عبر كل تلك السنون التي كان محبوسا فيها هناك قابل العديدين، ولكل منهم ردات فعل مختلفة لكنها لم تكن تحيد عن ثلاث: الخوف، الندم، والبرود الذي يكون غالبا الاستسلام وتقبل المصير.
لكنه اكتشف صنفا رابعا، صنفا نادرا للغاية، وربما هذه هي المرة الأولى التي يراها، وربما قريبا سيطلق عليه اسما.
لقد كان ذلك الذي وضع أمامه، لم يكن يوضع في نفس الزنزانة معه إلا مجرمون أشداء ذو بطش، لكنه ليس زميل زنزانة مثلهم، إنه أسوأ، مجرم عيناه تفضحان نيته الشديدة في القتل والإجرام.
كان شابا بشريا، والبشر عادة في هذا العمر الذي يقدّر أنه فيه مِلاؤون بالحيوية والأمل والتفاؤل، إنهم يعتقدون أن المستقبل أفضل، أن العالم كله مفتوح لهم؛ لأنهم أبناء الحاضر.
لكن هو، يبدو بخباثة رجل في الستين رأى شر العالم واختار أن يكون مع طريق الشر.
لا الخوف ولا الندم ولا التقبل ما يراه، بل نية في القتل، إنه لا يتقبل أن هذه نهايته، إنه يخطط لمن ستكون ضحيته التالية، ويستطيع القول أنه سجانه الثرثار.
شر طموح، لا يظن أن أحدا يستطيع أن يحتويه، ولا الأغلال التي وضعوه فيها.
أحس سجانه الثرثار كما تحس الفريسة بوجود المفترس، لم يستطع النطق في حضوره، وغادر في صمت، ولم يبق إلا هما.
أحس بعينيه عليه، تلك العينيان السوداوان خاليتان من البريق، خاويتان، مذنبتان بالأرواح التي أزهقها بلا رحمة.
ابتسم ابتسامة جانبية وهو يحدق فيه "أيها الرجل القوي"
لم يجبه، مهما كان ما يريده منه فليس خيرا، فأعاد النداء له "أيها الرجل القوي" لان رأسه قليلا ليراه "ألا تريد الخروج من هنا؟"
"أفضل الحبس على عمل صفقة مع الشيطان"
أرجع ظهره إلى الخلف "ليست كل الصفقات مع الشياطين لها ثمن"
"من المحتال الذي أخبرك بذلك؟"
ضحك بخفة سريعة، ثم سأله "أخبرني، هل شعرت بالقلق من قبل؟ هل احتشت أمعاؤك؟"
"أليس كل مخلوق طبيعي يحدث له ذلك؟"
"أنا حدث معي مرة. ,هذه المرة كانت هنا"
ثم تبدلت نبرته إلى القتامة وتعابيره إلى الظلمة "عمل لم أنهيه وعليّ إنهاؤه"
ثم عادت تعابيره الأولية المخادعة
"أنا سأحررك"
"والمقابل الذي تريده"
لان بجذعه الأمامي قليلا بصوت أقرب إلى الهمس "هذه الصفقة مع الشيطان التي بلا مقابل، أنا الشيطان الذي سيحرر هؤلاء المساجين بلا مقابل"
"وكيف ستفعل ذلك؟"
وفي تلك اللحظة رأى يديه اللتين كانتا مكبلتين حرتين، وفي لحظة أخرى كان يقف أمامه، وقد حرر نفسه بالكامل.
"الآن دورك"
ولأول مرة منذ سبعة قرون كانت يداه حرتين، ولقد أصبحت لديه علامات بيضاوية الشكل على شكل أغلال وستبقى طالما عاش، وقف وتمدد، وكانت الندوب تغطي جسده.
"أنت محارب" قال أزاد مردفا "هذه ندوب معارك طويلة شرسة"
زفر بضحكة خفيفة ساخرا متفحصا عينيه قبل أن يقول "لا شيء يفعله الشيطان بلا مقابل، حتى هذا العمل الذي تسميه خيرا، أنت تريد خلق فوضى عن طريق تحريرنا حتى تتوه فيها، ولا تنوي خيرا فعلا"
"وهل ستحاربني أيها المحارب القديم؟" كان في نبرته تهديد مخفي مع ابتسامة جانبية.
لن يفعل، إنه ضعيف لم يقاتل منذ زمن، وحتى لو كانت لديه بعض القوة، لا يهم حجمه الصغير، من استطاع فتح تلك الأغلال بتلك السهولة ليس شخصا سهلا، سيوفر تلك القوة القليلة المتبقية لديه ليردع الحرس الذين سيقفون في طريقه.
"لدي من أبحث عنه"
وهم بالمغادرة قبل أن يقول "أتمنى أن لا نرى بعضنا البعض مجددا أيها الشيطان"
لو قابله في وضع أفضل سيحاربه بلا شك، سيقاتله ويوقفه.
ابتسم أزاد ونظرة تحد ارتسمت على وجهه كمن هو متأكد من فوزه
"وداعا أيها المحارب القديم"
A.Th