قاضي الهاوية

قاضي الهاوية

113 0

"مرحبا يا أمي"

لم تجبه، بل اكتفت بأن أعطته نظرة من فوق كتفها كعادتها، ثم عادت إلى وضعيتها، داعية على فراشها، متضرعة، أخبره الأطباء أن ذلك مرض موتها، وهي لا تمنح جسدها حتى فرصة لأن يتعافى؛ فلقد ارتدت ثياب الحزن والندم.

ليس لأجلها، ليس لأجل حياة لم تعشها، بل لأجل ابنها، والحياة التي كان بوسعها أن تمنحه لها.

وبسبب ذلك؛ أمضت منذ أن فُقِد ما تبقى من أيامها في تلك الغرفة الموحشة، التي كانت غرفة ابنها، ممسكة بقفازين من الصوف تستنشقهما بعمق

"لقد ارتكبت خطأ، فليغفر الإله لي، سامحني، سامحني يا بني"

في كل مرة -ومنذ سنة الماضية- ظلت تردد تلك الكلمات كلما رأته "يوما ما، سنجد إياد يا أزاد"

وكان دائما يجيبها " كيف يا أمي؟ لقد قرر تركنا، أنتِ من بين الجميع كان يجب أن تتوقعي ذلك"

وكانت دائما ترد عليه بحدة "إنه ابن بار، لن يترك أمه العجوز في فراش الموت"

ثم تمسكت بآخر شيء تركه لها إياد قبل أن يرحل، قفازات حمراء من الصوف، أهداها إياها بعد أن لاحظ برودة أطراف أصابعها.

وكل ما تتذكره وتندم عليه هي إجابتها الجافة "لم أطلب منك"

ثم بعد ذلك تجهش بالبكاء، وشهقاتها تتردد صداها في أنحاء الغرفة حتى تفقد وعيها، سيناريو حفظه أزاد.

لكن هذه المرة لم تجهش بالبكاء، بل قالت له وهي لا تنظر إليه "لقد عينت محققا ليجد إياد"

.

.

استيقظ أزاد ليجد نفسه في ظلمة باردة، ظلمة لا يستطيع حتى أن يرى فيها يديه، فما بالك بطريق يهتدي إليه؟

استلقى لفترة هكذا، كانت معدته قد بدأت بانقباضات القلق، أزاد المعروف بقوة القلب، بأنه قادر على تنفيذ أي مهمة بدم بارد، المغتال الأعلى طلبا في الجنوب المظلم، متوتر من ما ينتظره. متوتر من مواجهة شبح، شبح أغاضه كثيرا "من المستحيل أن يكون حيا" طمأن نفسه "ربما أحد من أولئك؟"

" وهذا الظلام، لن يدوم طويلا، إنهم يريدون التلاعب بي"

وقد كان محقا، لكن مصدر الضوء كان مخلوقا، بل أشبه بطيف، شبح، لم يكن يسير على أرجله، بل كان يطفو، مشعا بلون أخضر باهت.

أزاد لا يؤمن بالأشباح، من المعروف أنها مخلوقات لا وجود لها، وخصوصا المبدأ الذي يقول أن الروح تبقى على الأرض لتنهي أعمالها الغير مكتملة.

إذا حانت ساعتك، سترحل عن هذا العالم، سواء كنت مستعدا أم لا، وأولئك الذين استعدوا للموت طيلة التاريخ معدودون، وفي هذا الزمن؟ إنهم معدومون.

ذلك يعني أن الجميع سيجوب الأرض؛ ولذلك الأشباح موضوع لا يصدقه ولا يؤمن به أزاد، ولم يرعبه ظهور الرجل.

من ملامح وجهه استنتج أنه رجل في الأربعين -لو حوسب بعمر البشر- وبالتأكيد ليس بشريا، ليس بتلك الهيئة الخضراء المشعة، لم يكن ضوءا قويا، لكنه على الأقل جعله يعرف أن هناك مدخل خلف الشبح.

اعتدل أزاد جالسا بسرعة بينما الشبح ينظر له بعينين غاضبتين "أيها المقذوف، لن نسألك مالذي فعلته؟ بل هل أنت نادم على مافعلته؟"

ابتسم له بتحد "كل ما فعلته في حياتي لسبب"

ثم وقف، مخرجا خنجرا نحاسيا ذو نقوش مشهرا له ناحية الشبح الذي ابتسم واضعا يديه خلف ظهره "الغرور والحسد في جسد واحد، كيف تتحمل ذلك أيها البشري؟"

شخر ساخرا "قالها فاشل ذات مرة"

تراجع الشبح إلى الخلف بينما عيناه كانتا مصوبتين على أزاد حتى اختفى عبر المدخل. لم يضيع أزاد وقتا، قام باللحاق به، باللحاق بمصدر الضوء الوحيد الذي يملكه، ورغم أنه يعلم يقينا أن ذلك ما يريده الشبح، ولعله يقاد إلى فخ، لكنه يظل أفضل من الظلام الفارغ.

لا يعلم أين، لكنه ظل يتبعه، يتذكر بضعة ممرات قبل أن يجد نفسه أخيرا إلى مكان مضاء.

كان يقف على ما التقطه مدخل إلى حلبة محاطة بالظلام، كانت الحلبة مضاءة بضوء لم يستطع تبين مصدره، كانت هناك عدة طرق تؤدي إلى مداخل أخرى ومعظمها تقود إلى الحلبة، إلا طريق واحد كان يؤدي إلى كرسي كان يقسم المدرجات التي كان يقع في منتصفها. كان الكرسي مختلف التصميم عن المدرجات فلقد كان مصنوعا من خشب بني داكن، وأمامه طاولة خشبية من نفس نوع الخشب البني غير أنها كانت تختلف في لمعتها.

أما الحلبة فقد كانت أرضيتها من أحجار مصفوفة رمادية اللون، تتخللها بعض الطحالب، وكان الضوء مركزا عليها أكثر من بقية الأماكن.

وقف الشبح في منتصف الحلبة، محدقا، توقف أزاد حين دخل الحلبة معطيا نظرة سريعة للمكان حوله قبل أن يصوب نظره إلى الشبح

"لم أقابلك في حياتي، كنت لأتذكر شبحا مشعا، فلماذا ستقاتلني؟ أوصل الحقد للبعض لأشخاص لم يقابلوهم؟"

هز رأسه "أيها الغر، لست خصمك"

ثم سار حتى وصل إلى الكرسي وجلس فيه، واضعا كلتا يديه على المقبضين "أنا قاضي الهاوية" رفع يده مشيرا إلى الجهة المقابلة من أزاد "وخصمك ينتظر هناك"

وفي أحد المداخل التي أشار لها القاضي خرج آخر من توقع أن يخرج، شخص ظن أنه لن يقابله في هذه الحياة أبدا، ذلك الشخص الوحيد في العالم الذي يمتلك نفس وجهه

هز رأسه في إنكار، وقد جحظت عيناه في ذهول أقرب إلى صدمة "من المستحيل أن تكون حيا"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

صراع الهاوية

المؤلف A.Th
2025/07/09 مستمرة
قائمة الفصول (28)
الفصل 0: ملاحظة
2025/07/11
الفصل 8: "مالذي فعلتِه لتستحقي التواجد هنا؟"
2025/07/19
الفصل 7: حقد الملك
2025/07/18
الفصل 6: "ليبدأ الصراع"
2025/07/16
الفصل 5: "تسعة مداخل.... نهاية واحدة"
2025/07/15
الفصل 4: الظل
2025/07/15
الفصل 3: ظلال حمراء العينين
2025/07/13
الفصل 2: أربعة نصوص من أربعة قرون مختلفة
2025/07/12
الفصل 1: الناجي الوحيد
2025/07/11
الفصل 9: أرهسين الأخرى
2025/07/22
الفصل 10: قاضي الهاوية
2025/07/25
الفصل 11: 'الذين تُرِكُوا لِيُنْسَوا'
2025/07/29
الفصل 12: صراع الأخوين
2025/08/01
الفصل 13: المحقق هولت
2025/08/18
الفصل 14: "لقد صنعت وحشا"
2025/08/28
الفصل 15: حديقة العجائب
2025/09/06
الفصل 16: "...، قادم لأحكيه لك"
2025/09/14
الفصل 17: مبارك
2025/09/30
الفصل 18: "حكاية طويلة عجيبة"
2025/10/15
الفصل 19: حارس الهاوية
2025/10/23
الفصل 20: حيث اجتمعت قمامة العالم
2025/11/05
الفصل 21: ألفية عدوها قرن
2025/11/19
الفصل 22: "أحل لغزه؟"
2025/11/20
الفصل 23: حين تزوج رجل قوي بامرأة قوية
2025/11/22
الفصل 24: الشيطان والمحارب القديم
2025/11/22
الفصل 25: شيرانيميا
2025/11/25
الفصل 26: خاتمته
2025/12/24
الفصل 27: بطل الحرب الوحيد
2026/04/27

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة