1- قبل أن يبتلعني الضباب

1- قبل أن يبتلعني الضباب

34 0

♤في زوايا إيطاليا الخلفية♤

حيث تختنق الشوارع برائحة الدماء القديمة

وتتوارث العائلات الكراهية كإرث مقدس

تحاك رواية سوداوية

عن صراع عروش مافيوي لا يندثر.

هنا

حيث تُسحق البراءة  تحت أحذية القسوة

ينهض ناجي من بين الجثث حاملاً مشعل الثأر

ليس كبطل

بل كشبح مسكون بلعنة الماضي.

طفولته سُرقت.

روحه دُنّست.

ومستقبله صار رهينةً لدماء يُراقها بيديه.

في هذا العالم المظلم

الزواج القسري ليس سوى بداية الجحيم

والعلاقات ليست سوى أوهام

مُلطخة بالخيانة والألم.

و حب ملتوي يتقاطع مع كراهية لا تُشفى…

حيث تتغذى العلاقات على التبعية كجرح نازف

لا يُغلقه سوى الموت.

هنا يُستغل القُصَّر تحت مظلة القوة

وتختزل المشاعر

إلى مجرد أسلحة في حرب لا يعرف أحد كيف بدأت

لكن الجميع يعرفون أنها لن تنتهي إلا بالدم

لا أحد ينجو من هذا المكان دون أن يُخلّف وراءه

شظايا من إنسانيته.

عندما يتحوّل الحب إلى قيد...

وتغدو الكراهية هي اليد التي تُطعمك.

.

.

.

.

-----

اسمي إيزابيلا روسي

وعمري سبعة عشر ربيعاً.

لكنّ عمري لا يعني شيئاً في هذا العالم...

عالم لا يرحم.

أنا الابنة الوحيدة لعائلة روسي

إحدى أقوى عائلات المافيا في نابولي.

منذ أن فتحتُ عينيّ على الحياة

وأنا أعرف أن اسمي مكتوبٌ بالدماء.

لم أكن يوماً مجرد فتاة عادية.

لم أعش حياة المدرسة و الأصدقاء.

حياتي كانت عبارة عن قواعد صارمة:

لا تخرجي دون حارس، لا تثقِ بأحد،

ولا تضعفي أبداً.

لأن الضعف هنا يعني الموت.

أبي، فينتشينزو روسي

كان يحذرني دائمًا:

"العالم ليس ملاذًا آمنًا

يا إيزابيلا...

الذئاب تكمن في كل زاوية

وإذا توقفتِ عن الركض

فهي لن تتردد في تمزيقك."

لكنني لم أكن أعرف أن أحد تلك الذئاب كان يتربص

بي، وأن صرخة أبي لم تكن إلا نداء استغاثة متأخر..

جاء بعد فوات الأوان...

فقد كان الألم قد بدأ ينهشني فعلًا.

 

----------------------------------

كانت نابولي مساءً تشبه نمرًا يُعدو في الظل،

أنفاسه تنفث الأدرينالين في الشوارع، وأضواؤه

تنعكس على وجوه لا تعرف الرحمة.

السماء لم تكن صافية، بل ملبدة بدخان الشغف...

لأن الليلة ليست ككل ليلة

تجمّع العشرات، بل المئات، على أطراف حلبة غير رسمية في ضواحي المدينة،

حيث يُقام سباق دراجات نارية لا يعترف بالقوانين، بل يحتكم فقط للسرعة... والجنون.

رائحة البنزين المحترق، أصوات المحركات الهادرة،

و ضحكات الفتيات المتلفعات بروح النيكوتين وملمس الجلد،

يبعن الوهم بنظراتٍ مدهونة بالكحل الرخيص كل شيء كان نابضًا، موحشًا، حادًا.

كنت أمتطي جوهرتي السوداء…

لم تكن مركبة، بل امتدادًا لروحي

سوداء، متوهجة، عنيدة.

Ducati Panigale V4 SP2

مرسومة بلون الليل،

تحمل الرقم (77) على خاصرتها

كوشمٍ من طفولة نُقشت بالألم..

أما آيدن،

فكان يعتلي دراجته كمن يركب قدره…

Yamaha YZF-R1M زرقاء

يشتعل قلبها بعينين حمراوين، كأنها مخلوق معدني استُدعي من الجحيم فقط ليحميه.

خوذته العاكسة لم تخفَ عني شيئًا…

كنت أعرف تلك النظرة

حتى لو وُلدت في الظلام

تحدٍّ، جنون…

وحبٌّ لا يتراجع… بل يزدهر على حافة الهلاك

اقترب مني ببطء

وخلع خوذته كمن يكشف عن سر دفين.

شعره الأسود انسكب فوق جبينه كتَمَرُّدٍ صامت،

وعيناه…

زرقاوان كقاع بحر لم تطأه شمس

عميقتان

موحلتان بالسكون،

كأن فيهما نجومًا غَرِقت ولم تجد طريق العودة.

كان ينظر إليّ كما لو أنني قصيدة لا تُقرأ

إلا بين السطور،

بينما كنت أغرق في زرقةٍ تُشبه نقطة التقاء البحر بالسماء في لحظة حنينٍ لا تنتهي.

سترة جلدية داكنة يتدلى منها شعار فرقته المفضلة،

وبنطال جينز يحتضن جسده الرياضي كأن كل

غرزة فيه تروي قصة سباق... وانتصار... وسقوط.

التفّت حوله فتياتٌ كالعثّ حول الضوء...

تلتقطن الصور كصيّاداتٍ تترصّد فرائسها

وتنثرن الابتسامات كفخاخٍ مخملية

وهمساتهن ليست سوى شباكٍ مطلية بالفضة

مصممة لتأسر… لا لتلامس.

إحداهن تجرأت أكثر

وضعت يدها على كتفه

وقالت بنبرة مصطنعة:   

"إذا ربحت الليلة...

أعتقد أنّ مكافأتك ستكون من نوعٍ خاص."   

شعرت بالغيرة تتسلّل في دمي كسمّ بطيء.

اقتربتُ بخطًى هادئة

وقفت بينهما كما تقتحم الرصاصة هدوء اللحظة

ونظرتُ إليها من فوق كتفي

وابتسامة باردة تعلو شفتي: 

 

"لو كانت الجرأة تُكافَأ، لكنتِ خرجتِ من هنا بتاج."   

ضحك آيدن ضحكته العميقة

ثم وضع يده على ظهري بخفة

كمن يوقّع اسمه على قدرٍ يعرف أنه له

وهمس قرب أذني، بصوتٍ أجشّ كأنه ارتجف بين صدره وقلبي:

"لا تغاري، إيزا... قلبي لا يعرف الردّة، وما بيننا ليس شعورًا يُشكّ فيه، بل إيمان يسكن كياني."

اقترب بعينيه أولًا،

ثم بخطاه،

ثم بكامل حضوره،

حتى خُيّل إليّ أن قلبه يدق بين شفتي.

مدّ ذراعه نحوي كما يُمدُّ الحنين يده للغائب،

جذبني من خصري بثقة العارف،

قبّلني...

قبلة بدت وكأنها تُعيد ترتيب الزمن،

كسرت صخب العالم من حولي،

وأغرقتني في سُكر لا يشبه سوى أول نشوة نجاة. 

كانت شفتاه دافئتين،

بطعمٍ يحمل نكهة البنزين والنيكوتين

ممزوجة بحلاوة لا يمكن إلا أن تكون منه... 

في تلك اللحظة،

تلاشى كل شيء

لم يبقَ إلا تماس شفاهنا،

وشغفٌ يشدّنا إلى بعضنا كأننا لم نُخلق إلا

لهذا الانصهار.

دوّى صوت المذيع عبر مكبّرات الصوت،

يعلن بداية العدّ التنازلي للسباق،

فاشتعلت الحشود كشرارة نارٍ أُطلقت

في برميل بارود ينتظر اللمسة الأخيرة.

تصفيق

هتافات

صافرات

وضجيجٌ متداخل ارتطم بآذان الجميع

يمتزج برائحة البنزين٬ العرق، والانتظار المشحون بالأدرينالين.

الرهانات بدأت تنهال على الطاولة

أيدٍ كثيرة

أصوات تتعالى بأرقام متباينة

عيون تتفحّص الوجوه والدراجات

باحثةً عن نجمٍ تضع عليه أملًا…

أو مالًا.

ثم…

حدث شيءٌ غير متوقّع.

صمتٌ انزلق كظلّ على الجمع.

رجلٌ ملثّم خرج من بين الظلال،

كأن الظلام نفسه أنجبه.

لم يُرَ وجهه، ولم تُعرف ملامحه.

كان يمشي بثقلٍ لا يُقاس بالسرعة

بل بما يخلّفه وراءه من صمتٍ مُربك.

وهدوءه كان مدجّجًا بشيءٍ غريب...

كأن الهواء نفسه يُفسح له الطريق

تقدّم نحو طاولة الرهانات

ثم أخرج من معطفه رزمة سميكة من الأوراق النقدية

ورماها فوق الطاولة بثقل لا يُستهان به

كان الصمتُ الذي أعقب الحركة أشدَّ من أيّ صوتٍ صدر منذ بدء الحفل.

ثم نطق، بصوتٍ أجشّ، بارد، لا يرتجف ولا يتردّد، كأنّه يُلقي قَسَمًا:

"كل هذا… من أجل الفوضى التي تُدعى إيزابيلا."

الدهشة انفجرت.

كلّ الوجوه التفتت نحوه كأنها جسدٌ واحد

أصابته صدمة كهربائية.

بعضهم شهق خفية، آخرون تبادلوا النظرات المُستنكرة.

وهناك من ضحك باضطراب.

لكن لا أحد تجرأ على الرد.

فالرهان بهذه القيمة... على فتاة؟

فتاة تقف بمفردها

وسط عالمٍ من الدخان والرجال والسرعة والمجازفة؟

الوجوه تحركت قبل الشفاه…

ثم لحقتها الهمسات كرياح خفيفة تسبق الإعصار.

"من يكون هذا الرجل؟"

"لم نره من قبل…"

"ما الذي يجعله واثقًا إلى هذا الحد؟"

"أتراه مجنونًا؟ أم يعرف شيئًا لا نعرفه؟"

لكنّ النظرات بدأت تتكاثر… وتتّقد.

من فوق المباني، خلف الخوذات، بين زجاج

السيارات، ومن زوايا الأرصفة،

كانت العيون تلتهمني

بنظرات لم تعد ترى فيّ متسابقة.

بل احتمالًا…

تهديدًا…

ونبوءةً تتحرّك على عجلتين.

كأنني لم أعد شخصًا،

بل إجابةً غامضة لسؤالٍ لم يُسأل بعد.

أما أنا...

فوقفتُ ببطء فوق مقعد دراجتي

ورفعتُ رأسي نحوه.

لم أكن أرى وجهه، ولا عينيه،

لكنّ قلبي... رآه.

وأقسم...

أنه خفق خفقةً لا تشبه أيّ شيءٍ خفقه من قبل.

من يكون؟

ولماذا أنا؟

ولماذا الآن؟

لكن رغم كلّ شيء…

ابتسمت.

نعم، ابتسمت

وأنا أنظر إلى الطاولة،

إلى النقود، إلى رهاني الجديد.

ثم قلت في داخلي:

"قد تكون أخطأتَ في التوقيت ايها الملثم…

أو ربما قرأت قدري قبل أن أكتبه.

لأنك لم تضع مالك على متسابقة…

بل على شرارةٍ تنتظر أن تشتعل.

وقد أشعلتَ بها حربًا… لن تُطفأ."

انطلقت صافرة البداية…

فتفجّرت نابولي تحت العجلات كجسدٍ يستيقظ على صدمة كهربائية.

بدأت الأضواء الخافتة تندفع خلفنا

كشرائط ضوءٍ ممزقة

ترسم وهجًا هاربًا في سماءٍ

يلتفّ فيها الغسق حول النجوم الخجولة.

المدينة لم تعد مدينة…

بل متاهة من نار

شوارعها تُطوى كأنها شريط شائك

المنحدرات تنقضُّ كفخاخ

الجسور تميل كأنها تراقبنا

واللافتات المهجورة تهتزّ على جوانب الطريق

كأشباحٍ تسخر منّا… أو تودّعنا.

كان محرك دراجتي يصرخ... لا كآلة

بل ككائن يحتضر من فرط العشق للسرعة.

جسدي كان ملتحمًا بها

ظهري مقوّس فوقها

كأنني لا أقودها، بل أنصهر معها

الهواء حولي تفتّت

صار رماديًا مشوشًا،

كأن السرعة تمزّق الأبعاد لا المسافات.

عداد السرعة يرتجف، يقترب من المستحيل

وأنا…

شقّ وجهي تعبير لا ينتمي للفرح… بل لليقين.

خلفي

لم يكن آيدن يطاردني.

كنت أسمع هدير دراجته…

أنفاسه المتداخلة مع أنفاسي

كأننا نركب نفس الزمن ٬ لا نفس الطريق.

لم يُرِد أن يسبقني…

بل أراد أن نُحلّق سويًّا.

لكنني أنا… إيزابيلا روسي.

أنا ابنة الحلبة

وسليلة الدخان

وتلميذة الحافة الأخيرة.

والسرعة… لا تسبقني، بل تتبعني.

ولا أحد يتجاوز اللهيب قبل أن يُحرق.

كنت أراوغ الريح.

أستعرض مهاراتي في حلبةٍ لا ترحم

أطارد الزوايا كأنني أرقص مع الموت

أنحني مع المنعطفات الحادة

أكاد ألمس الإسفلت بكوعي

وأغمض عيني للحظة… لا لأنني لا أخاف

بل لأنني أعرف… أن الخوف تأخر كثيرًا ليواكبني.

أمامنا جسر ضيق… مائل…

تتناثر تحته الأضواء كنجومٍ ساقطة.

السيارات القادمة تُطلق أنوارها الطويلة في

عيني لكنني لا أرمش.

أنا لستُ متسابقة…

أنا شرارة تتمرّد على الانطفاء.

اقترب أحد المتسابقين من جانبي

انزلق على الحصى، حاول تجاوزي.

لكن دراجتي زأرت، كما لو أنها تغار.

انعرجت بها فجأة، كأنني أروض وحشًا.

فانطلقتُ للأمام٬ تاركة وراءي شرارات… وشهقة.

آيدن ما زال خلفي…

ولكنه لا يقاتلني… بل يقاتل بجانبي.

نحن لا نتسابق ضد بعض…

نحن نحمي بعضنا… من الجميع.

منعطف أخير…

ريح في وجهي…

صرخة في داخلي…

وخط النهاية… هناك.

ثمّ…

اشتعال داخلي…

لا لهب فيه ولا دخان

بل تجلٍّ نقيّ

كبعثٍ جديد يشبه لحظة الولادة.

كأنني خُلقتُ لتلك اللحظة فقط.

قطعت خط النهاية.

قبل الجميع.

بثانيتين… وربما بعمرٍ كامل.

صرخ الجمهور.

صفرّت السيارات.

أضاءت الكاميرات.

لكنني لم أسمع شيئًا.

كنت أتنفس الصمت الذي يلي الانتصار.

صمتٌ لا يصنعه الهدوء…

بل امتلاء اللحظة بالحياة.

فرملتُ دراجتي على حافة الزئير

خلعتُ خوذتي كمن يسحب قيدًا عن قلبه

واندفع شعري للخارج كشرارة متأخرة…

كأن جسدي أعلن التمرد… رسميًا

كانت الجماهير تصرخ

والدخان يلتفّ حولنا مثل قدرٍ محتوم.

آيدن اقترب

عيناه تلمعان تحت الأضواء

نزع خوذته

كمن يخلع خوذة جندي بعد معركة وجودية

ثم قال بصوته الخافت المقطّر بالعشق والتحدي:

"أحببتكِ وسط الرصاص… فكيف لا أحبكِ بعد الانتصار؟"

نظرتُ إليه بصمت، ثم ابتسمتُ بهدوء،

وقلت بصوتٍ منخفض لا يكاد يُسمع،

لكنّه كان أثقل من كل الصخب من حولنا:

"كل يوم يزيد يقيني بأنك جئتَ إلى هذا العالم فقط… لتفضح بصمتك ما أخفيه حتى عن نفسي.

ولم تحتج يومًا إلى كلمات نظرتك وحدها كانت كفيلة بأن تزلزل ثباتي."

في تلك اللحظة

لم أكن بحاجة للمزيد من الكلمات…

فالصمت بيننا كان أوضح من أي اعتراف

وأدفأ من أي احتضان.

نظرتُ إليه طويلًا

كأن عينيّ توثّقان هذا النصر

لا على الحلبة فحسب

بل على كل شكّ راودني يومًا.

ثم… عدنا إلى الواقع على مهل

كما يعود العاشق من حلمه دون أن يستفيق تمامًا.

لم نُفكّر في الخطوة التالية

فقط مشينا سويًا بصمتٍ مريح

كأن الطريق يعرف وجهتنا دون أن نُخبره.

توجهنا معًا إلى حفلة "سيرافينا" التي بدأت بعد السباق

واستمرت حتى منتصف الليل.

سيرافينا كانت ذلك النوع من الفتيات

اللواتي لا يمكن

تجاهلهن، لا لصوتهن، بل لغياب الصمت من حولهن.

شقراءطويلة

بشعرٍ منسدل دائمًا كما لو أن الريح تدلّله

وعينين عسليّتين تميلان إلى الذهبي في الضوء

الصناعي مثل زجاج يُخفي وراءه أسرارًا ملساء.

لم تكن صديقتي… بالمعنى التقليدي للكلمة.

لكنها كانت هناك، دائمًا.

حولي.

كظلٍّ لا يُزعجك، لكنه لا يتركك.

هي صديقة آيدن منذ الطفولة

وابنة أحد شركاء والده السياسيين…

وهو ما جعلها تحوم حوله كقمرٍ يدور في فلكه

حتى حين لم تكن هناك شمس.

كانت تضحك كثيرًا

وتُجيد التودد للناس بطريقة تجعلك تشعر بالذنب

إذا لم ترد الابتسام لها.

لكن تحت ذلك الطلاء اللامع

كانت تخبئ غيرة تعرف كيف تُخفيها بكأس نبيذ

ومجاملة أنيقة.

---

وصلنا إلى بيتها في وقتٍ كانت فيه الموسيقى

قد بدأت تكتسح الأرجاء.

الأنوار كانت خافتة

تميل إلى الذهبي

والجدران مغطاة بأقمشة شفافة تُخفي خلفها

عتمةً أكثر جاذبية من الضوء.

فتحت الباب بنفسها.

سيرافينا لا توكل المهام لأحد حين يتعلّق الأمر

بالاستعراض.

كانت ترتدي فستانًا أحمر يلتصق بجسدها كأنه

خُلِق من أجل أن يُرى.

ابتسامتها اتسعت حين رأت آيدن

كأنها لم ترَ سواه.

"آيدن!"

أطلقتها بنغمة أعلى من المعتاد

وفتحت ذراعيها له

كما لو أنها تنتظر هذا العناق منذ قرن.

احتضنها باسترخاء

ثم أشار نحوي وهو يهمس بشيءٍ لم أسمعه.

عندها فقط... نظرت إليّ.

"إيزابيلا!"

قالتها وكأنها تحاول تذكير نفسها باسمي.

"تبدين مختلفة الليلة…!"

لم أعرف إن كان ذلك مديحًا… أم فخًا لغويًا.

ابتسمت لها بأدب.

"وأنتِ... كالعادة، تعرفين كيف تُديرين المشهد."

ضحكت

ضحكتها القصيرة

التي تُشبه صوت كريستال يُطرق بخفة.

دخلنا.

---

في الداخل

كانت الحفلة تمضي بثقة.

المدعوّون من الطبقة المخملية في نابولي:

أبناء ساسة، ورثة شركات كبرى، فتيات بعطرٍ أغلى

من مجوهراتهن، وشباب يتحدثون أكثر مما يعيشون.

الموسيقى تصدح

من نظام صوتي مدفون في الجدران

الكحول يُصبّ كأنه نهر لا يجف

والضحكات الموزّعة

تشبه طلقات تحذيرية

في حفلة لا تخلو من الحروب النفسية.

آيدن بقي قربي لوهلة.

يداه في جيبيه

عينيه تمسحان الوجوه، وعقله…

لا أعلم أين.

سيرافينا كانت تتحرك بين الحضور كالملكة.

كل شيء فيها مدروس:

نبرتها،

خطواتها،

توزيع نظراتها،

ولمستها الخفيفة على كتف آيدن

كل مرة تمرّ قربه،

كأنها تقول لي:

هذا التاريخ بيننا... لا يموت.

لم أُظهر شيئًا.

كنت أراقب

من خلف كأسٍ نصف ممتلئ

وابتسامة نصف حقيقية.

"آيدن، تعال، أريد أن أريك شيئًا!"

قالتها فجأة وهي تجرّه من يده.

نظر إليّ قبل أن يتحرك.

همست له:

"اذهب، سأكون بخير."

لكني لم أكن كذلك.

---

وقفتُ على الشرفة الخارجية

الهواء أقل سمّية من الداخل

وعيوني أقل ازدحامًا.

رأيتهم من الزجاج… يضحكون.

سيرافينا تُمسك بذراعه

وتقترب منه أكثر من اللازم.

كانت تتحدث

وتُحرّك يديها كثيرًا

كمن يحاول أن يُسحر الآخر…

بالحركة....لا بالمعنى.

كنت أعلم ذلك.

الجميع يعلم.

لكنني كنت أمتلكه.

لم أعبأ بنظراتها

ولا بضحكتها المصطنعة

وهي تسرد عليه قصصًا مملة عن أناس لا يهمونه.

---

بينما كانت الحفلة تزداد صخبًا…

كنت أبحث عن لحظة هدوء أنسلّ منها

قبل أن يُفتضح أمري

قبل أن يتسرّب ما بداخلي إلى وجهي

وقبل أن يخونني صبري أمام نظراتٍ لم تكن بريئة.

انزويت إلى طرف القاعة

أراقب الباب الخلفي بعينٍ تتوق للمغادرة...

لكن نظراتي التقت بعينيه للحظة…

لحظة واحدة فقط

كانت كافية

لمحني آيدن قبل أن أختفي

فتبعني بخطى ثابتة.

لحق بي عند الباب الخلفي

يحمل سترته على كتفه

ونظرته قلقة

كان أنفاسه متسارعة قليلًا

كأن فكرة رحيلي أربكته.

نظر إليّ كما لو أن شيئًا انكسر في اتزانه

ورفع حاجبيه بخفة

يحاول أن يُخفي توترًا لم يُجِده يومًا

ثم قال بصوتٍ خافت، تحرّكه الحيرة والاهتمام:

"لِمَ هذا الرحيل المفاجئ؟ أنتِ لا تبدين بخير…"

لم أتكلّم… فقط نظرت إليه بنفسٍ مثقل

كأن كلماتي تكدّست في حلقي ولم تجد مخرجًا.

شيءٌ ما في عينيّ كان كافيًا ليُشعل القلق في عينيه.

فاقترب بخطوة بطيئة

ونبرته صارت أكثر دفئًا

تحمل شيئًا من الرجاء المكشوف، وهمس:

"كل شيء يبدو معقّدًا الليلة…

لكنني أعلم يقينًا أنك لا يجب أن تذهبي وحدك."

تنهّدتُ بصوت خافت

ثم التفتُّ إليه بنظرة مشوبة بالمرارة والواقعية:

"آيدن... أنت تعرف ان عائلتك لا تطيقني

وإن رأوني الآن إلى جوارك، سيبدأون حربًا لن يرحمونا فيها… لا أنت، ولا أنا."

تقدّم نحوي بخطوة، نظر في عينيّ طويلًا،

ثم سحبني إلى حضنه كمن يتمسّك بما لا يريد

خسارته، وهمس بصوتٍ خافت، لكنه مشحون بالعزم:

"فليكن ما يكون… إن كانوا يبحثون عن حرب

فليعلموا أنني لن أتنازل عنكِ،

حتى لو احترق كل شيء."

نظرتُ إليه مطولًا

ثم ابتسمت ابتسامة باهتة كأنها اعتذار غير منطوق

يخفف من ثقل اللحظة

لمستُ ذراعه بخفة

وهمستُ بنبرة هادئة لكنها ثابتة:

"سأكون بخير، حقًا... هذا وداع مؤقت، لا أكثر

أنا قوية بما يكفي آيدن… ولستُ وحدي.

لدي من يحرسني… حتى في غيابك." 

.

.

.

.

الليلة التي غيّرت كل شيء

.

.

.

.

.

ركبت دراجتي، جوهرتي السوداء

وقلبي يخفق بنغمة الرقم "77" المنقوش على

جوانبها، كما لو كان تعويذتي الخاصة.

وضعت الخوذة التي تعكس العالم كمرآة معتمة

حجبت بها وجهي عن ضوء الحقيقة

ولوّحت لآيدن

فابتسم ابتسامته التي كنت أحفظ تفاصيلها أكثر

من ملامحي

ورفع يده نحو شفتيه

ثم لوّح بها كأنما ينثر شيئًا أثمن من الكلام.

"راسليني عند وصولكِ!"

قالها بنبرةٍ دافئة تتراقص مع هدير المحركات

   فأعطاني طمأنينة لم أكن أعلم أنني

   سأفقدها بعد لحظات.

      اندفعتُ كعاصفة على الطريق       

       

       ممزّقةً الإسفلت كما يفعل البرق بغيمته       

       

         ودراجتي تهمس لي بترانيم السرعة        

       

   كأنها تعرف أن المصير ينتظر عند المنعطف التالي.         

       

بينما كانت سيارات الحراسة تحاصرني في صمت 

تحرس قدرًا لا أعلمه.   

   

      كأنها موكب ملوكي يسير وسط حقول ألغام.         

               

     الضباب كان كثيفًا       

       

      كثيفًا بما يكفي لطمس ملامح الطريق والعالم       

       

فانسكبت أنوار سيارات الحراسة كعيون تائهة

في حلمٍ لا يتضح.     

     

      ترقبني من خلف ستارٍ رمادي.       

       

     شعرتُ بسيارة خلفي تتلكأ       

        

ثم تنسلّ بهدوء كأنها جثة تُسحب

     إلى قبرٍ مفتوح وسط الضباب.     

     

     

تناهت إلى أذني صوت طقطقات معدنية

كعظام تُكسر في الظل.   

    

   كأن شيئًا يُجرّ إلى هاوية لا صوت لها.   

   

   

      ثم... صمتٌ مفاجئ       

       

       كأن العالم ابتلع أنفاسه.       

       

      واحدة...        

       

    ثم أخرى...       

       

      كأن الضباب لم يكن ستارًا        

       

       بل فمًا مفتوحًا يبتلع كل ما حولي.       

       

   صرخة ذائبة عبرت الأثير، ثم غابت   

     

      كأنها نداء استغاثة طُمر قبل أن يولد.     

      

       

           بقيت وحدي، أُطارِد الفراغ       

       

        وزئير دراجتي يردّني عن حافة الجنون       

       

        تحشرجت أنفاسي داخل الخوذة       

       

   وارتدّ صداها في رأسي كأنني أختنق من الداخل.       

       

        "هل... هذا طبيعي؟"       

       

        امتدت أصابعي المرتبكة نحو اللاسلكي       

       

      كأنها تتشبث بطوق نجاة:       

       

          "ماركو؟ ردّ عليّ، أرجوك... ماركو؟!"       

       

       

       لكن الجواب كان الفراغ.       

       

صمت... ثقيل

مشبع بشيء لا يُرى...

ولا يُحتمل.

ثم

بلا إنذار

ارتجّ جسد دراجتي فجأة

كأنها تصارع نوبة اختناق. 

دوى صوت طقطقة معدنية غليظة في المحرك

تلاه أنين خافت يشبه حشرجة محتضر. 

تصاعد دخان داكن كثيف من أسفلها

برائحة زيت محترق

ومعدن يُشوى

كأن أحدهم يعذّبه بالنار.

"اللعنة!"

زمجرتُ، أحاول الحفاظ على توازني.

عداد السرعة يهبط بجنون

صوت المحرك يلفظ أنفاسه الأخيرة

كأن الحياة تُنتزع من أحشائه. 

دعست على الفرامل... لا تستجيب.

لففت المقود، فتلوّت الدراجة تحتي كأفعى مذعورة.

هذا لا يشبه العطب...

بل خيانة ميكانيكية مدروسة.

ثم، من رحم الفوضى…

انسلّوا كأشباحٍ تعرف طريقها. 

من تحت عباءة الضباب

اندفعت شاحنات ضخمة

مطلية بالسواد كأنها نُسِجَت من العدم

لا شارات، لا أرقام…

مجرد كتل فولاذية تزأر بصوت شيطاني.

لم تكن تسير... بل تتقدّم

كما لو أنها صيّاد يعرف فريسته

ويعرف تمامًا متى يلتهمها.

حاولت الانحراف…

لكن الدراجة كانت تنهار تحتي كجسد منهك.

إحدى الشاحنات انقضّت نحوي

واصطدمت بالجانب الخلفي بضربة محسوبة

فانفلتتُ من مكاني كطلقةٍ طائشة

ثم ارتطم جسدي بالأرض كدمية انفصل خيطها.

سمعت صوت ارتطامي قبل أن يدركه جسدي.

صرخة مكتومة انطلقت من كتفي المخلوع

والرؤية تمزقت…

نصفها ضباب

ونصفها ألم غامق يتكاثف خلف جفوني.

الخوذة تشققت من الجهة اليمنى

ووجهي احتك بالأسفلت

كأنما يُقشَر بمدية.

تلمّست الأرض بيدي المرتجفة

ثم انتزعت نفسي عن الأسفلت… أو هكذا ظننت.

رأسي كان يغلي بالأصوات.

لم أعد أميّز بين ألمي، وصوت الارتطام

وذلك الطنين الغريب الذي لا أعرف مصدره…

كأن العالم صار صدىً لصرخة واحدة لا تنتهي.

بعد لحظة

توارت أمامي أشكالهم الواضحة.

ستة رجال بأقنعة سوداء تخفي ملامحهم

أطوالهم متساوية

وأجسادهم صلبة كأنهم نخبة

من المحترفين المدربين على الكمال.

تجمعت الظلال حولي

كشبكة من الأفاعي المتلوية تحكم قبضتها.

تسلّل البرد إلى أعماقي

يغذي نار الغضب المتأججة في صدري

نار تحاول الصمود رغم العواصف.

جمعتُ قواي المتناثرة

دفعت جسدي إلى الأعلى

وانْقَضَيْتُ على أول ظل تقدم نحوي.

ركلته بقوة في ساقه

دفعت بقدمي بقسوة

وكأنني أحاول تحطيم حاجزٍ صلد.

ثم لكمته في فكه، قبضتي تشتعل بالألم والاحتقان

لكن جسده ظل صامدًا

جامدًا كجدار من حجر لا يهتز.

توقفت للحظة، أنفاسي تتلاحق

قلبي يدق كطبول الحرب في صدري

وكل عضلة في جسدي تصرخ بالرفض والتمرد.

صرخت بأعلى صوتي

ودموع الغضب والذعر تحاصر عينيّ:

"أتركني أيها الوغد! ماذا تريد مني!"

لكن صدى صوتي تلاشى بين جدران المكان

ولم أسمع سوى صوت أنفاسي المتقطعة

وصوت خطواتهم الثقيلة تقترب أكثر.

رجفت يداي

وبدأت أصابعي تنقبض

كأنها تبحث عن شيء... عن أي سبيل للفرار

بينما وجهي يشتعل بحرارة الغضب والرعب

أدركت أني وحيدة وسط هذه الظلمة

وأن المقاومة وحدها لا تكفي.

قبل أن أدرك ما يحدث

جاءت ضربة قوية في معدتي

مفاجئة كضربة برق تحطم صمتي.

توقفت أنفاسي للحظة

كأنهم انتزعوا الهواء من صدري بقسوة لا ترحم

وانحنى جسدي إلى الأمام بلا إرادة.

سقطتُ على ركبتيّ

والدوار يلف رأسي كإعصار عنيف

أصوات العالم تبتعد شيئًا فشيئًا

تتحول إلى همسات بعيدة

لا أستطيع سماعها بوضوح.

تقيأت أنفاسي المبعثرة

ويداي ترتعشان وتشدّان على بطني

في محاولةً فاشلة لإيقاف موجة الألم

التي تتصاعد داخلي.

شفتيّ تنزف قليلاً من شدة التشنج

أتمتم  بكلمات متقطعة

صوتي مبحوح لكن مملوء بالعزم:

"لن... تحصلوا... على ما تريدونه..."

رفعتُ رأسي بحركة بطيئة متثاقلة

لأجد وجوهًا خالية من الرحمة

لا تحمل في عيونها إلا نذير النهاية.

الثواني بدت أطول مما ينبغي.

وقلبي يدق في أذني

كأنه يرغب في كسر هذا الصمت القاتل

وبينما كنت أترنح على ركبتي

وأحاول استجماع أنفاسي المتقطعة

اخترق صمت اللحظة صوتٌ مألوف

لكنه كان يحمل معه قشعريرة الرعب

في أوتار روحي.

صوت أعرفه... أو أخاف أن أصدق أنني أعرفه

جاء من بين الظلال المتحركة

بلهجة تهكمية باردة

تشبه السكين تجرح أملًا يتبدد:

"انتهى الامر٬ لقد حصلنا عليكِ بالفعل...

الباقي مجرد تفاصيل."

اللحظة ابتلعت كل شيء، حتى عقارب الساعة

كل شيء من حولي يزداد ضبابية وغموضًا

كأن هذا الصوت ينسج شبكة من الأسرار و

يرسم لي حدود سجني القادم.

تبددت أنفاسي في الهواء البارد

ويداي ترتجفان بلا حول ولا قوة.

كانت الأضواء تحترق  عينيّ كألسنة نار خافتة

لكن في صدري

كان الخوف ينمو كوحش متعطش لا يُروى.

شعرت بيدٍ غليظة وخشنة تقبض عليّ من الخلف

تسحبني نحو الظلام الذي أتحاشاه منذ زمن بعيد.

حاولت الصراخ

لكن صوتي ارتطم بجدار الخوف داخلي

و تحول إلى همس بائس لا يُسمع.

وما تلا ذلك لم يكن عاديًا...

قطعة قماش خشنة ضغطت على وجهي

رائحة كيميائية تغلغلت في أنفي

تحرّق مجاري الهواء في داخلي.

سكوبولامين؟

لا أعرف... لكنني شعرت به يسرقني

صرختُ داخليًا

حاولت أن أقاوم

لكن جسدي تخلّى عني

كأنه قطعة خشب لا إرادة لها.

أغمضت عينيّ بقوة

لكن لم يمنعني ذلك من رؤية ظل ذلك الوجه

بلا ملامح

تتلألأ عيناه الرماديتان

كأنهما رماد يتطاير في الريح.

عينان رأيتهما في كوابيسي

مرعبة

كالذئب الذي ظل يحدّق بي من خلف جدار الذاكرة

منذ الطفولة

حارس ظلامي الذي لم أفلح أبدًا في الفرار منه.

همس بصوتٍ خافت لكنه بارد كالجليد:

"أهلاً بكِ في جحيمي، يا أميرة روسي."

عندها

ساد الظلام

مبتلعا كل شيء في ظلمةٍ خانقة

تاركًا أنفاسي تتلاشى في الفراغ.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

♤في زوايا إيطاليا الخلفية♤

حيث تختنق الشوارع برائحة الدماء القديمة

وتتوارث العائلات الكراهية كإرث مقدس

تحاك رواية سوداوية

عن صراع عروش مافيوي لا يندثر.

هنا

حيث تُسحق البراءة  تحت أحذية القسوة

ينهض ناجي من بين الجثث حاملاً مشعل الثأر

ليس كبطل

بل كشبح مسكون بلعنة الماضي.

طفولته سُرقت.

روحه دُنّست.

ومستقبله صار رهينةً لدماء يُراقها بيديه.

في هذا العالم المظلم

الزواج القسري ليس سوى بداية الجحيم

والعلاقات ليست سوى أوهام

مُلطخة بالخيانة والألم.

و حب ملتوي يتقاطع مع كراهية لا تُشفى…

حيث تتغذى العلاقات على التبعية كجرح نازف

لا يُغلقه سوى الموت.

هنا يُستغل القُصَّر تحت مظلة القوة

وتختزل المشاعر

إلى مجرد أسلحة في حرب لا يعرف أحد كيف بدأت

لكن الجميع يعرفون أنها لن تنتهي إلا بالدم

لا أحد ينجو من هذا المكان دون أن يُخلّف وراءه

شظايا من إنسانيته.

عندما يتحوّل الحب إلى قيد...

وتغدو الكراهية هي اليد التي تُطعمك.

.

.

.

.

-----

اسمي إيزابيلا روسي

وعمري سبعة عشر ربيعاً.

لكنّ عمري لا يعني شيئاً في هذا العالم...

عالم لا يرحم.

أنا الابنة الوحيدة لعائلة روسي

إحدى أقوى عائلات المافيا في نابولي.

منذ أن فتحتُ عينيّ على الحياة

وأنا أعرف أن اسمي مكتوبٌ بالدماء.

لم أكن يوماً مجرد فتاة عادية.

لم أعش حياة المدرسة و الأصدقاء.

حياتي كانت عبارة عن قواعد صارمة:

لا تخرجي دون حارس، لا تثقِ بأحد،

ولا تضعفي أبداً.

لأن الضعف هنا يعني الموت.

أبي، فينتشينزو روسي

كان يحذرني دائمًا:

"العالم ليس ملاذًا آمنًا

يا إيزابيلا...

الذئاب تكمن في كل زاوية

وإذا توقفتِ عن الركض

فهي لن تتردد في تمزيقك."

لكنني لم أكن أعرف أن أحد تلك الذئاب كان يتربص

بي، وأن صرخة أبي لم تكن إلا نداء استغاثة متأخر..

جاء بعد فوات الأوان...

فقد كان الألم قد بدأ ينهشني فعلًا.

 

----------------------------------

كانت نابولي مساءً تشبه نمرًا يُعدو في الظل،

أنفاسه تنفث الأدرينالين في الشوارع، وأضواؤه

تنعكس على وجوه لا تعرف الرحمة.

السماء لم تكن صافية، بل ملبدة بدخان الشغف...

لأن الليلة ليست ككل ليلة

تجمّع العشرات، بل المئات، على أطراف حلبة غير رسمية في ضواحي المدينة،

حيث يُقام سباق دراجات نارية لا يعترف بالقوانين، بل يحتكم فقط للسرعة... والجنون.

رائحة البنزين المحترق، أصوات المحركات الهادرة،

و ضحكات الفتيات المتلفعات بروح النيكوتين وملمس الجلد،

يبعن الوهم بنظراتٍ مدهونة بالكحل الرخيص كل شيء كان نابضًا، موحشًا، حادًا.

كنت أمتطي جوهرتي السوداء…

لم تكن مركبة، بل امتدادًا لروحي

سوداء، متوهجة، عنيدة.

Ducati Panigale V4 SP2

مرسومة بلون الليل،

تحمل الرقم (77) على خاصرتها

كوشمٍ من طفولة نُقشت بالألم..

أما آيدن،

فكان يعتلي دراجته كمن يركب قدره…

Yamaha YZF-R1M زرقاء

يشتعل قلبها بعينين حمراوين، كأنها مخلوق معدني استُدعي من الجحيم فقط ليحميه.

خوذته العاكسة لم تخفَ عني شيئًا…

كنت أعرف تلك النظرة

حتى لو وُلدت في الظلام

تحدٍّ، جنون…

وحبٌّ لا يتراجع… بل يزدهر على حافة الهلاك

اقترب مني ببطء

وخلع خوذته كمن يكشف عن سر دفين.

شعره الأسود انسكب فوق جبينه كتَمَرُّدٍ صامت،

وعيناه…

زرقاوان كقاع بحر لم تطأه شمس

عميقتان

موحلتان بالسكون،

كأن فيهما نجومًا غَرِقت ولم تجد طريق العودة.

كان ينظر إليّ كما لو أنني قصيدة لا تُقرأ

إلا بين السطور،

بينما كنت أغرق في زرقةٍ تُشبه نقطة التقاء البحر بالسماء في لحظة حنينٍ لا تنتهي.

سترة جلدية داكنة يتدلى منها شعار فرقته المفضلة،

وبنطال جينز يحتضن جسده الرياضي كأن كل

غرزة فيه تروي قصة سباق... وانتصار... وسقوط.

التفّت حوله فتياتٌ كالعثّ حول الضوء...

تلتقطن الصور كصيّاداتٍ تترصّد فرائسها

وتنثرن الابتسامات كفخاخٍ مخملية

وهمساتهن ليست سوى شباكٍ مطلية بالفضة

مصممة لتأسر… لا لتلامس.

إحداهن تجرأت أكثر

وضعت يدها على كتفه

وقالت بنبرة مصطنعة:   

"إذا ربحت الليلة...

أعتقد أنّ مكافأتك ستكون من نوعٍ خاص."   

شعرت بالغيرة تتسلّل في دمي كسمّ بطيء.

اقتربتُ بخطًى هادئة

وقفت بينهما كما تقتحم الرصاصة هدوء اللحظة

ونظرتُ إليها من فوق كتفي

وابتسامة باردة تعلو شفتي: 

 

"لو كانت الجرأة تُكافَأ، لكنتِ خرجتِ من هنا بتاج."   

ضحك آيدن ضحكته العميقة

ثم وضع يده على ظهري بخفة

كمن يوقّع اسمه على قدرٍ يعرف أنه له

وهمس قرب أذني، بصوتٍ أجشّ كأنه ارتجف بين صدره وقلبي:

"لا تغاري، إيزا... قلبي لا يعرف الردّة، وما بيننا ليس شعورًا يُشكّ فيه، بل إيمان يسكن كياني."

اقترب بعينيه أولًا،

ثم بخطاه،

ثم بكامل حضوره،

حتى خُيّل إليّ أن قلبه يدق بين شفتي.

مدّ ذراعه نحوي كما يُمدُّ الحنين يده للغائب،

جذبني من خصري بثقة العارف،

قبّلني...

قبلة بدت وكأنها تُعيد ترتيب الزمن،

كسرت صخب العالم من حولي،

وأغرقتني في سُكر لا يشبه سوى أول نشوة نجاة. 

كانت شفتاه دافئتين،

بطعمٍ يحمل نكهة البنزين والنيكوتين

ممزوجة بحلاوة لا يمكن إلا أن تكون منه... 

في تلك اللحظة،

تلاشى كل شيء

لم يبقَ إلا تماس شفاهنا،

وشغفٌ يشدّنا إلى بعضنا كأننا لم نُخلق إلا

لهذا الانصهار.

دوّى صوت المذيع عبر مكبّرات الصوت،

يعلن بداية العدّ التنازلي للسباق،

فاشتعلت الحشود كشرارة نارٍ أُطلقت

في برميل بارود ينتظر اللمسة الأخيرة.

تصفيق

هتافات

صافرات

وضجيجٌ متداخل ارتطم بآذان الجميع

يمتزج برائحة البنزين٬ العرق، والانتظار المشحون بالأدرينالين.

الرهانات بدأت تنهال على الطاولة

أيدٍ كثيرة

أصوات تتعالى بأرقام متباينة

عيون تتفحّص الوجوه والدراجات

باحثةً عن نجمٍ تضع عليه أملًا…

أو مالًا.

ثم…

حدث شيءٌ غير متوقّع.

صمتٌ انزلق كظلّ على الجمع.

رجلٌ ملثّم خرج من بين الظلال،

كأن الظلام نفسه أنجبه.

لم يُرَ وجهه، ولم تُعرف ملامحه.

كان يمشي بثقلٍ لا يُقاس بالسرعة

بل بما يخلّفه وراءه من صمتٍ مُربك.

وهدوءه كان مدجّجًا بشيءٍ غريب...

كأن الهواء نفسه يُفسح له الطريق

تقدّم نحو طاولة الرهانات

ثم أخرج من معطفه رزمة سميكة من الأوراق النقدية

ورماها فوق الطاولة بثقل لا يُستهان به

كان الصمتُ الذي أعقب الحركة أشدَّ من أيّ صوتٍ صدر منذ بدء الحفل.

ثم نطق، بصوتٍ أجشّ، بارد، لا يرتجف ولا يتردّد، كأنّه يُلقي قَسَمًا:

"كل هذا… من أجل الفوضى التي تُدعى إيزابيلا."

الدهشة انفجرت.

كلّ الوجوه التفتت نحوه كأنها جسدٌ واحد

أصابته صدمة كهربائية.

بعضهم شهق خفية، آخرون تبادلوا النظرات المُستنكرة.

وهناك من ضحك باضطراب.

لكن لا أحد تجرأ على الرد.

فالرهان بهذه القيمة... على فتاة؟

فتاة تقف بمفردها

وسط عالمٍ من الدخان والرجال والسرعة والمجازفة؟

الوجوه تحركت قبل الشفاه…

ثم لحقتها الهمسات كرياح خفيفة تسبق الإعصار.

"من يكون هذا الرجل؟"

"لم نره من قبل…"

"ما الذي يجعله واثقًا إلى هذا الحد؟"

"أتراه مجنونًا؟ أم يعرف شيئًا لا نعرفه؟"

لكنّ النظرات بدأت تتكاثر… وتتّقد.

من فوق المباني، خلف الخوذات، بين زجاج

السيارات، ومن زوايا الأرصفة،

كانت العيون تلتهمني

بنظرات لم تعد ترى فيّ متسابقة.

بل احتمالًا…

تهديدًا…

ونبوءةً تتحرّك على عجلتين.

كأنني لم أعد شخصًا،

بل إجابةً غامضة لسؤالٍ لم يُسأل بعد.

أما أنا...

فوقفتُ ببطء فوق مقعد دراجتي

ورفعتُ رأسي نحوه.

لم أكن أرى وجهه، ولا عينيه،

لكنّ قلبي... رآه.

وأقسم...

أنه خفق خفقةً لا تشبه أيّ شيءٍ خفقه من قبل.

من يكون؟

ولماذا أنا؟

ولماذا الآن؟

لكن رغم كلّ شيء…

ابتسمت.

نعم، ابتسمت

وأنا أنظر إلى الطاولة،

إلى النقود، إلى رهاني الجديد.

ثم قلت في داخلي:

"قد تكون أخطأتَ في التوقيت ايها الملثم…

أو ربما قرأت قدري قبل أن أكتبه.

لأنك لم تضع مالك على متسابقة…

بل على شرارةٍ تنتظر أن تشتعل.

وقد أشعلتَ بها حربًا… لن تُطفأ."

انطلقت صافرة البداية…

فتفجّرت نابولي تحت العجلات كجسدٍ يستيقظ على صدمة كهربائية.

بدأت الأضواء الخافتة تندفع خلفنا

كشرائط ضوءٍ ممزقة

ترسم وهجًا هاربًا في سماءٍ

يلتفّ فيها الغسق حول النجوم الخجولة.

المدينة لم تعد مدينة…

بل متاهة من نار

شوارعها تُطوى كأنها شريط شائك

المنحدرات تنقضُّ كفخاخ

الجسور تميل كأنها تراقبنا

واللافتات المهجورة تهتزّ على جوانب الطريق

كأشباحٍ تسخر منّا… أو تودّعنا.

كان محرك دراجتي يصرخ... لا كآلة

بل ككائن يحتضر من فرط العشق للسرعة.

جسدي كان ملتحمًا بها

ظهري مقوّس فوقها

كأنني لا أقودها، بل أنصهر معها

الهواء حولي تفتّت

صار رماديًا مشوشًا،

كأن السرعة تمزّق الأبعاد لا المسافات.

عداد السرعة يرتجف، يقترب من المستحيل

وأنا…

شقّ وجهي تعبير لا ينتمي للفرح… بل لليقين.

خلفي

لم يكن آيدن يطاردني.

كنت أسمع هدير دراجته…

أنفاسه المتداخلة مع أنفاسي

كأننا نركب نفس الزمن ٬ لا نفس الطريق.

لم يُرِد أن يسبقني…

بل أراد أن نُحلّق سويًّا.

لكنني أنا… إيزابيلا روسي.

أنا ابنة الحلبة

وسليلة الدخان

وتلميذة الحافة الأخيرة.

والسرعة… لا تسبقني، بل تتبعني.

ولا أحد يتجاوز اللهيب قبل أن يُحرق.

كنت أراوغ الريح.

أستعرض مهاراتي في حلبةٍ لا ترحم

أطارد الزوايا كأنني أرقص مع الموت

أنحني مع المنعطفات الحادة

أكاد ألمس الإسفلت بكوعي

وأغمض عيني للحظة… لا لأنني لا أخاف

بل لأنني أعرف… أن الخوف تأخر كثيرًا ليواكبني.

أمامنا جسر ضيق… مائل…

تتناثر تحته الأضواء كنجومٍ ساقطة.

السيارات القادمة تُطلق أنوارها الطويلة في

عيني لكنني لا أرمش.

أنا لستُ متسابقة…

أنا شرارة تتمرّد على الانطفاء.

اقترب أحد المتسابقين من جانبي

انزلق على الحصى، حاول تجاوزي.

لكن دراجتي زأرت، كما لو أنها تغار.

انعرجت بها فجأة، كأنني أروض وحشًا.

فانطلقتُ للأمام٬ تاركة وراءي شرارات… وشهقة.

آيدن ما زال خلفي…

ولكنه لا يقاتلني… بل يقاتل بجانبي.

نحن لا نتسابق ضد بعض…

نحن نحمي بعضنا… من الجميع.

منعطف أخير…

ريح في وجهي…

صرخة في داخلي…

وخط النهاية… هناك.

ثمّ…

اشتعال داخلي…

لا لهب فيه ولا دخان

بل تجلٍّ نقيّ

كبعثٍ جديد يشبه لحظة الولادة.

كأنني خُلقتُ لتلك اللحظة فقط.

قطعت خط النهاية.

قبل الجميع.

بثانيتين… وربما بعمرٍ كامل.

صرخ الجمهور.

صفرّت السيارات.

أضاءت الكاميرات.

لكنني لم أسمع شيئًا.

كنت أتنفس الصمت الذي يلي الانتصار.

صمتٌ لا يصنعه الهدوء…

بل امتلاء اللحظة بالحياة.

فرملتُ دراجتي على حافة الزئير

خلعتُ خوذتي كمن يسحب قيدًا عن قلبه

واندفع شعري للخارج كشرارة متأخرة…

كأن جسدي أعلن التمرد… رسميًا

كانت الجماهير تصرخ

والدخان يلتفّ حولنا مثل قدرٍ محتوم.

آيدن اقترب

عيناه تلمعان تحت الأضواء

نزع خوذته

كمن يخلع خوذة جندي بعد معركة وجودية

ثم قال بصوته الخافت المقطّر بالعشق والتحدي:

"أحببتكِ وسط الرصاص… فكيف لا أحبكِ بعد الانتصار؟"

نظرتُ إليه بصمت، ثم ابتسمتُ بهدوء،

وقلت بصوتٍ منخفض لا يكاد يُسمع،

لكنّه كان أثقل من كل الصخب من حولنا:

"كل يوم يزيد يقيني بأنك جئتَ إلى هذا العالم فقط… لتفضح بصمتك ما أخفيه حتى عن نفسي.

ولم تحتج يومًا إلى كلمات نظرتك وحدها كانت كفيلة بأن تزلزل ثباتي."

في تلك اللحظة

لم أكن بحاجة للمزيد من الكلمات…

فالصمت بيننا كان أوضح من أي اعتراف

وأدفأ من أي احتضان.

نظرتُ إليه طويلًا

كأن عينيّ توثّقان هذا النصر

لا على الحلبة فحسب

بل على كل شكّ راودني يومًا.

ثم… عدنا إلى الواقع على مهل

كما يعود العاشق من حلمه دون أن يستفيق تمامًا.

لم نُفكّر في الخطوة التالية

فقط مشينا سويًا بصمتٍ مريح

كأن الطريق يعرف وجهتنا دون أن نُخبره.

توجهنا معًا إلى حفلة "سيرافينا" التي بدأت بعد السباق

واستمرت حتى منتصف الليل.

سيرافينا كانت ذلك النوع من الفتيات

اللواتي لا يمكن

تجاهلهن، لا لصوتهن، بل لغياب الصمت من حولهن.

شقراءطويلة

بشعرٍ منسدل دائمًا كما لو أن الريح تدلّله

وعينين عسليّتين تميلان إلى الذهبي في الضوء

الصناعي مثل زجاج يُخفي وراءه أسرارًا ملساء.

لم تكن صديقتي… بالمعنى التقليدي للكلمة.

لكنها كانت هناك، دائمًا.

حولي.

كظلٍّ لا يُزعجك، لكنه لا يتركك.

هي صديقة آيدن منذ الطفولة

وابنة أحد شركاء والده السياسيين…

وهو ما جعلها تحوم حوله كقمرٍ يدور في فلكه

حتى حين لم تكن هناك شمس.

كانت تضحك كثيرًا

وتُجيد التودد للناس بطريقة تجعلك تشعر بالذنب

إذا لم ترد الابتسام لها.

لكن تحت ذلك الطلاء اللامع

كانت تخبئ غيرة تعرف كيف تُخفيها بكأس نبيذ

ومجاملة أنيقة.

---

وصلنا إلى بيتها في وقتٍ كانت فيه الموسيقى

قد بدأت تكتسح الأرجاء.

الأنوار كانت خافتة

تميل إلى الذهبي

والجدران مغطاة بأقمشة شفافة تُخفي خلفها

عتمةً أكثر جاذبية من الضوء.

فتحت الباب بنفسها.

سيرافينا لا توكل المهام لأحد حين يتعلّق الأمر

بالاستعراض.

كانت ترتدي فستانًا أحمر يلتصق بجسدها كأنه

خُلِق من أجل أن يُرى.

ابتسامتها اتسعت حين رأت آيدن

كأنها لم ترَ سواه.

"آيدن!"

أطلقتها بنغمة أعلى من المعتاد

وفتحت ذراعيها له

كما لو أنها تنتظر هذا العناق منذ قرن.

احتضنها باسترخاء

ثم أشار نحوي وهو يهمس بشيءٍ لم أسمعه.

عندها فقط... نظرت إليّ.

"إيزابيلا!"

قالتها وكأنها تحاول تذكير نفسها باسمي.

"تبدين مختلفة الليلة…!"

لم أعرف إن كان ذلك مديحًا… أم فخًا لغويًا.

ابتسمت لها بأدب.

"وأنتِ... كالعادة، تعرفين كيف تُديرين المشهد."

ضحكت

ضحكتها القصيرة

التي تُشبه صوت كريستال يُطرق بخفة.

دخلنا.

---

في الداخل

كانت الحفلة تمضي بثقة.

المدعوّون من الطبقة المخملية في نابولي:

أبناء ساسة، ورثة شركات كبرى، فتيات بعطرٍ أغلى

من مجوهراتهن، وشباب يتحدثون أكثر مما يعيشون.

الموسيقى تصدح

من نظام صوتي مدفون في الجدران

الكحول يُصبّ كأنه نهر لا يجف

والضحكات الموزّعة

تشبه طلقات تحذيرية

في حفلة لا تخلو من الحروب النفسية.

آيدن بقي قربي لوهلة.

يداه في جيبيه

عينيه تمسحان الوجوه، وعقله…

لا أعلم أين.

سيرافينا كانت تتحرك بين الحضور كالملكة.

كل شيء فيها مدروس:

نبرتها،

خطواتها،

توزيع نظراتها،

ولمستها الخفيفة على كتف آيدن

كل مرة تمرّ قربه،

كأنها تقول لي:

هذا التاريخ بيننا... لا يموت.

لم أُظهر شيئًا.

كنت أراقب

من خلف كأسٍ نصف ممتلئ

وابتسامة نصف حقيقية.

"آيدن، تعال، أريد أن أريك شيئًا!"

قالتها فجأة وهي تجرّه من يده.

نظر إليّ قبل أن يتحرك.

همست له:

"اذهب، سأكون بخير."

لكني لم أكن كذلك.

---

وقفتُ على الشرفة الخارجية

الهواء أقل سمّية من الداخل

وعيوني أقل ازدحامًا.

رأيتهم من الزجاج… يضحكون.

سيرافينا تُمسك بذراعه

وتقترب منه أكثر من اللازم.

كانت تتحدث

وتُحرّك يديها كثيرًا

كمن يحاول أن يُسحر الآخر…

بالحركة....لا بالمعنى.

كنت أعلم ذلك.

الجميع يعلم.

لكنني كنت أمتلكه.

لم أعبأ بنظراتها

ولا بضحكتها المصطنعة

وهي تسرد عليه قصصًا مملة عن أناس لا يهمونه.

---

بينما كانت الحفلة تزداد صخبًا…

كنت أبحث عن لحظة هدوء أنسلّ منها

قبل أن يُفتضح أمري

قبل أن يتسرّب ما بداخلي إلى وجهي

وقبل أن يخونني صبري أمام نظراتٍ لم تكن بريئة.

انزويت إلى طرف القاعة

أراقب الباب الخلفي بعينٍ تتوق للمغادرة...

لكن نظراتي التقت بعينيه للحظة…

لحظة واحدة فقط

كانت كافية

لمحني آيدن قبل أن أختفي

فتبعني بخطى ثابتة.

لحق بي عند الباب الخلفي

يحمل سترته على كتفه

ونظرته قلقة

كان أنفاسه متسارعة قليلًا

كأن فكرة رحيلي أربكته.

نظر إليّ كما لو أن شيئًا انكسر في اتزانه

ورفع حاجبيه بخفة

يحاول أن يُخفي توترًا لم يُجِده يومًا

ثم قال بصوتٍ خافت، تحرّكه الحيرة والاهتمام:

"لِمَ هذا الرحيل المفاجئ؟ أنتِ لا تبدين بخير…"

لم أتكلّم… فقط نظرت إليه بنفسٍ مثقل

كأن كلماتي تكدّست في حلقي ولم تجد مخرجًا.

شيءٌ ما في عينيّ كان كافيًا ليُشعل القلق في عينيه.

فاقترب بخطوة بطيئة

ونبرته صارت أكثر دفئًا

تحمل شيئًا من الرجاء المكشوف، وهمس:

"كل شيء يبدو معقّدًا الليلة…

لكنني أعلم يقينًا أنك لا يجب أن تذهبي وحدك."

تنهّدتُ بصوت خافت

ثم التفتُّ إليه بنظرة مشوبة بالمرارة والواقعية:

"آيدن... أنت تعرف ان عائلتك لا تطيقني

وإن رأوني الآن إلى جوارك، سيبدأون حربًا لن يرحمونا فيها… لا أنت، ولا أنا."

تقدّم نحوي بخطوة، نظر في عينيّ طويلًا،

ثم سحبني إلى حضنه كمن يتمسّك بما لا يريد

خسارته، وهمس بصوتٍ خافت، لكنه مشحون بالعزم:

"فليكن ما يكون… إن كانوا يبحثون عن حرب

فليعلموا أنني لن أتنازل عنكِ،

حتى لو احترق كل شيء."

نظرتُ إليه مطولًا

ثم ابتسمت ابتسامة باهتة كأنها اعتذار غير منطوق

يخفف من ثقل اللحظة

لمستُ ذراعه بخفة

وهمستُ بنبرة هادئة لكنها ثابتة:

"سأكون بخير، حقًا... هذا وداع مؤقت، لا أكثر

أنا قوية بما يكفي آيدن… ولستُ وحدي.

لدي من يحرسني… حتى في غيابك." 

.

.

.

.

الليلة التي غيّرت كل شيء

.

.

.

.

.

ركبت دراجتي، جوهرتي السوداء

وقلبي يخفق بنغمة الرقم "77" المنقوش على

جوانبها، كما لو كان تعويذتي الخاصة.

وضعت الخوذة التي تعكس العالم كمرآة معتمة

حجبت بها وجهي عن ضوء الحقيقة

ولوّحت لآيدن

فابتسم ابتسامته التي كنت أحفظ تفاصيلها أكثر

من ملامحي

ورفع يده نحو شفتيه

ثم لوّح بها كأنما ينثر شيئًا أثمن من الكلام.

"راسليني عند وصولكِ!"

قالها بنبرةٍ دافئة تتراقص مع هدير المحركات

   فأعطاني طمأنينة لم أكن أعلم أنني

   سأفقدها بعد لحظات.

      اندفعتُ كعاصفة على الطريق       

       

       ممزّقةً الإسفلت كما يفعل البرق بغيمته       

       

         ودراجتي تهمس لي بترانيم السرعة        

       

   كأنها تعرف أن المصير ينتظر عند المنعطف التالي.         

       

بينما كانت سيارات الحراسة تحاصرني في صمت 

تحرس قدرًا لا أعلمه.   

   

      كأنها موكب ملوكي يسير وسط حقول ألغام.         

               

     الضباب كان كثيفًا       

       

      كثيفًا بما يكفي لطمس ملامح الطريق والعالم       

       

فانسكبت أنوار سيارات الحراسة كعيون تائهة

في حلمٍ لا يتضح.     

     

      ترقبني من خلف ستارٍ رمادي.       

       

     شعرتُ بسيارة خلفي تتلكأ       

        

ثم تنسلّ بهدوء كأنها جثة تُسحب

     إلى قبرٍ مفتوح وسط الضباب.     

     

     

تناهت إلى أذني صوت طقطقات معدنية

كعظام تُكسر في الظل.   

    

   كأن شيئًا يُجرّ إلى هاوية لا صوت لها.   

   

   

      ثم... صمتٌ مفاجئ       

       

       كأن العالم ابتلع أنفاسه.       

       

      واحدة...        

       

    ثم أخرى...       

       

      كأن الضباب لم يكن ستارًا        

       

       بل فمًا مفتوحًا يبتلع كل ما حولي.       

       

   صرخة ذائبة عبرت الأثير، ثم غابت   

     

      كأنها نداء استغاثة طُمر قبل أن يولد.     

      

       

           بقيت وحدي، أُطارِد الفراغ       

       

        وزئير دراجتي يردّني عن حافة الجنون       

       

        تحشرجت أنفاسي داخل الخوذة       

       

   وارتدّ صداها في رأسي كأنني أختنق من الداخل.       

       

        "هل... هذا طبيعي؟"       

       

        امتدت أصابعي المرتبكة نحو اللاسلكي       

       

      كأنها تتشبث بطوق نجاة:       

       

          "ماركو؟ ردّ عليّ، أرجوك... ماركو؟!"       

       

       

       لكن الجواب كان الفراغ.       

       

صمت... ثقيل

مشبع بشيء لا يُرى...

ولا يُحتمل.

ثم

بلا إنذار

ارتجّ جسد دراجتي فجأة

كأنها تصارع نوبة اختناق. 

دوى صوت طقطقة معدنية غليظة في المحرك

تلاه أنين خافت يشبه حشرجة محتضر. 

تصاعد دخان داكن كثيف من أسفلها

برائحة زيت محترق

ومعدن يُشوى

كأن أحدهم يعذّبه بالنار.

"اللعنة!"

زمجرتُ، أحاول الحفاظ على توازني.

عداد السرعة يهبط بجنون

صوت المحرك يلفظ أنفاسه الأخيرة

كأن الحياة تُنتزع من أحشائه. 

دعست على الفرامل... لا تستجيب.

لففت المقود، فتلوّت الدراجة تحتي كأفعى مذعورة.

هذا لا يشبه العطب...

بل خيانة ميكانيكية مدروسة.

ثم، من رحم الفوضى…

انسلّوا كأشباحٍ تعرف طريقها. 

من تحت عباءة الضباب

اندفعت شاحنات ضخمة

مطلية بالسواد كأنها نُسِجَت من العدم

لا شارات، لا أرقام…

مجرد كتل فولاذية تزأر بصوت شيطاني.

لم تكن تسير... بل تتقدّم

كما لو أنها صيّاد يعرف فريسته

ويعرف تمامًا متى يلتهمها.

حاولت الانحراف…

لكن الدراجة كانت تنهار تحتي كجسد منهك.

إحدى الشاحنات انقضّت نحوي

واصطدمت بالجانب الخلفي بضربة محسوبة

فانفلتتُ من مكاني كطلقةٍ طائشة

ثم ارتطم جسدي بالأرض كدمية انفصل خيطها.

سمعت صوت ارتطامي قبل أن يدركه جسدي.

صرخة مكتومة انطلقت من كتفي المخلوع

والرؤية تمزقت…

نصفها ضباب

ونصفها ألم غامق يتكاثف خلف جفوني.

الخوذة تشققت من الجهة اليمنى

ووجهي احتك بالأسفلت

كأنما يُقشَر بمدية.

تلمّست الأرض بيدي المرتجفة

ثم انتزعت نفسي عن الأسفلت… أو هكذا ظننت.

رأسي كان يغلي بالأصوات.

لم أعد أميّز بين ألمي، وصوت الارتطام

وذلك الطنين الغريب الذي لا أعرف مصدره…

كأن العالم صار صدىً لصرخة واحدة لا تنتهي.

بعد لحظة

توارت أمامي أشكالهم الواضحة.

ستة رجال بأقنعة سوداء تخفي ملامحهم

أطوالهم متساوية

وأجسادهم صلبة كأنهم نخبة

من المحترفين المدربين على الكمال.

تجمعت الظلال حولي

كشبكة من الأفاعي المتلوية تحكم قبضتها.

تسلّل البرد إلى أعماقي

يغذي نار الغضب المتأججة في صدري

نار تحاول الصمود رغم العواصف.

جمعتُ قواي المتناثرة

دفعت جسدي إلى الأعلى

وانْقَضَيْتُ على أول ظل تقدم نحوي.

ركلته بقوة في ساقه

دفعت بقدمي بقسوة

وكأنني أحاول تحطيم حاجزٍ صلد.

ثم لكمته في فكه، قبضتي تشتعل بالألم والاحتقان

لكن جسده ظل صامدًا

جامدًا كجدار من حجر لا يهتز.

توقفت للحظة، أنفاسي تتلاحق

قلبي يدق كطبول الحرب في صدري

وكل عضلة في جسدي تصرخ بالرفض والتمرد.

صرخت بأعلى صوتي

ودموع الغضب والذعر تحاصر عينيّ:

"أتركني أيها الوغد! ماذا تريد مني!"

لكن صدى صوتي تلاشى بين جدران المكان

ولم أسمع سوى صوت أنفاسي المتقطعة

وصوت خطواتهم الثقيلة تقترب أكثر.

رجفت يداي

وبدأت أصابعي تنقبض

كأنها تبحث عن شيء... عن أي سبيل للفرار

بينما وجهي يشتعل بحرارة الغضب والرعب

أدركت أني وحيدة وسط هذه الظلمة

وأن المقاومة وحدها لا تكفي.

قبل أن أدرك ما يحدث

جاءت ضربة قوية في معدتي

مفاجئة كضربة برق تحطم صمتي.

توقفت أنفاسي للحظة

كأنهم انتزعوا الهواء من صدري بقسوة لا ترحم

وانحنى جسدي إلى الأمام بلا إرادة.

سقطتُ على ركبتيّ

والدوار يلف رأسي كإعصار عنيف

أصوات العالم تبتعد شيئًا فشيئًا

تتحول إلى همسات بعيدة

لا أستطيع سماعها بوضوح.

تقيأت أنفاسي المبعثرة

ويداي ترتعشان وتشدّان على بطني

في محاولةً فاشلة لإيقاف موجة الألم

التي تتصاعد داخلي.

شفتيّ تنزف قليلاً من شدة التشنج

أتمتم  بكلمات متقطعة

صوتي مبحوح لكن مملوء بالعزم:

"لن... تحصلوا... على ما تريدونه..."

رفعتُ رأسي بحركة بطيئة متثاقلة

لأجد وجوهًا خالية من الرحمة

لا تحمل في عيونها إلا نذير النهاية.

الثواني بدت أطول مما ينبغي.

وقلبي يدق في أذني

كأنه يرغب في كسر هذا الصمت القاتل

وبينما كنت أترنح على ركبتي

وأحاول استجماع أنفاسي المتقطعة

اخترق صمت اللحظة صوتٌ مألوف

لكنه كان يحمل معه قشعريرة الرعب

في أوتار روحي.

صوت أعرفه... أو أخاف أن أصدق أنني أعرفه

جاء من بين الظلال المتحركة

بلهجة تهكمية باردة

تشبه السكين تجرح أملًا يتبدد:

"انتهى الامر٬ لقد حصلنا عليكِ بالفعل...

الباقي مجرد تفاصيل."

اللحظة ابتلعت كل شيء، حتى عقارب الساعة

كل شيء من حولي يزداد ضبابية وغموضًا

كأن هذا الصوت ينسج شبكة من الأسرار و

يرسم لي حدود سجني القادم.

تبددت أنفاسي في الهواء البارد

ويداي ترتجفان بلا حول ولا قوة.

كانت الأضواء تحترق  عينيّ كألسنة نار خافتة

لكن في صدري

كان الخوف ينمو كوحش متعطش لا يُروى.

شعرت بيدٍ غليظة وخشنة تقبض عليّ من الخلف

تسحبني نحو الظلام الذي أتحاشاه منذ زمن بعيد.

حاولت الصراخ

لكن صوتي ارتطم بجدار الخوف داخلي

و تحول إلى همس بائس لا يُسمع.

وما تلا ذلك لم يكن عاديًا...

قطعة قماش خشنة ضغطت على وجهي

رائحة كيميائية تغلغلت في أنفي

تحرّق مجاري الهواء في داخلي.

سكوبولامين؟

لا أعرف... لكنني شعرت به يسرقني

صرختُ داخليًا

حاولت أن أقاوم

لكن جسدي تخلّى عني

كأنه قطعة خشب لا إرادة لها.

أغمضت عينيّ بقوة

لكن لم يمنعني ذلك من رؤية ظل ذلك الوجه

بلا ملامح

تتلألأ عيناه الرماديتان

كأنهما رماد يتطاير في الريح.

عينان رأيتهما في كوابيسي

مرعبة

كالذئب الذي ظل يحدّق بي من خلف جدار الذاكرة

منذ الطفولة

حارس ظلامي الذي لم أفلح أبدًا في الفرار منه.

همس بصوتٍ خافت لكنه بارد كالجليد:

"أهلاً بكِ في جحيمي، يا أميرة روسي."

عندها

ساد الظلام

مبتلعا كل شيء في ظلمةٍ خانقة

تاركًا أنفاسي تتلاشى في الفراغ.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

silk shackles | اغلال الحرير

المؤلف Angelica_Orlando
2025/07/22 مستمرة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة