كان في الرابعة عشر حين بدأ شغفه بالتحقيق، لقد بدأ حبه لفك الألغاز والغموض حين أعادت جدته له حكاية الهاوية للمرة اﻷخيرة حين طلب منها وهي على فراش الموت أن تروي له حكاية، لم يكن مهما في ذلك الوقت أي حكاية، المهم أنها هي من سيرويها.
يذكر جيدا تلك الليلة، تلك الليلة التي لم تشرق شمسها على جدته، يذكر جلوسها بجانبه، في ظل ذلك الضوء الخافت حين انقطعت الكهرباء كالعادة في قريتهم، يذكر تلك الخاتمة التي فتحت عقله
"وفي اﻷخير مات الناجي الوحيد، اختفى الذي غرقوا فيها ولم يعودوا يوما، أصبح الخلق يرمي أحقاده هناك، وفي اﻷخير فقد الخلق اهتمامهم بحقيقة الهاوية، ولم يعد أحد يهتم أو يطرح: ما سر الهاوية؟"
"ما سر الهاوية؟" كررها، وعقله أخيرا استوعب السؤال، لم تكن هذه المرة عادية، قلبه شعر بجرعة من الحماس والفضول تتدفق إليه، لقد وعد نفسه، وأخبر جدته أنه سيبحث عن سر الهاوية، وحين يقابلها في البرزخ سيخبرها، بسر الهاوية.
سافر في بقاع العالم، يجمع كل نسخة يجدها، يسمع العديد من الروايات من ألف لسان، كان يمول نفسه بعمل تحقيقات جانبية، وكلما حل قضية، ذهب شعوره باليأس والفشل من عدم وصوله إلى أي نتيجة في تحقيق قضيته، وحل محله شعور بالانتعاش لحله قضايا أخرى.
ذلك الشعور قاده إلى التورط في قضايا خطيرة، قضايا كاد أحدها أن يودي بحياته، حينها أقسم أنه لن يتدخل في أمر خطير، بعد أن صارع الموت ورأى دموع أخته وطلبها المستمر له بأن يعدها بأن لا يتورط بأي أمر خطير.
وصل إلى نهاية مسدودة، بدأ بفتح وكالة تحقيق، ولم ينس في البدء قضيته الأولى، لكنها -ومع مرور الوقت- لم تعد تشغل ذلك الحيز الكبير، حتى بدأت تندثر شيئا فشيئا من حياته.
تسابقت ذكريات حياته لتظهر اﻵن، تذكره بالوعد الذي قطعه لنفسه ونساه: سيحكي لجدته سر الهاوية.
ألقى نظرة حوله، سيموت وكل ما يراه هي بحيرة مضيئة، حتى سمع صوتا أخرجه من رثاءه لنفسه
"انظر إليك، لقد قذفت بقوة لدرجة أنك لم تسقط في البحيرة. الشاب المسكين"
نظر إلى صاحبة الصوت المتحشرج الهادئ وأنفاسه متسارعة شاعرا بالهواء يمزقه، بينما كل فقرة في ظهره قد التحمت مع أضلاعه اﻷمامية، عموده الفقري قد تفتت، يستطيع تأكيد ذلك وهو يقاوم شعور النوم
"أيها الشباب هلا ساعدتموني في حمله، كونوا حذرين، لقد سقط بشكل فظيع"
اقترب منه ثلاثة أشخاص لم يلفت أحدهم انتباهه وصرفه عن ألمه قليلا سوى واحد منهم، رفع بصره ناظرا إليه قائلا ببحة مقطوعة "أن..أنت..أنت على قيد الحياة؟ ل..ل..لقد...لقد كانت أم..أم..أمك تبحث..ثث عنك"
أتى شخص رابع، رجل يرتدي عباءة بيضاء تغطي نصف وجهه، ووقف عند رأسه موجها كلامه لإياد "لقد قذفه أخوك و.."
قاطعته المرأة العجوز "هذه محادثة ستجرى فيما بعد، لنعالجه أولا" التفتت إلى الشبان الثلاثة "احملوه للمشفى"
لم يستطع أن يقول شيئا، تركهم يقتادونه، إلى المكان الذي أشاروا إليه بالمشفى، فكر لثانية. "أ..أ..أن..ن..أنا فففي الهاوية؟"
"نعم أنت كذلك" أجابه إياد.
لم يكن يعلم أنه كان يفكر بصوت عال، لكن مجددا لقد سقط -ولسوء حظه- على مجموعة صخور مفتتة متفاوتة الأحجام من على ارتفاع الإله وحده يعلم كم، من سيلومه على ذلك "هل أنا أموت أم أنها قالت أن هناك مشفى؟" خرجت منه تلك الكلمات بسرعة، كانت تلك جرعة التفاجؤ، لم يصدق بعد أنه سمع مشفى.
"لا تقلق، ستنجو" قالها إياد بنبرة هادئة محاولا طمأنته.
تبسم في رضوخ، مستجمعا ما تبقى له من طاقة هذه المرة ليقول له "أستطيع الشعور أنني لن أفعل، لكنني أريد إخبارك أنها كانت نادمة، في اﻷخير لقد أدركت الحقيقة."
وقبل أن تستسلم عيناه سحره منظر، ليس ظلاما، بل جمال، جمال أنساه آلامه، لقد بدأ يقاوم رغبة النوم حتى يستمر في النظر، لم تصدق عيناه لكن اﻵن كل شيء يبدو منطقيا، كل تلك الحكايات والروايات الغامضة، لماذا لم يستطع الناجي الوحيد النطق بعدها، الآن فهم الحكاية، ولأنه يرى؛ عرف، الآن كل شيء معروض أمامه، الآن اجتمعت القطع معا.
في آخر فصل من حياته، لقد حل لغزه، قضيته، وآخر ما قاله وعيناه مفتونتان بالمنظر وقد برزت أسنانه الأمامية في ابتسامة كان
"الآن عرفت السر يا جدتي، قادم لأحكيه لك" وسَكَن، مستسلما إلى النوم اﻷبدي.
وقفوا، تحسس أحدهم نبضه، وقال بنبرة منخفضة
"لقد رحل"
A.Th