حديقة العجائب

حديقة العجائب

76 0

"لم أظن يوما أنه سيفعل ذلك بأخيه، ظننت دائما أنه سيكون استثناء"

تلك الجملة التي نطقتها أم أزاد بعد ذلك الصمت المليئ بالبكاء جعل هولت يقف من كرسيه الذي خر عليه منذ غادر أزاد.

"كنتِ تعلمين أنه مريضٌ نفسي، ومع ذلك لم تتعبي نفسكِ بذكر ذلك في الملف الذي أرسلته؟ ظننتِ دائما أنه سيتثني أخيه؟" انفعلت نبرته متابعا "أيتها المرأة أنتِ محظوظة أنه لم يقتلكِ أنتِ. من يدري، ربما تكونين التالية على قائمته في الأسباب الغير المنطقية والمريضة"

وحين لم تجبه هز رأسه في عدم تصديق باسما "اخرجي من مكتبي لو سمحتِ، لقد علمتِ الآن ما حدث لابنك، الأمر يرجع لكِ الآن كيف ستحلين الطامة التي تسببت بها"

وحين تُرِك لوحده أخيرا، أخذ نفسًا عميقًا ورمى نفسه على الكرسي المقابل لمكتبه، أراح رأسه على الحافة العليا من ظهر الكرسي، وعيناهُ تتأملان السقف المتشقق المليئ بالأشكال العشوائية.

"مالذي عليّ فعله؟ إنه معتل خارج الحدود"

لدى هولت طيلة مسيرته أعداء، أعداءٌ حرص أشد الحرص أن لا يبقوا أحرارا وسط الأبرياء، أعداء كانوا أقوياء، وخطرين.

لكن، لم يكن أي منهم بنفس مستوى جنون وخطر أزاد، الجميع لديه أسباب، أسباب بالفعل ليست مبررة لجريمتهم، لكنها ليست -ولو لثانية- بنفس الجنون، بنفس الخطر، أولا: لقد تخلص من أخيه؛ لأنه تجرأ على تكوين حياة وشخصية! وثانيا: إنه من الحكومة المظلمة.

لطالما سمع عنهم، لكنه لم يقترب منهم أبدا، كان يحصر عمله بالتحقيقات العادية، لأشخاص عاديين، ذلك ما أقسم أن يفعل، لن يقوم بالتورط بأي شيء وأي شخص خطير، ذلك ما وعد أخته به.

الآن سيفقد حياته؛ لأنه تورط مع من لا يجب عليه التورط معهم.

وفي لحظته تلك اهتزت طاولة مكتبه، اهتزاز صادر من هاتفه، لم يكن لديه رغبة في الرد على أي أحد. تجاهل الاهتزاز العنيد، المصر على الاتصال حتى بعد أن لم يلقَ ردا منه.

استمر الهاتف بالاهتزاز مجددا ومجددا، حتى اعتدل واقفا، لا أحد بهذا الإصرار بالاتصال به سوى شخص واحد.

التقط الهاتف مجيبا "مالأمر يا سام؟"

"مالذي يحدث معك؟ يبدو صوتك كمن هو يائس ينتظر حكم الإعدام"

ابتسم وبنبرة هادئة أجابه "أنا جثة مؤجلة يا سام"

تبدلت نبرة صوت سام إلى عصبية قلقة "لماذا مالذي حدث؟"

"تورطت مع حكومة الجنوب المظلمة"

"كيف ومتى؟ ألم تخبرني أنك لن تتورط مجددا مع أي شيء خطير؟"

"لقد حدث وانتهى" كانت تلك الكلمات الثلاث التي خرجت منه ذات نبرة مسالمة هادئة، مالذي بيده ليفعله، لو حاول الهرب، فكل ركن من الجنوب تحت سيطرتهم، ولن يمكنه الهروب للشمال؛ لأنهم يتحكمون في خطوط السفر والتهريب وبالتأكيد سيكون مطلوبا في المطارات والموانئ.

لقد استسلم، وبسرعة، الخوض والقلق في هذا الأمر أكثر لن يفيده بشيء.

"كيف أستطيع مساعدتك في هذا الشأن؟"

"لا شيء، كل ما أريدك أن تفعله هو تسليم المظروف لأختي، سأتركه في المكان الذي أترك الأشياء دائما لك فيه"

كان سام صامتا لفترة جعلت التوتر يعود لهولت، سمع زفيرا من الأنف قبل أن ينطق سام "حسنا"

"وسام؟"

"ماذا؟"

"لا تبحث عني"

قهقه بخفة "تعلم أنني سأفعل"

مر شهر على محادثة سام وهولت. ترك هولت مظروفا في النصب الموجود في الحديقة العامة بعد يوم من ذلك الحدث.

تركه أسفل عامود الإنارة الأسود، الذي يقع تحته نصب صخري يحكي تاريخ الحديقة العريق، حديقة تواجدت قبل تأسيس عاصمة مملكة الجنوب.

وقف يتأمل الحديقة، ما يجعلها مميزة هو أن النباتات التي تنبت في تلك الحديقة والأزهار العجيبة لا توجد في أي مكان في العالم.

