"أصعب شيء أن لا تعرف مصير عزيزك، إن كان حيا أو ميتا.
ستظل تتسائل هل...هل هو مفقود لأنه مات أم لأنه تركك؟
إن تركني فأنا أعفو عنه لم أكن يوما جيدة له كأم، وإن كان ميتا مفقودا فذلك أسوأ جسد ضائع في الأرض لا قريب يعرفه، وإن دفنه غريب فكيف سيصل إلى ذويه!
الفقدان هو الشعور الأسوأ، أن لا تعرف مصيره، أحيانا تتقبل فكرة أنه ميت، وأحيانا أخرى تأمل بأنه سيعود.
أريد خاتمة فأنا أعيش في نار ذات طرفين تحاولان تمزيقي أريد البكاء، الفرار، لكن ألم السحب من كلا الطرفين يمزقانني لدرجة أنني أعجز عن أي شعور آخر"
ربتت صديقتها على كتفها "لا تقلقي سنجده، هذا المحقق هو الأفضل، سيجده حتما"
أخذت نظرة على غرفة الاستقبال حيث جلستا على أريكة جلدية يظهر صوفها وإضاءة خافتة تظهر تشققات الجدار كلوحات فنية عشوائية متعددة فقالت وقد غلبت عليها طبيعتها المنفرة المتعالية باستغراب "ولم يصلح وكالته!"
"لا يغرك المظهر يا عزيزتي، ما يهم هو ما يفعله وما مدى جودته"
هزت رأسها كرد لكلمات صديقتها، بعدها التفتت إلى الخلف حيث ابنها أزاد يقف بجانب باب مكتب المحقق الخشبي.
كانت تلك النفخات التي يصدرها من فمه تعبر عن كم كان متأففا ساخط الوجه وهو يرد عليها "وهل كان عليك جري معك إلى جنونك؟ أنا رجل مشغول وليس لدي وقت للبحث عن شبح غادرنا"
لم ترد عليه بل اكتفت بالرجوع إلى وضعيتها الأولى باسمة في وجه صديقتها التي أعطت نظرات تحذير له لكنه لم يهتم وواصل تذمره قبل أن يفتح الباب ويظهر شاب في أوائل الثلاثين من العمر طليق الوجه ذو ابتسامة واسعة لكن ملابسه رثة للغاية.
ورغم ذلك المظهر الرث كانت عينياه الحمراوان كشعره نافذتين وحدقتين، ولم يستغرق منه الأمر سوى دقيقة، دقيقة واحدة ليعرف أن أزاد حتما يعرف شيئا.
كان قد قرأ الملف الذي أرسل له، وقد كتب أنه خاض رحلة أخيرة -كما يقول أخيه وتقول أمه الذي ربما تردد ما يقوله لها ابنها- مع أخيه، وفي ليلة دامسة اختفى إياد ولم يجده أخوه حين استيقظ في الصباح.
حكاية تبدو متكاملة، وخصوصا الماضي الذي سمعه عن العائلة.
لم يكن إياد الابن المحبوب، لقد أتى بعد أخيه التوأم، لم يكن أحد يتوقع قدومه، فلم يرغب به أحد. تلك كانت نقطة صادمة له: أن تنبذ لأنك جئت متأخرا!
وحين كبر، أخوه الأكبر من ورث قوة العائلة، فزاد التمييز أكثر.
كانوا بشرا، لكنهم من العائلات التي تمتلك قوة خارقة، فلا أحد في الجنوب عادي ولو كان بشريا.
تبدو قضية عادية يمكن للشرطة تتبعها وخصوصا مع نفوذ العائلة، لكن شيئا أقوى من نفوذ العائلة جعل الشرطة تتوقف عن التحقيق وتصنفها على أنها هروب.
وذلك ما جعل المحقق هولت يشك، لم كل هذه الضجة والتكتم لشاب عادي؟ والشيء الغير عادي أكثر هي حقيقة وظيفة أخيه.
لقد بحث عن خلفية أزاد وقد كانت تلك واحدة من أعجب الخلفيات التي رآها.
تقول المصادر أنه طبيب مرخص، حتى الجيران يقولون أن للعائلة نابغة يسافر كثيرا ليحاضر، لقد حصل على الدكتوراه في عمر صغير، لكنه تخرج من الثانوية بمعدل ضعيف ثم فجأة دكتور؟ أيا كانت المنظمة التي يعمل فيها فهي إما الأغبى أو الأكسل على الإطلاق.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا فعل ذلك؟ لماذا هو متورط في اختفاء أخيه؟ ما كان دافعه؟ ولماذا أخوه العادي؟
ولكي يحل اللغز الذي يحيره كان عليه أن ينفرد به بعيدا عن الأم ورفيقتها.
تحدث هولت بعد تحيتهم "تبدو لي قضية سهلة الفهم إن تعاون الطرف الأكثر أهمية" ووضع بصره على أزاد "أريد التحدث مع الأخ، آخر من رآه"
لم تعارض أي من المرأتين بل قامت أمه بهز رأسها موافقة "بالطبع، لهذا السبب أحضرته، سيجيب على أسئلتك"
ضيق أزاد حاجبيه في ضيق منزعجا "لا، لست راغبا بأن أجيبك"
"ذلك سيسرع الأمر أم أنك لا تريد التعاون كمن يخفي شيئا" قال جملته وهو ينظر إليه بحدة من تحت نظارته.
ابتسم الآخر كرد وقد بدا وكأنها ابتسامة تهديد ونظرة تعال مبطنة.
"من فضلك" وأشار إلى مكتبه باسما.
وحين دخل كلاهما إلى المكتب، وقف هولت بجانب كرسيه في حين كان الآخر مقابله في عداء ودفاع، وبينهما الطاولة الخشبية الباهتة، المليئة بالأوراق المبعثرة، حلت دقيقة من الصمت وتبادل النظرات قبل أن ينطق أزاد
"أنت تضيع كلا وقتينا"
لكن ابتسامة هولت وتعبيراته البشوشة اختفت وحل محلها جدية، وتحدث بصوت هادئ جاد ذي وتيرة بطيئة
"ما الذي فعلته بأخيك؟"
A.Th