم لفّ الضماد على جرح بكتفه، وكأنها تُخفي الحقيقة تحت الضمادات كما تُخفي الدم يدها كانت ثابتة، لكن صوتها كان يرتجف في خيوط بين السطور.

سيلينا (ببطء، بينما تُعدّ أدواتها):ليس لدينا الكثير من الوقت أعلم أن رأسك يصرخ بالأسئلة ،تُريد أن تعرف ما حدث لماذا أنت هنا، أين هي، ولماذا أنت من بقي بينما الآخرون اختفوا

توقفت لحظة، ثم رفعت عينيها إليه وقالت.

سيلينا:كل شيء تغيّر بعد ما حدث في قاعة الاجتماعات،

عندما أعلنت شركة FGT عن نواياها لم يعُد المشروع كما كان ،كان عن التجاوز عن استخدامكم كحطب لتجربة أبدية.

إيثان (بهمس، كأن الحقيقة بدأت تقضم أطراف وعيه):

... مشروع؟ أيّ مشروع...؟

سيلينا تقترب منه، تنحني بجانبه وتُتمتم بصوت بالكاد يُسمع.

سيلينا: مشروع الخلود الصناعي جيل بلا موت بلا روح

كانوا بحاجة إلى عينات نادرة، وكنتم أنتم ولكن أنت

كنت خطأ وجودك هنا

بينما تهمّ بوضع الضماد، لاحظ كيف لفّته حول عنقه هذه المرة، رغم أنه بلا جرح هناك.

إيثان (يتراجع فجأة):لماذا عنقي؟

سيلينا (بهمس وهي تتابع لفّ الضماد بإحكام): لأنهم يراقبون وهذا تشويش بسيط على أجهزة التتبع لم أعد أملك أدوات كثيرة،لكن القليل من الكذب يمكنه

أن ينقذ رقبة

ثم تنظر إليه بحدة

سيلينا:عليك أن تغادر الآن، قبل أن يتحول فضولهم إلى قرار

إيثان (بهمس مضطرب):أنتِ... لماذا تساعدينني؟

لماذا الآن...؟!

تتوقف، وتتنهد بصوت عميق كما لو أخرجت سنينًا من صدرها، ثم تهمس له.

سيلينا:لأني كنت هناك...

عندما صرخت والدتك، عندما اختار والدك أن يختفي

وعندما اختاروا أنت أن تكون رقمًا بدل اسم

إيثان ينظر إليها بصمت، والدم يتجمد في عروقه.

إيثان: من أنتِ؟

لكنها لم تُجِب.

بل ابتعدت عنه، أدارت له ظهرها، وقالت بصوت بارد كأنها تُغلق الباب على الذكريات.

سيلينا:لقد انتهينا

لا تتعرض للإصابة مجددًا لا أملك ضمادات تكفي للندم المتكرر.

غادر إيثان الغرفة،خطواته كانت أثقل من وزنه، وأفكاره تصرخ بأصوات لم يعد يميزها، لكنه الآن لم يعُد وحيدًا، وجد فيها ليس فقط طبيبة بل شاهدة على الجحيم،وشريكة في كذبة الزمن.

لتمرّ السنوات...

ويغدو الزمن سكينًا يقطع الطفولة إلى شرائح من الذكرى،

تكثر اللقاءات بينه وبين سيلينا، ويصبح وجودها بين أروقة المختبر أشبه بظلٍ لا يفارقه.

سيلينا، لم تعد مجرّد طبيبة أصبحت مسؤولةً عنه، وهو أصبح "العينة المثالية"

S - 001X

الأنجح، الأقوى، والأخطر.

ورغم أن وجهه لم يعد يعرف الطفولة، إلا أن ملامحه كانت تحمل دومًا صمتًا ثقيلًا وعيونًا خالية من الرجاء.

علم مؤخرًا أن هذا المكان ليس مجرد مختبر، بل مقبرةٌ للرغبات، بُني في صحراء قاحلة حيث لا حياة تسمع صراخ التجارب.

وعلم أيضًا أن والدته روزاليا، لم تكن ضحية صدفة بل كانت رأس الحربة في معارضة مشروع "الخلود الصناعي"،وأن من قرر دفنها إلى الأبد هو إزيل أديلان رئيس شركة FGT والشيطان الذي يحكم من خلف الستار.

كان اليوم من أيام الاختبار الشهري، لكن لم يعُد مثل السابق لم يعُد يقاتل ليثبت نفسه، بل بات يُختبر كي يُقاس مدى كفاءة الموت في جسده.

في رواقٍ عقيمٍ بلون الحليب الفاسد، تتكرر الخطوات ذاتها ،صوت الأحذية الطبية على الأرضية المعقّمة يُحدث صدى كأنّه طرقات نعشٍ بارد.

تمشي سيلينا أمامه، بثوبها الأبيض المُصفَّر تحت إضاءة نيون، بينما يتبعها إيثان بصمتٍ مألوفٍ منذ سنين، طوله ازداد لكن ظله لم يثقل بشيء سوى مزيد من الأسر.

يمرّان بجانب مرآة مستطيلة مغروسة في الجدار، مهترئة الحواف لكنها صادقة وبين شروخ الزجاج، لمح انعكاسه، توقفت خطواته فتجاوزته سيلينا دون أن تلتفت،وقف يحدّق في وجهٍ بالكاد يعرفه...

شعره الطويل ينسدل على جانب وجهه، يغطي جزءًا من عينٍ ماتت فيها الروح ووجهه صار أشبه بقناعٍ باهتٍ وندباته تحمل رسائل صامتة.

رفع يده النحيلة لامس سطح الزجاج كأنه يُريد لمس ذاته القديمة العالقة خلف الانعكاس، بصوت مبحوح، هامس للمرآة.

إيثان:كم من الوقت... مرّ؟كم مرة عدتُ ولم أعُد أنا؟...

صدى كلماته ارتدّ نحوه بصوت أكثر وحدة لحظة صمتٍ تمر.

توقفت سيلينا وشيء من الدهشة العابرة انعكس في عينيها السوداوين، نظرت إلى الشاب الواقف أمام المرآة وسألته بصوت خافت سألته.

سيلينا:خمسُ سنواتٍ مضت، لمَ الآن؟

من بين كل تلك الأيام تسأل عن الزمن اليوم؟

لم يجب فقط حدّق بها لحظة، ثم أنزل يده عن الزجاج وواصل سيره كأن شيئًا لم يُقال، ثم التفتت سيلينا إليه وقد علمت بما يراه في نفسه لكنها لم تقل شيئًا.

تابعا طريقهما

ساحة الاختبار كانت تنتظرهما، تلك الحلبة التي لم تعُد ساحات نجاة بل طُقوسًا لإعادة برمجة الوحش البشري.

الباب المعدني ينزلق بهديرٍ منخفض ودخل إيثان خلفه أُغلق العالم الخارجي، وابتدأت طقوس الذبح المتكررة.

غرفة بيضاء لا لون فيها سوى دماء الماضي المتخثرة في جدران الذكرى، ستة أطفال تتفاوت أعمارهم بين الثامنة والثانية عشرة، واقفون أنفاسهم لاهثة وعيونهم مشروخة بالخوف.

إيثان بينهم أطول، أكثر صمتًا، أكثر خرابًا، تساقط أحد الأطفال أرضًا دموعه تنهمر بصوت يفضح ضعفه،يرتجف، يتوسّل، ينكمش، كأن الأرض ستمتصه.

إيثان ينظر إليه بثبات

لم يرفّ له جفن، لم يُمدّ له يدًا فقط تلك النظرات الحادة التي لم يُفهم إن كانت شفقةً على ضعفه، أم اشمئزازًا من إنسانيته.

أصداء الصوت الآلي تخرق سكون الغرفة:

الاختبار الشهري - القاعدة رقم 9: البقاء للأقوى ابدأوا.

تحوّل الأطفال فجأة إلى حيوانات مذعورة صراخ، دموع، نحيب، ثم...صوت تمزّق لحم، انطلقت السكاكين الصغيرة في أيادٍ صغيرة، تُقاتل من أجل ألا تكون الجثة التالية.

إيثان لم يتحرّك عينيه تراقبان المسرحية الدامية كما لو أنه يشاهد فيلمًا شاهده مرارًا.

طفل يهاجمه من الخلف،لكن يد إيثان تسبق وعيه تمسك رقبة الطفل وتدفع السكين في قلبه بحركة واحدة، لا رمش لا ندم، لا حتى لحظة سكون، كأن القتل صار انعكاسًا لا إراديًا كالتنفس.

وقف وسط الجثث المتناثرة، ودماء الأطفال على ذراعيه،

ثم نظر إلى الأعلى الكاميرات تراقب، الوجوه خلف الزجاج تبتسم، تسجّل وتقيّم.

وقف الطفل الأخير على الأرض الباردة جسده النحيل يرتجف، عيناه جمرتان من رعب، يتراجع كمن يرى الموت يتمثّل أمامه في هيئة شبحٍ بلا روح وذاك الشبح لم يكن سوى إيثان.

خطى إيثان ببطء كأن قدميه تسيران بثقل التاريخ الذي حُفِرَ في جسده كأنه لا يرى أمامه طفلًا بل يرى ظلال أيامه، ترى نفسه القديمة،تصرخ أن لا يعود لما كان، لكن لم يبقَ فيه ما يصغي.

وفجأة-

انفتح بابٌ ضيق في الجدار الملطخ بالدماء، هرب الطفل كمن وجد بابًا للسماء، أما إيثان وقف ساكنًا عينيه نصف مغمضتين كأنه يشعر بالضجر باللاجدوى كأن فريسته لا تستحق عناء الصيد لكن ...

الوحدة S - 001X أتمم المهمة اتبع الهدف وأنهِه.

رنّ صوت النظام من مكبّر الصوت كصفعة على الروح، ليتنهد إيثان ويمضي خلف الطفل كأنه لا يتبع شخصًا بل يطارد بقايا نفسه التي حاول أن يهرب منها.

الممر طويل كئيب مشبّع برائحة الحديد واللحم والدم، كل خطوة من الصغير طبعت على الأرض أثرًا أحمر، أحذية إيثان لا تُسرِع فهو يعلم أنه لا مفر.

الطفل يلهث يركض كما تركض الحياة من جسد مُحتضر،

لكنه يصل إلى نهاية المسار ،جدارٌ صلب لا باب فيه.

يسقط على ركبتيه دموعه تنزل بلا خجل صوته يصرخ، يتوسّل، كمن يناجي الله في أرضٍ بلا سماء.

طفل :أرجوك... أريد فقط أن أعيش...

لم أُخطئ، لم أفعل شيئًا... أريد أن أنجو... أرجوك!

توقف إيثان أمامه نظراته لم تكن قاسية بل فارغة، حدّق في الطفل ورأى وجهه هو، في سنوات مضت، نفس الذعر ، نفس الاستغاثة ،نفس الأمل اليائس في عيون ميتة.

"اقتله."

صوت داخلي لم يكن من النظام كان من داخله من تلك البقايا المكسورة التي اعتادت الصراخ، ثم سكتت إلى الأبد، عينيه صارت جليدًا لا رجاء فيه ولا رجفة، تقدّم بخطوةثم بصوت أشبه بالهمس.

إيثان: الحياة... ليست لنا.

ورفع سكينه نحر عنقه بخفة الجزار الذي لا ينظر في عين الذبيحة، الطفل سقط أرضًا وابتلع الأرض صوته، وقف إيثان لحظة لم يشعر بشيء لم يشعر بالذنب، لكنه أيضًا لم يشعر بالقوة فقط فراغ.

ثم التفت وغاد .خلفه جثة وأمامه صمت، وفي داخله شيء آخر مات...

اقتاده الرجل دون أن ينبس بكلمةوإيثان لم يسأل، لم يكن بحاجة لكلمات كان يعرف أن كلّ شيء سيتغير الآن بطريقةٍ ما.

نُقل إلى غرفة مجهزة بعناية الحمام دافئ الماء برائحة زهرٍ خفيف، وكأنهم يغسلون عن جلده كل رائحة دم وبارود جسد نحيل منهك، محاط بأيدٍ ترتجف وهي تلمسه، لا من الخوف عليه بل من رهبة ما يُمثّله.

قميص أبيض ناصع، يُغلّف صدره كأنما خيطوه من نقاءٍ لا يليق به،وبنطال أسود بخطوط مربوطة على الكتفين، أنيقٌ أكثر مما ارتداه في حياته هنا.

لم يكن مظهره إنسانيًا بقدر ما كان طيفًا ملكيًا خرج من تحت ركام الحرب،فحتى خصلات شعره التي انسدلت على عينه، لم تجرؤ الأيادي على قصها.

كل من حوله يتعاملون معه كما لو كان أثرًا مقدسًا، أو زجاجًا بقيمة الممالك، قابلاً للانكسار من نظرة خاطئة.

خرج من تلك الغرفة يتبعه الرجل ذاته وسلكا ممرًا مختلفًا تمامًا لم يكن من عالم المختبر، بل من عالم آخر تمامًا.

الضوء هنا لم يكن مريضًا باهتًا كذاك الذي اعتاده، بل دافئًا يُلقي بظلال ناعمة على جدران مزخرفة باللون القرمزيّ، تتخلله نقوش ذهبية بلمعة أشبه بالدماء المصلوبة على المجد.

على الجدران لوحات لرجال ونساء لا أحد يعرفهم، لكن نظراتهم تخترق، تراقب، تشهد وبين كل لوحة وتمثال، كان إيثان يسمع صدى خطواته وكأنها تدق على قلوب الذين سبقوه إلى هذا المكان ولم يخرجوا.

وفي نهاية الممر باب ضخم أشبه بأبواب القصور في روايات الأساطير، منحوت بتفاصيل دقيقة، وعليه رسم لكائنٍ مشوّهٍ بأجنحة سوداء، يحمل ميزانًا بأحد كفّيه، وسيفًا من نارٍ بالكف الآخر.

توقف الرجل أمام الباب، لم يتكلم أما إيثان فحدّق به مطولًا، ثم تنفّس ببطء كأنما كان على وشك عبور عتبةٍ، لن يعود منها كما دخل أبدًا.

فُتح الباب ببطء

وصوت المفاصل المعدنية كانت كأنها تئنّ، كأنها تعرف أن القادم يحمل في داخله لعنة لا شفاء منها، ليفتح الباب ويُكشَف الستار عن المشهد الذي لم يتوقعه حتى في أكثر كوابيسه تطرفًا، رجل جالسٌ كأنه كان ينتظر منذ قرون، وجهه لا يحمل الزمن بل يصنعه.

يرتدي بدلة سوداء تُخيط بالأناقة كما تُخيط الشباك للفرائس، شعره الأسود ممسوح للخلف كأن كل خصلة فيه تعرف مكانها، وعيناه... آه عيناه، كأنهما عيون الصقور المذهبة، تشقّك من الداخل دون أن تمسك بك.

جلس على كرسي خشبي محفور بزخارف بسيطة ولكنها تصرخ فخامةً مخفية، أمامه طاولة طعام طويلة كأنها عشاء الملوك الأخير تكسوها ملاءة حمراء، حمراء لا كالحب بل كـ التحذير.

شمعدانان مضاءان أحدهما عنده، والآخر عند الطرف البعيد، كأنها رمزية ضوءان فقط في هذا العالم، أحدهما لك والآخر له والباقي ظلام.

سحب أحد الحاضرين الكرسي لإيثان باحترام غريب، كأنهم يدعون ذئبًا للجلوس بين الحملان أو ربما العكس.

جلس وصمت.

إنه يعرف أن هذا الرجل ليس من أولئك الذين يُقاطعون، بل من أولئك الذين يُراقَبون بصمت حتى يفضحوا أنفسهم.

قال الرجل، بابتسامة ممتدة لا تصل لعينيه:

؟؟؟: أهلاً بك

ما أروع رؤيتك يا تجربتي العزيزة

اهتز في قلب إيثان شيء قديم لكنه بقيَ ثابت النظرة، رأى فيه كل ما تعلّم أن يكرهه وتعلم أن يخفيه، الرجل، بابتسامةٍ أكثر دفئًا مما يجب.

: حسنًا، في بادئ الأمر دعني أُقدّم نفسي كما ينبغي

اسمي هو إزيل أديلان

!!؟

كأنما تجمّدت الشمعة فجأة اختنق اللهب للحظة وتغيّر كل شيء في داخل إيثان، إزيل أديلان الاسم الذي كان يُهمس في ظلام الليالي، الاسم الذي نُقشت حروفه على مذبحة عائلته، على صرخات والدته وعلى اختفاء شقيقته وعلى كل لحظة تحوّل فيها من إنسانٍ إلى ظل.

.

.

.

.

.

يتبع

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

هذا ليس بشريًا (Error 404)

المؤلف Mizumiꨄ
2025/06/13 مستمرة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة