ها أنت ذا...
تتقدّم خطوة أخرى، رغم كل التحذيرات التي كانت.
تصرخ فيك أن تعود.
لم تتردد. لم تتراجع.
كأنك جئت لتُختبر، لا لتنجو.
أخبرتك أن ما ينتظرك ليس خلاصًا،
بل تقلّص بطيء في ظلك، حتى تنكمش على نفسك…
حتى لا تعود تميّز بين ما تقرأه، وما يبتلعك.
هل تعرف البرد الحقيقي؟
ليس ذاك الذي يأتي من الخارج…
بل الذي ينمو في الداخل،
حين يصبح الصمت أثقل من الصراخ،
وحين تشعر أن الغرق لا يحدث في الماء… بل فيك.
أنت لا تقرأ هذه الكلمات،
بل هي من تقرأك الآن،
وتقيس: كم تبقّى منك… قبل أن يُخمدك الذهول.
لا حاجة لأن تنطق.
الطريقة التي تجمّدت بها عند هذا السطر كانت كافية.
إن بقي فيك ما يمكن أن يشعر…
دع ⭐ هنا
فربما أستدلّ بها عليك… حين يختفي كل شيء.
----------------------------------
كان العالم من حولي يتجمد.
الضوء الخافت كاد يختنق، الجدران الباردة تحولت إلى سجن، والهواء صار خنجرًا في صدري.
حتى ملامحي، لم أعد أتعرف عليها. وكأنني تجمّدتُ داخل زجاجة سميكة، أرى جسدي من الخارج، أتحسس وجوده، لكنني عاجزة عن العودة إليه.
لوكا لا يزال واقفًا هناك، يحدق بي... كأنه أنهى اعترافًا مقدسًا، ينتظر غفرانًا لن يأتي أبدًا.
"إيزابيلا..."
صوته انكسر، اهتزت أحشائي كأن شيئًا ما تحطّم بداخله. لكنني لم أسمعه حقًا.
كان رأسي يعجّ بالصور. صور لم أعشها قط. مشاهد لا تخصني. ضحكات لا أذكرها... ويداه تحتضنان طفلة صغيرة، كان من المفترض أنها "أنا".
"كفى... كفى!!"
صرخت، وصوتي ضئيل، يائس، يتلاشى في اتساع الجدران الباردة.
ضربت صدري بقبضتيّ، كأنني أحاول اقتلاع شيء من داخلي، شيء ملوث، غريب، دخيل على روحي.
اقترب خطوة. ارتجفت، جسدي ينفض بغير إرادة مني.
"لا تقترب..."
قلتها بصوت هامس بالكاد يُسمع، وأنا أتراجع حتى التصق ظهري بالجدار، لم يمنحني مفرًا.
"لم أكن أريد إيذاءك... لم أقترب منكِ أبدًا، رغم كل شيء، حتى حين كنا ننام تحت سقف واحد... لم أ-"
"أنتَ دمرتني دون أن تلمسني، لوكا!"
صرخت، وتهشم صوتي معها، حاملًا كل خيباتي.
"أنتَ... زرعتني في حلمك المريض، في طفولتك المُختلة، في ذاكرتك المسمومة... لم تترك لي فرصة لأعيش حياتي، لأنكَ كنتَ هناك منذ البداية!"
اقترب أكثر، خطوة واحدة فقط، كأنها تفصل بين عالمينا.
همس: "وما ذنبي أني لم أعرف الحياة إلا بكِ؟"
صفعته بنظراتي، بنظرات تحمل كل قسوة العالم.
لم يكن يحتاج إلى يد كي يشعر بالألم... كان غارقًا فيه بالفعل.
وفجأة...
شعرت بحرقة لاذعة في صدري، كأن شيئًا ما ينفجر داخلي بعنف.
الهواء لم يعد يدخل رئتيّ. ارتعشت قدماي، وعيناي اتسعتا ببطء، بذهول.
"لا... لا..."
صرخت بهمس مخنوق، بينما تسارعت أنفاسي، صدري يعلو ويهبط بجنون، وكأن قلبي بدأ يفقد إيقاعه، يستسلم لشيء لا أدركه.
"إيزابيلا؟!"
صوته ارتفع، للمرة الأولى... مذعورًا، ممزوجًا بالخوف.
أشرت له بإصبع مرتعش ألا يلمسني، لكن الأرض مالت من تحتي، فقدت توازني. وضعت كفي على فمي، وركضت. ركضت بعيدًا عن كل شيء.
لم أعرف كيف وصلت إلى هنا.
كان الحمّام أول مكان وجدته.
فتحت الصنبور بقوة، غسلت وجهي مرارًا وتكرارًا، لكن الحرقة لم تزل.
أحسست بشيء قبيح يخرج مني...
ليس دموعًا فقط، بل نفايات روحية، التصقت بي.
سمعت الباب يُفتح ببطء، بهدوء حذر.
استدرت تدريجيًا.
لوكا كان هناك. واقفًا عند المدخل، لا يقترب، لكن نظراته تتوسل، تتوسل إلى شيء لا أستطيع منحه إياه.
"قلت لك... لا تتبعني."
قلت، وارتعاش جسدي لم يتوقف، ماء الحنفية يقطر من ذقني، يختلط بدموعي المالحة.
"أنتَ... كنتَ في كل تفاصيل حياتي. طفولتي، ضحكتي، حتى مرضي... والآن ماذا بعد؟ ماذا تريد أن تكون؟ حبيبي؟ منقذي؟ قاتلي؟ اختر فقط، لأنك بالفعل كسرت كل شيء آخر فيني!"
همس، وصوته يتردد في أرجاء الحمّام البارد:
"أريد فقط أن تبقي."
ضحكت. ضحكة متعبة، مكسورة، خالية من أي فرح.
"تبقى؟ إلى جوار من؟ رجل يقول إنه أحبني منذ كنت في حضن أمي؟ تبًا لك، لوكا... و تبًا لكل شيء تمثله، لكل كذبة عشتها بسببك."
نظرت في المرآة. لم أرَ نفسي.
بل رأيتُ ظلًا شاحبًا، شيئًا هشًا، مبلل العينين، وعاجزًا عن التنفّس.
ولأول مرة... رفعت يدي، وضربت الزجاج بكل قوتي، بكل الغضب المكبوت في صدري.
تهشّم الزجاج. المرآة تكسّرت، تمامًا كما تكسّرت روحي داخلي.
صرخ لوكا، هرع ناحيتي، لكنه توقف فجأة وهو يرى الدم يسيل من راحتي، يقطر على الأرض البيضاء.
"لماذا؟!"
صرخ، وصوته حاد، مليء بالصدمة والألم.
"لأنني لا أريد أن أراك في وجهي!"
صرختها، ويدي تنزف بغزارة، وشظايا المرآة تتناثر تحت قدمي.
"كل مرة أنظر فيها لنفسي... أراك. في عيني، في طريقة ابتسامتي... حتى دمعي يحمل ظلك اللعين!"
ثم همست، وأنا أنهار على الأرض، أتنفس بصعوبة كمن فقد كل شيء: "أريد أن أُمحى... أريد أن أبدأ من الصفر... من مكانٍ لا تعرفني فيه، ولا أعرفك."
لحظة صمت طويلة وثقيلة خيمت على المكان. لوكا لم يتحرك.
لكنه قالها، بجفاف غير متوقع:
"أنتِ لا تعرفين كم من المرات تمنيّت لو لم أعرفك."
ثم أدار ظهره ببطء، وابتعد. مغادرا.
وأنا...
تنهّدت، تنهيدة عميقة، تنهيدة من لا يملك سوى رئتيه ليصرخ بهما.
مشيت إلى الحمّام مجددًا.
المرايا لا تزال كما هي، محطمة ومبعثرة.
لكن التي تنظر فيها... لم تعد كما كانت.
خلعت قميصي الممزق.
لمست ندبة صغيرة على فخذي... كانت جديدة.
من الليلة الماضية؟
لا أتذكر.
لكنها تذكرني.
وقفت تحت الماء البارد. لم أفتحه ساخنًا.
أردت أن أشعر أنني أعيش، أنني أتحكم... ولو بشيء واحد بسيط في هذا العالم الفوضوي.
ثم...
سمعتها.
صوت طرقات خفيفة على الباب.
غابريلا؟
"إيزابيلا...؟"
فتحت الباب، ملفوفة بمنشفة، جسدي ما زال يرتعش قليلًا.
نظرتها لم تكن غريبة عليّ.
بل كانت مشفقة... حزينة... لكن ليس شفقة ضعف.
بل شفقة تآمر، شفقة معرفة.
همست: " الليلة ... إن كنتِ ما تزالين ترغبين في الهرب... سأتأكد أن الباب الخلفي... غير مقفل."
وسكتت.
قبل أن أتكلم، كانت قد اختفت.
شعرتُ بشيء ما ينتفض داخلي بقوة.
ليس أملًا مشرقًا.
بل... مقاومة شرسة.
•
في مكانٍ آخر من القصر - المطبخ الخلفي
غابريلا واقفة، تنزع قفازاتها المطاطية ببطء، تضع طبقًا نظيفًا على الرف العالي، قبل أن تتوقف فجأة حين سمعت خطواته تقترب.
لم تلتفت، لكن أنفاسها ارتبكت، تسارعت قليلاً.
لوكا دخل بهدوء، دون كلمة أولى.
وقف خلفها، على مسافة قريبة جدًا، يراقب انعكاسها في باب الثلاجة المعدنية اللامع.
سألها فجأة، بصوت هادئ لكنه يحمل ثقلاً:
"أتحبينني، غابريلا؟"
تجمدت غابريلا في مكانها. عيناه لم تتركا انعكاسها.
يكمل، بصوت أخف، أخطر، كأنه يسأل عن الحقيقة المجردة لا عن العاطفة السطحية:
"هل كنتِ ستصرخين باسمي إن كنتِ مكانها؟
غابريلا، تُخفض رأسها، تبلع شيئًا مريرًا في حلقها قبل أن تهمس، بصوت مكسور، شبه منعدم:
"أحبك أكثر مما أتحمل... لكني لا أملك فرصة أمامها، أليس كذلك؟"
.
.
.
.
.
.
.
.
ليلٌ طويلٌ مضى، ولم تَسْكن فيه الأرواح.
غابريلا اختفت من المطبخ كما ظهرت:
صامتة، ناعمة، وكأنها لم تكن.
أما لوكا، فبقي واقفًا لبرهة، لا يتنفس، لا يتحرك، فقط يحدّق في موضع كانت تقف فيه امرأة... لم تكن يومًا له.
البيت صمت من جديد.
لكن هناك روحًا لم تنم.
---
.
• الثالثة فجرًا - جناح إيزابيلا •
كنت مستلقية
أو أتظاهر بذلك.
الغطاء مرفوع حتى عنقي، جسدي جامد كتمثال من رخام بارد، لكن داخلي كان يعجّ بعاصفة من الرقباء والآمال المتضاربة.
كل دقيقة تمضي، كانت تدفعني إما نحو الباب المجهول... أو نحو الجنون الذي يتربص خلف جدران هذه الغرفة الصامتة.
كان الهواء ثقيلًا، مشبعًا برائحة الياسمين الذابل التي تذكرني بقصص الطفولة التي سرقها هذا القصر.
ثم قمتُ.
ببطء متقن، لا كمن يتسلّل خوفًا، بل كمن يزحف من قبره للمرة الأخيرة، تاركًا خلفه كل ما كان يقيده.
فتحت الخزانة بصمت يكسر سكون الليل، وسحبت منها ثوب نوم أبيض. لم أعرف لماذا الأبيض.
ربما لأنه يشبه الكفن، ناصعًا، جاهزًا لاستقبال النهاية أو البداية.
ربما لأنني، وإن متُّ في هذا الهروب، فليكن موتًا يليق بي.
على الأقل... سأُدفن بكرامة، تحت سماء تشهد على شجاعتي.
لبسته.
كان خفيفًا، رقيقًا، شفافًا كأنفاسي اللاهثة، يكشف عن خطوط جسدي النحيل كظل باهت.
نظرت لنفسي في المرآة... ما بقي منها.
الزجاج المشروخ لم يُعد يظهر وجهي الشاحب،
بل ظلي المشقق، صورة مشوهة لامرأة كانت يومًا تعرف نفسها.
انعكس ضوء القمر الخافت على شقوقها، فبدت كأنها خرائط لطرق لم تسلكها بعد.
تنفست.
مرة واحدة فقط، نفسًا عميقًا يملأ رئتي بالبرد والخوف والأمل المباغت، وكأنها آخر نفس أستحقه في هذا المكان قبل أن أرميه خلف ظهري إلى الأبد.
• الممر الخلفي - القصر •
كل شيء كان صامتًا، صمتًا يطول، يتردد صداه في أذني كصرخة مكبوتة.
العتمة خفيفة، لا لأن هناك نورًا يتبدد، بل لأن الظلام نفسه تعب من الرقاد في أروقة هذا القصر المتهالك.
مشيت على أطراف أصابعي، كأن الأرض نفسها خائنة، قد تصدر صريرًا يكشف عني، أو تبتلعني في أعماقها المنسية.
كل خطوة كانت كهمسة لا يريدها أحد أن تُسمع.
مررت بلوحات قديمة، وجوه خالية من التعبير، وكأنها تراقبني بنظرات باردة، شهود صامتون على هروب لا يجرؤون همسًا به.
وصلت إلى الباب الخلفي.
كان يبدو أضخم مما تذكرت، خشبه داكن، مزين بنقوش كأنها وجوه تعوي.
يدي ارتجفت وهي تلامس المزلاج البارد، كأنه قطعة من الجليد تنتظر أن تذوب في قبضة يدي المرتعشة.
ادرتُه.
صوت طقطقة خافتة... ثم صوت أزيز معدني بطيء، كأن القصر يتأوه بأسى على روحي المغادرة... و...
انفتح.
مفتوح.
يا إلهي... مفتوح على مصراعيه، كفم ينتظر أن يبتلعني أو يطلق سراحي.
نظرت خلفي. لا شيء سوى ظلال الليل الراقصة على الجدران.
وجدران لا تنوي البكاء عليّ، بل تبدو وكأنها تتنفس الصعداء من رحيلي.
خطوت.
قدماي لم تعودا أسيرتين، شعرت بهما خفيفتين كأنهما تطفوان على الهواء.
خرجت.
الهواء مختلف. أبرد، ينعش رئتي التي كانت تختنق داخل أسوار القصر.
أنقى، كأنه يقول لي:
أهلًا بكِ في الحقيقة، حيث الألم يمتزج بالحرية.
• خارج القصر •
ما إن تجاوزتُ العتبة حتى اصطدمت نظراتي بأشجار ضخمة، ملتفّة، متشابكة كأنها أيادٍ عملاقة تنتظر أن تحتضنني أو تخنقني.
غابة كثيفة لا نهاية لها.
لا طريق واضح أمامي، فقط دروب وهمية تصنعها الظلال المتراقصة.
الأرض ناعمة تحت قدمي العاريتين، لكنها تخفي بين أنفاسها جذورًا قد تبتلعني، أو فروعًا قد تتعلق بثوبي الأبيض كشبكة صيد.
صمت مطبق، لا يقطعه سوى دقات قلبي المتسارعة.
شيئً في صدري قال:
اركضي.
ركضت.
لا وجهة محددة، لا خريطة ترشدني، لا حذاء يحمي قدمي من صخور الأرض.
قدماي تصفعان الطين الرطب، تشقانه في كل خطوة كأنني أقطع أوصال الماضي.
الثوب الأبيض يتطاير خلفي كروح تتشبث بالحياة، شراع أبيض يحمله هواء الحرية.
.
لم ألتفت. لم يكن هناك ما ألتفت إليه، فما تركته خلفي كان موتًا بطيئًا، وما أمامي كان حياة لم تُكتشف بعد.
لكن أحدهم... كان يراقب.
نظرة حادة، باردة كجليد الشتاء، كانت تتبع كل حركة من حركاتي.
• الطابق الثاني - الشرفة الشرقية •
كانت هناك. تقف بصمت غريب، هادئة بشكل مخيف، وكأنها تمثال شمع يذوب ببطء في فجر كئيب.
جسدها مغطى بثوب نوم حريري بلون القمر، خفيف، ينزلق عن أحد كتفيها كأنما تعب من محاولة التستر على حقيقة ما جرى.
شعرها منكوش فوضويًا، وجلدها لماع بقطرات عرق خفيفة، كما لو كانت قد خرجت للتو من غرق طويل في جسد رجل... أو هزيمة بطيئة تركتها فارغة وساكنة.
في يدها اليمنى، سيجار طويل مشتعل، تلتهمه ببطء بين شفتين مطليتين بلون خمري باهت.
وفي يدها اليسرى، كأس من كحول داكن، يتمايل بخفة مع نسيم الفجر.
كانت تشرب بلا تعجّل، بلا حاجة، بل كمن يحتفل بألم ما، أو يوثّق انتصارًا غامضًا على أنقاض روح أخرى.
وراءها، سرير لا يزال دافئًا يحمل بصمات ليلة مضت.
شراشف معفّرة، رائحة عطر رجولي طاغية، قطرات عرق لم تبرد بعد.
ثلاث ساعات فقط كانت كافية لتروي ظمأًا مكبوتًا، لتطفئ النار بأخرى، أو لتوقظ وحشًا في داخلها قرر أن يعاود الزحف ببطء.
كانت ليلة مليئة بالصراخ... لكنها لم تكن صرخات ألم.
عينها لم ترفّ، ثابتة كعين صياد يراقب فريسته دون أن يرمش.
نظرت إلى تلك النقطة البيضاء الصغيرة التي تفرّ وسط الأشجار ، الثوب الأبيض الذي يضيء في الظلام، الجسد المرتجف الذي يركض بغير هدى، الحلم الهارب الذي لطالما سعت لخنقه.
شفتيها انعقدتا في ابتسامة خفيفة، ابتسامة لم تكن تحمل فرحًا أو سخرية، بل شيئًا أعمق وأكثر ظلمة.
لكنها لم تصل إلى عينيها.
تلك العينان ظلّتا جامدتين، قاتلتين، باردتين كالفولاذ، وكأنما تشاهدان لوحة رسمتها بنفسها منذ زمن بعيد، لوحة نهاية فصل من حكاية طويلة.
رضا غريب ارتسم على وجهها
ليس انتصارًا صريحًا، بل موافقة صامتة على القدر، أو ربما شعور بالتحقق من أن الأمور تسير تمامًا كما خططت لها.
•
.
.
.
.
♡
Angelica_Orlando