"لقد صنعت وحشا"

"لقد صنعت وحشا"

82 0

عم صمت بارد في المكتب، صمت حدث على إثره تبادل نظرات، لو كان للنظرات قوة لكان هولت مقطعا إلى شرائح لحم مكعبة الشكل.

نيته في القتل واضحة، فكه مشدود، عيناه مركزتان عليه.

كسر هولت النظر لثانية ناظرا إلى جيب الآخر، بالتأكيد يوجد سلاح هناك" قالها محدثا نفسه.

حدثته نفسه مجددا "إنه بارع، لا تفكر في ذلك حتى" تبسم هولت عائدا بنظره إلى عيني أزاد، رافعا حاجبه "أخبرني كيف أخفيته بلا أثر؟"

ازدادت نظراته أكثر حدة وأظلمت عيناه اللتان كانتا بلا لمعان في المقام الأول

" أستطيع القول بثقة أنك تفكر بنفس الشيء الآن. أتفكر؟ بأن تخفيني عن الوجود؟"

ضحك أزاد بخفة وعيناه تتفحصان نبض عروق رقبة الآخر "نقطة ضعف نوعك شريان واحد، أنتم ضعفاء لدرجة أن كل ما أحتاجه هي إبرة في المكان الصحيح"

"أنت دفاعي للغاية لمجرد سؤال بسيط"

رد عليه بحدة "وأنت شخص يريد الموت ولكنه لا يعرف كيف"

"أتريد أن تخفيني كما فعلت بأخيك؟"

"تريد أن ينتهي المطاف بك في الظلام؟"

ارتفع حاجباه "الهاوية؟ أقذفت بأخيك إلى الهاوية؟"

"أنت من يفترض ذلك، لم أقل ذلك أبدا"

"اعفني من هرائك، كل من في الجنوب يعلم، حين يهددك أحدهم بالظلام فهو يقصد الهاوية"

ابتسم أزاد "وماذا لو كان كذلك؟"

"أنت لست خائفا، أنت تعترف، أنت غير مهتم بمشاعر أمك!"

"لم تعامله يوما كابن لها، ستنساه مع مرور الوقت"

"لن تفعل ذلك، لقد أخبرتني أنه كان كقطعة ألماس مطمورة في الأرض وقد حان أوان بريقها"

وكان ذلك أول تردد لحظه هولت في أزاد، كان طفيفا، رجفة في العرق أخفاها سريعا، لكن عيني هولت لمحته "لقد بدأت تحبه، تدرك أنه ذو قيمة أكثر منك"

هذه المرة اشتد فكه، لكنه سرعان ما رجع لوضعه "أهي المكانة عند الأم؟" تساءل في سره "لا، إنه يراها أداة، هذا الرجل لا يهتم بها هكذا، هناك شيء أعمق"

"لقد طمست قضية أخيك"

"وسوف نطمسك معه إن تعمقت"

اتسعت عيناه "أنت تعمل مع حكومة الجنوب المظلمة!"

انفرجت ابتسامته في غرور "لذلك من مصلحتك أن تبتعد"

"هل علم أخوك بالأمر لذلك تخلصت منه؟"

قهقه في سخرية "وكأن معرفته للأمر مهمة، ذلك النكرة"

إنه يقول الحقيقة "فكر هولت، إن كان معرفة أخيه للأمر لا تهم، فلماذا تخلص منه، ثم فكر، لقد ناداه بالنكرة، إنه لا يعترف به كشخص مطلقا"

فكر هولت مجددا "مالذي جعله يقذف بأخيه الذي يعتبره نكرة إلى الهاوية؟ مالذي جعله يغضب من أخيه؟"

توقف عقله عن التفكير مكررا جملة واحدة "يعتبره نكرة، يعتبره نكرة.."

ثم تذكر سطورا لم يلقي بها بالا حين قرأها عن الضحية

"كان إياد يزور طبيبا نفسيا. تقدم إياد لخطبة فتاة. تقدم إياد لجامعة بعد سنين من إنقطاع الدراسة. أصبحت الحياة تبتسم في وجهه قبل أن يختفي."

بدا الأمر جنونيا حين فكر فيه لكن هل يعقل ..؟

سأله

"هل أنت غاضب لأنه بدأ يكون حياته بعيدا عنك؟ لأنه أصبح يدرك أن ولادته متأخرا ليس خطأه؟ أنه إنسان حر مستقل وليس تابعا لك؟"

أمال برأسه في حين وضع راحة يده على حافة الكرسي الذي أمامه متكئا عليه مجيبا وكأنه أمر بديهي

"لقد تمرد، وذلك جزاؤه"

اقتضب حاجباه، أصبحت أنفاسه متسارعة، عيناه احمرتا، ونبرة صوته علت "أقذفته في الهاوية لأنه أراد أن يكون نفسه؟ أحقا أيها الأناني التافه، عديم الخُلق قذفت بأخيك لهذا السبب؟ أنت مريض لا يجب أن يمشي بين الأحياء ولا أن يدفن مع الأموات، بل إن تم رميك في البحر للفظك البحر من شدة تقرفه منك."

هو الذي كان دائما يحافظ على أعصابه أصبح عاجزا عن كبحها أمام كتلة المرض تلك، هو الذي كان دائما ما يحافظ على غضبه أصبح غاضبا وحانقا لما حدث للضحية، لم يعرفه، لم يره يوما، لكنه كان غاضبا من أجله، من هو ليحرمه حقه في البدء مجددا، في الطيران بعيدا عن ذلك المستنقع المسموم المسمى بعائلته؟

نبرة صوته العالية جذبت المرأتين اللتان اقتحمتا المكتب، واقفتين بين الرجلين محاولتين فهم مالذي يجري بعد أن طرحتا سؤالا ولم يجبهما أحد من ذلكما الإثنان اللذان اعتنقا الصمت مجددا.

"أنت حانق لشخص مثله، لنكرة، ربما أنت مثله"

فقد صوته مجددا وهو يصيح "أي مخلوق طبيعي لكان، أنت أسوأهم، لا ألومك وحدك" ثم توجه بالحديث إليها قائلا

"آسف لأنكِ ستسمعينها بتلك الطريقة، لكنكِ صنعتِ وحشا، لقد صنعتِ وحشا، وحشا لن يرحمكِ حتى نفسك"

ثم عاد مخاطبا له مشيرا بسبابته نحوه "لكنك بالغ لتدرك الصواب والخطأ، ولقد اخترت أن تكون مريضا معتلا نفسيا"

وصمت، أنفاسه القصيرة السريعة مسموعة، وعيناه تحدقان في عيني الآخر اللتان تحولتا إلى فارغة أكثر ولا مبالية. أحس هولت بتغير حركة من أمامه، سريعا كان، وخنجر لم يدر متى أخرجه كان في يده، وجسده أصبح مندفعا ناحيته.

بالنسبة لأزاد كان هولت خطيرا، أكثر فئة يكرهها هي أولئك الذين يستطيعون قراءته ككتاب مفتوح.

لكن محاولته لقتله تمت عرقلتها حين أوقفته أمه، ووقفت كدرع بينه وبين هولت.

"هل تخلصت من أخيك؟" سألته بعد أن أمرها بأن تبتعد لكنها سألته مجددا "هل أنت السبب في اختفاء أخيك؟" كانت نبرتها هادئة صارمة وهي تحاول تثبيت نفسها.

"وإذا فعلت؟"

صرخت في يأس "فقط أجب بلا أو نعم" كانت تريد إجابة صريحة؛ ليطمئن قلبها، كانت لا تزال بين مصدق أو مكذب وتتردد كلمات هولت في ذهنها "لقد صنعتِ وحشا"

أطلق تنهيدة متذمرة "نعم" فحطم آخر آمالها بأنه لم يفعل. اغروت عيناها بالدموع وهي تضع أطراف أصابعها في فمها في عدم تصديق وقد اهتزت الكلمات التالية التي خرجت من شفاهها "لماذا؟ لقد بدأ للتو بتكوين حياته"

"أتمزحين معي أيتها العجوز التعيسة؟ أنتِ من قلتِ أنه لي، أنه وجد للدنيا ليكون تابعي، خادمي. لقد انتهى دوره فما نفعه لي"

خرت على الأرض في حين أمسكتها صديقتها "لقد ارتكبت خطأ، فليغفر الله لي. لقد صنعت وحشا، يا إلهي. لأستغغرن من ذلك الذنب ما دمت على قيد الحياة، وأرجو أن يغفر الله لي"

تجاهلها والتفت إلى هولت مشيرا بخنجره نحوه

"لن أجعل موتك سهلا أبدا"

ورحل، تاركا الغرفة بجو مليئ بالألم والندم.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

صراع الهاوية

المؤلف A.Th
2025/07/09 مستمرة
قائمة الفصول (28)
الفصل 0: ملاحظة
2025/07/11
الفصل 8: "مالذي فعلتِه لتستحقي التواجد هنا؟"
2025/07/19
الفصل 7: حقد الملك
2025/07/18
الفصل 6: "ليبدأ الصراع"
2025/07/16
الفصل 5: "تسعة مداخل.... نهاية واحدة"
2025/07/15
الفصل 4: الظل
2025/07/15
الفصل 3: ظلال حمراء العينين
2025/07/13
الفصل 2: أربعة نصوص من أربعة قرون مختلفة
2025/07/12
الفصل 1: الناجي الوحيد
2025/07/11
الفصل 9: أرهسين الأخرى
2025/07/22
الفصل 10: قاضي الهاوية
2025/07/25
الفصل 11: 'الذين تُرِكُوا لِيُنْسَوا'
2025/07/29
الفصل 12: صراع الأخوين
2025/08/01
الفصل 13: المحقق هولت
2025/08/18
الفصل 14: "لقد صنعت وحشا"
2025/08/28
الفصل 15: حديقة العجائب
2025/09/06
الفصل 16: "...، قادم لأحكيه لك"
2025/09/14
الفصل 17: مبارك
2025/09/30
الفصل 18: "حكاية طويلة عجيبة"
2025/10/15
الفصل 19: حارس الهاوية
2025/10/23
الفصل 20: حيث اجتمعت قمامة العالم
2025/11/05
الفصل 21: ألفية عدوها قرن
2025/11/19
الفصل 22: "أحل لغزه؟"
2025/11/20
الفصل 23: حين تزوج رجل قوي بامرأة قوية
2025/11/22
الفصل 24: الشيطان والمحارب القديم
2025/11/22
الفصل 25: شيرانيميا
2025/11/25
الفصل 26: خاتمته
2025/12/24
الفصل 27: بطل الحرب الوحيد
2026/04/27

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة