"أتعلم؟ أحمد إلهي الذي لم يجعلني عاشقا ولا معشوقا، وإلا انظروا ماذا يفعل العشق بأصحابه"
قالها الرجل الذي اقترب من السجين المقيد بالأغلال، أغلال عتيقة سميكة صنعت خصيصا من أجله، بعد محاولات عديدة لكبحه، من أجل ذلك الرجل ذو البشرة البنفسجية الداكنة ذو الجثة الضخمة القابع في آخر الزنزانة.
وضع طبق طعامه على الأرض ثم دفعه حتى وصل إليه، لن يجرؤ أحد على الإقتراب منه، على الإقتراب من محارب سابق، من رجل خافه ملكه لدرجة أن ألقاه هنا.
يسميه السجانون: حقد الملك، لأن ملكا ما في حقبة ماضية أراد التخلص منه؛ لأنه خاف أن يشكل تهديدا على عرشه؛ لأنه كان بطل الحرب الذي أنهى معاناة شعب مستضعف من الحصار.
وكيف كافأه الملك؟
بأن ألقاه في الهاوية.
اتكأ بجذعه عاقدا ذراعيه على الجدار الصخري مهمهما "تعلم الحل الذي سيخرجك من هنا، لكنك عاقد العزم على مطاردة شبح خذلك قبل سبعة قرون"
وحين لم يسمع ردا أو حتى تعبيرا أو نظرة كعادته أخذ خطوتين إلى الأمام وتفحص الرجل الذي أمامه، كان شعره الأحمر الداكن قد غطى نصف وجهه في حين كان مخفضا رأسه "اليوم حدث شيء عجيب"
لا رد، أخذ نفسا عميقا ثم نطق باسما "تعرف أن السامرانية تعتبر لغة منقرضة صحيح؟"
لا رد، ويبدو أن نفحة الهواء البارد التي مرت قد زادت من برودة الجو المحيط، تابع كلامه قائلا "لم يكن يتحدثها سوى مملكتين، وكلتاهما كانتا معزولتين: سامرانيا وشيرانيميا، وقد كانت الأخيرة معلومة المكان بالنسبة لجيرانيها رغم إنعزالها، ثم قبل سبعة قرون خسفت المملكة بأكملها بعد أن نفت محاربها الجسور، وهكذا اختفت اللغة إلى الأبد -كما يقول أحد المصادر- إلا من قلة متفرقة، مات آخرهم قبل خمسة قرون"
صمت مجددا لبرهة وعينيه تترقبان ردا من الرجل الذي أعطاه أخيرا فتاتا بأن رفع رأسه وثبت عينيه السوداء عليه "لم تعيد سرد ذات الحكاية مجددا؟"
اتسعت ابتسامة السجان "لأنها حكاية شعبية مشهورة، والحكايات الشعبية لا تموت، لا أحد من الممالك المجاورة يمر من مكان الخسف ولا يستحضر حكاية المحارب هاروثين.
إنهم يتعلمون منها؛ لأنها حكاية شعبية، والحكايات الشعبية تحمل دروسا، ودرس حكايتك هو: أن للظلم عاقبة سيئة"
ضيق هاروثين عينيه، مميلا رأسه "مالذي تحاول الوصول إليه؟"
"اليوم ألقى أحدهم امرأة تفهم السامرانية" سكت عن الكلام حين رأى اتساع حدقتيه
"آسف لقولي لك هذا، لكنها ليست هي، إنها بشرية"
"وكيف تعرفها؟"
قهقه حاكا ذقنه "العجيب أنها هي حتى لا تعرف، إنها فاقدة للذاكرة، لا تعرف متى تعلمت اللغة ولكنها متأكدة من أن ذاكرتها سليمة"
ثم بدأ بعدها يتمتم بينه وبين نفسه بصوت شبه مسموع "من كان الشخص الذي ألقته مع ذلك؟ هناك الكثير… ومع ذلك لقد قالت أنها لم تر الجنوب من قبل ومع ذلك.." ثم حك رأسه في حيرة "إنها لغز"
ثم أعطى نظرة أخيرة له قبل أن يغادر "تقول الحكاية أنها غادرت المملكة بعد أن نفيت، ولم يسمع عنها أحد، فلربما علمتها هي، من يدري؟"
اضطربت الزنزانة إثر محاولاته تحرير نفسه "أتخبرني الآن أنها قد تكون نجت؟"
"لأنك كنت ستجوب الأرض وتعرفهم بنا؟ أنت لم تكن حتى تعرف أنها حية وأردت الذهاب لها، مالذي كنت ستفعله؟ أكنت ستلقي بنفسك إلى موقع الهلاك؟"
همهم في غيظ ناظرا له بحدة وعبوس "أنتم سيئون بقدرهم، تخفون ما تريدون وتظهرون ما تريدون"
ابتسم بمرارة "لا تقلق، سنعطيك الخاتمة التي تستحقها"
صاح بصوت هز أرجاء المكان، صوت غاضب مُزِجَ بأصوات السلاسل التي قيدت المعاصم المكافحة في حين كان الآخر يغادر "لم أطلبها يوما، ولن أطلبها أبدا"
A.Th