المعظم يشعرون أن هناك من يراقبهم، يتربصون بهم في كل دائرة من دوائر حياتهم، وأرهسين بدأت تشعر بذلك مؤخرا.
بدأ الأمر في عزاء أمها، كان هناك قلة قليلة من الزوار جميعهم إما من الجيران أو صديقات عملها أو أصدقاء أخيها وزوجاتهم، وكانوا بعدد أصابع اليد.
لم يكن هناك أقارب، منذ ما تتذكر وهي تسمع أمها تقول أنهم بلا أقارب، أنهم من نسل رجل وامرأة مقطوعين من شجرة.
الجميع معارف، إلا تلك المرأة التي ظهرت فجأة في العزاء، كانت لافتة للأنظار؛ بفرحتها وضحكتها الرنانة التي صدحت أرجاء المكان.
"يا للوقاحة!"
تمتمت بينها وبين نفسها، نطقت المرأة التي بدت في منتصف العمر قائلة بنبرة مبتهجة "أين أهل الجيفة؟"
تجمد الجميع في مكانه، والأدهى هي أيضا لم تعرف كيف تتصرف، ليس كل يوم ترى شخصا يتشمت وينعت أمك بجيفة في عزائها!
أمك التي اجتنبت الحياة ولم تتزوج لأجل أن تقوم بتربية طفليها، أمك التي كانت تعمل ليلا في الخياطة ونهارا في التنظيف وراء عائلات ثرية لتتخرج ابنتها كممرضة وابنها كفني حاسبات، تلك المرأة التي كانت عاطفيا وماديا متوفرة لكلا طفليها، كيف تجرؤ هذه الوضيعة؟
وقبل أن تصرخ في وجهها، أن تتهجم عليها، أن تضربها، نطقت المرأة قائلة "أتمنى أن تكوني التالية. لقد عشتِ طويلا بما يكفي"
كانت على وشك الهجوم عليها قبل أن تمسكها الحاضرات ويقمن بطرد المرأة، قالت احدى النسوة محاولة تهدئتها "آخر ما تحتاجينه هي أشخاص مثلها يتغذون على أحزان الآخرين، من الواضح أنها ليست بقواها العقلية"
ردت عليها أخرى "أنت محقة، من يأتي للعزاء بغلِّ كهذا؟"
كانت في حيرة من أمرها، جلست على الكرسي وهي تتمتم قائلة "أنا..أنا لا أفهم مالذي فعلته أمي لها؟ لم تؤذ أمي أحدا في حياتها"
ربتت احداهن على كتفها برفق في حين جلست بجانبها "يحقد الأشخاص بلا سبب يا عزيزتي، انسي أمرها، لا خير يأتي من محاولة فهم أشخاص مثلها"
في ليلة ذلك اليوم، استيقظت أرهسين منزعجة على وقع ارتطام النوافذ الخشبية الخارجية بقوة، كان طرقا عنيفا لدرجة أنه أيقظها، وهي من الأشخاص ذوي النوم الثقيل "أنواجه إعصارا؟ لم الريح بهذه الشدة؟" قالتها بصوت ناعس وهي تلتفت، ثم توقفت في مكانها، الدم تجمد في عروقها، واستقر جسدها ثابتا على تلك الوضعية، لم يلتفت جسدها بالكامل، لم تكن قد جلست أيضا، ولم تستلق، في المنتصف عالقة، من هول ما رأت.
لم تكن الريح، لم تكن الريح من كانت تضرب بذلك العنف المهيب، ياليتها كانت الريح، لا، الموضوع أسوأ من ذلك.
كان ظلا أسود لمخلوق مكسو بالسواد، مخلوق ذو أعين حمراء، وتستطيع القول بكل ثقة أنها أعين حانقة تريد افتراسها.
اختفى المخلوق بسرعة بعد أن لمحته، وكأنه أراد فقط أن يريها بأنه هناك، بأنه موجود، ثم اختفى.
لم تنم بعدها، وواصلت هكذا حتى أشرقت الشمس، وذهبت إلى عملها والتعب باد في ملامحها. رأتها صديقتها فسألتها بتفهم وبنبرة تعاطف وهي تقدم كوب القهوة لها "هل أنت متأكدة بأنك تريدين المجيء اليوم؟ لقد أخبرتك أنني سآخذ نوبتك"
ابتسمت لها بإرهاق "صدقيني، المنزل آخر مكان أرغب التواجد فيه الآن"
ظنت صديقتها أنها تقصد بسبب أن كل ركن من أركان المنزل يحمل ذكرى والدتها، لكن لم يكن ذلك السبب، السبب الحقيقي كان بأنها تشعر بأن في كل ركن من أركان ذلك المنزل من يراقب ويتربص.
فبعد حادثة النافذة نزلت مسرعة إلى المطبخ وصبت لنفسها كأسا من الماء، شربته دفعة واحدة ووضعته على الطاولة زافرة براحة.
لكن تلك الراحة لم تدم طويلا، إذ أحست بحركة بين الشجيرات خلف نافذة المطبخ، لم ترد النظر، لم ترد ذلك فعلا، لكن الحركة صارت أقوى، وكأنها تقول "انظري إلى هذا الإتجاه"
وكل حركة تصبح ..أوضح..
انظري!
انظري!
ثم دق قوي على النافذة
لا تنظري!
لا تفعلي ذلك يا أرهسين!
ثم دقة أقوى من الأولى
انظري ليتوقف يا أرهسين
فنظرت
لترى نفس العينين الحمراوين التي اختفت أسرع من الأولى حين نظرت.
لذلك آخر مكان ترغب التواجد فيه هو المنزل، حيث هناك من يتربص بها، لا تعرف ما هي هوية ذلك الشيء، لكن يبدو وكأن أخيها لم ير أو يسمع شيئا وهو يصف في الصباح الباكر هدوء وسلام الليلة الماضية!
******
أقلق الأمر زملائها في العمل، أرهسين لم تعد للمنزل طيلة ثلاثة أيام، وصفه البعض كطريقة لتجنب الحزن، حيث أغرقت نفسها في العمل ولم تنم إلا لساعات قليلة وكل ما كانت تقوله هو "إنني محاطة بالناس"
كانت تعاني، تعاني بسبب ما يطاردها، فحين قررت العودة إلى المنزل يوم تلك الليلة وجدت أمام المشفى في الطريق لسيارتها تلك المرأة تقف في الشارع المقابل وتحدق بنظرة مريبة إليها، نظرة شخص يود قتلها بلا أدنى تفكير، ولقد بدأ جنون الظلال بعد زيارتها، وبطريقة ما، ربطت أرهسين المرأة والوحش معا؛ فعادت بسرعة إلى المشفى ولم تغادره منذ ذلك الحين.
نظرت إلى ساعتها، حانت ساعة نومها، كل اثني عشرة ساعة تأخذ ثلاث ساعات من النوم ثم بعدها تزاول عملها، دخلت إلى غرفة نوم الممرضات، لم يرحها كونها الوحيدة التي تأخذ استراحة، لكنها قالت في قرارة نفسها "كيف سيأخذونها في طابق مليء بالأشخاص؟"
كانت مخطئة
لقد كانوا في انتظارها، خلف الخزائن، وقبل غرف النوم، أحاطوها جميعا في حين وقفت المرأة في المنتصف وهي تبتسم "من الغباء الإختباء هنا، إنه مكان عام"
وقبل أن تصرخ رشها أحد الظلال -كما أسمتهم بسبب ملابسهم التي تشبه الظلال ولا يرى منها شيء- بشيء مجهول بالنسبة لها، ذو لون بنفسجي جعلها تخر في مكانها قبل حتى أن تستوعب شيئا آخر.
*****
استيقظت لتجد نفسها أمام حفرة عملاقة مظلمة والمرأة أمامها، الظلال تمسك بها بقوة، بهلع صرخت أرهسين قائلة
"لم تفعلين ذلك؟"
التفتت لها المرأة وحاجبها مرفوع وكأنها متعجبة من السؤال "لم أفعل ذلك؟ كله بسببك. الآن ستذهبين وتعتذرين إليه"
"أعتذر لمن؟"
حدقت إليها المرأة لنصف دقيقة بحنق وغضب ثم ابتسمت بمرارة "أنتِ الأسوأ، لا أعرف حتى ما الذي رآه فيكِ؟"
ثم التفتت إلى الظلال السوداء آمرة
"اقذفوها في الهاوية"
A.Th