لذلك تسمى الحديقة بحديقة العجائب، فحين تسير تجد على جانبك الأيمن زهورا زرقاء متفتحة في حين تجد على جانبك الأيسر زهورا سوداء لا تتفتح إلا حين تلمسها أصابعك.

سيفتقد هذه الحديقة، هذه الحديقة التي تحمل معظم ذكرياته مع أخته ومقابلاته مع سام، كانا الشخصين الوحيدين اللذان يعلمان بحبه الشديد لهذه الحديقة.

ولذلك -وعلى الرغم من أنه أرسل المظروف بعد يوم من تلقيه التهديد- إلا أنه أصبح يزور الحديقة كل يوم ويجلس على كرسي صنعته أشجار الحديقة، وهي جذوع قوية حمراء اللون.

ولأول مرة منذ شهر أحس بأقدام تهدد سكونه، قبل أن يحس بحضور خلفه.

"كيف كان الشهر الأخير من حياتك؟" جاءه الصوت ساخرا متشمتا.

التفت برأسه للخلف باسما "أخبرني أنت، ألم تكن تراقبني؟"

ابتسم أزاد ولم ينطق بشيء، أردف هولت "لن أعطيك أبدا النشوة التي تريدها"

والذي قصده بذلك كان أن السبب الحقيقي لتركه شهرا كاملا كان ليراه ينهار عقليا تدريجيا.

أن يراه كل يوم وهو يفكر إن كان هذا هو اليوم الذي سيقتله فيه، أن يجعله على حافة الجنون بجعله يفكر بأي طريقة سيفعلها.

لكن لا، حرص هولت أشد الحرص حتى في اللحظات القليلة التي فكر فيها بذلك أن لا يقوم بأي رد فعل؛ لأنه كان يعلم بأن ذلك المعتل سيستلذ بأي قدر ولو كان قدرا ضئيلا من الصراع النفسي.

"هلا نذهب إذا" قال هولت واقفا مواجها لأزاد.

"تنتظرنا السيارة هناك" أشار بيده مضيفا "أنصحك بعدم الهرب، هناك أعين في كل مكان"

كان على الأقل محقا في الطريقة التي سيقتله فيها، كانت فكرة، ظلت في بعض الأحيان تتردد كشبح يريد نسيانه، لم يشغل بها نفسه كثيرا، لم يكن يريد أن يظهر أي صراع في داخله، لم يرد التفكير بالأمر، لكنها كانت الفكرة الوحيدة التي خطرت في باله: الهاوية.

وقد كان محقا.

"حيث أنك مهتم جدا بالدفاع عن ذلك النكرة ما رأيك أن تموت نفس ميتته، مختف كأنك لم توجد أبدا"

"لا شيء عبثي في هذا الكون، يوما ما ستأخذ جزاءك"

أمسكه من ملابسه بقوة جارا له إلى الحافة وأعين أزاد على اللوحة التي كتب عليها "هنا يرمي الخلق أحقادهم"

"ربما سأغير تلك اللافتة إلى 'حيث يُرْمى الحثالة' " وقذفه.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

صراع الهاوية

المؤلف A.Th
2025/07/09 مستمرة
قائمة الفصول (28)
الفصل 0: ملاحظة
2025/07/11
الفصل 8: "مالذي فعلتِه لتستحقي التواجد هنا؟"
2025/07/19
الفصل 7: حقد الملك
2025/07/18
الفصل 6: "ليبدأ الصراع"
2025/07/16
الفصل 5: "تسعة مداخل.... نهاية واحدة"
2025/07/15
الفصل 4: الظل
2025/07/15
الفصل 3: ظلال حمراء العينين
2025/07/13
الفصل 2: أربعة نصوص من أربعة قرون مختلفة
2025/07/12
الفصل 1: الناجي الوحيد
2025/07/11
الفصل 9: أرهسين الأخرى
2025/07/22
الفصل 10: قاضي الهاوية
2025/07/25
الفصل 11: 'الذين تُرِكُوا لِيُنْسَوا'
2025/07/29
الفصل 12: صراع الأخوين
2025/08/01
الفصل 13: المحقق هولت
2025/08/18
الفصل 14: "لقد صنعت وحشا"
2025/08/28
الفصل 15: حديقة العجائب
2025/09/06
الفصل 16: "...، قادم لأحكيه لك"
2025/09/14
الفصل 17: مبارك
2025/09/30
الفصل 18: "حكاية طويلة عجيبة"
2025/10/15
الفصل 19: حارس الهاوية
2025/10/23
الفصل 20: حيث اجتمعت قمامة العالم
2025/11/05
الفصل 21: ألفية عدوها قرن
2025/11/19
الفصل 22: "أحل لغزه؟"
2025/11/20
الفصل 23: حين تزوج رجل قوي بامرأة قوية
2025/11/22
الفصل 24: الشيطان والمحارب القديم
2025/11/22
الفصل 25: شيرانيميا
2025/11/25
الفصل 26: خاتمته
2025/12/24
الفصل 27: بطل الحرب الوحيد
2026/04/27

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة