4 - درس في ترويض الارواح

4 - درس في ترويض الارواح

16 0

لا تُرهق نفسك بالبحث عن المنطق…

فالفوضى هنا ليست صدفة، بل اختيار.

لا أسعى لفهمك، ولا أطلب أن تفهمني.

اقرأ، فقط… كما لو أنك تراقب سقوطًا لا يمكنك إيقافه.

وإن بقي فيك شيء من النبض… اترك لي نجمتك ⭐

فحتى الفوضى، تحتاج لمن يُصدّقها.

----------------------------------

نابولي - 03:49 صباحًا

قصر آل روسي

فينتشينزو روسي لم يكن رجلًا ينهار عادةً...

لكن تلك الليلة كانت مختلفة. لم تكن مجرد لعنة، بل كانت نهاية حقبة.

تحطمت الطاولة الزجاجية، التي تتوسط مكتبه وتَحمل شعار العائلة كعرشٍ أزلي، تحت قبضة يده بانفجارٍ مدوٍّ.

تطاير الزجاج كشظايا خناجر حادة، تغرز في صدره وهو يتلوى في مكتبه العلوي، كوحشٍ محاصرٍ في عرينه.

كانت الكراسي مقلوبة، وأعقاب السيجار محترقة حتى أفواهها، بينما تراكم الرماد فوق الأرضية الفاخرة التي غمرها عويلٌ مكتومٌ بلا صوت.

حتى صورة ابنته الوحيدة، وهي تبتسم على شاطئ كابري، تحطّمت... انشطرت من منتصف وجهها تمامًا.

كان يزأر. لم يتحدث، لم يأمر، لم يهدد. فقط زئيرٌ أجوف، كأن الجحيم قد انفجر في حنجرته. ومض التيار الكهربائي، والضوء الخافت يرقص فوق وجهه المتغضن، كأن اللهب يتسرب من مسامه.

"لقد أُخذت..."

همسها في البدء، كأنها لا تخصه، ثم صرخ بها مجددًا حتى ارتجّت الجدران:

"لقد أُخذت! إيزابيلا!!!"

ظهر ظل فيرونيكا على عتبة الباب، رداء نومها الحريري الرمادي يتهدل، شعرها الأشقر مبعثر، وعيناها بدتا كمن بكى جثة. لكنها لم تكن تبكي الآن؛ كانت صلبةً كالصخر.

أمٌّ احترقت فيها كل المشاعر، جفّ فيها الماء منذ زمن بعيد.

"هذه عاقبة خيانتك يا فينتشينزو... هذه نتيجة نسائك، وأعدائك، وقراراتك التي دهست كل شيء في طريقها... حتى ابنتك."

اقتربت، وكل خطوة منها كانت سكينًا يغرز في قلبه، لكنه لم يتراجع.

"فيرو... ليس الآن، أرجوكِ..."

"أين كانت حراستك؟!"

ضربت صدره بكلتا يديها.

"أين كان ماركو؟!!

كيف تركتموها؟!

أرسلتها لحفلة وسط نابولي... المدينة التي يعرفها كل عدو لك!!!"

صرخ فجأة، كأن صدره تمزّق:

"مااااااركو!!!"

دخل ماركو، وجهه مشدود كأن شيئًا لا يهزه... لكن عينيه فضحتا كل شيء. كل خيانة.

"سيدي..."

"أين كانت عيناك، يا ابن الكلب؟!! كنتَ المكلّف بحمايتها!!"

تماسك ماركو، لكنه انحنى قليلاً:

"سيدي... طلبت مني بنفسها أن أبتعد. كانت تريد الخصوصية مع... حبيبها"

خرج الاسم مشوهًا، لكن فينتشينزو لم يكن بحاجة لسماعه.

لحظة... مجرد ثانية.

ثم انفجر صوته كطلقة مسدس في جمجمة مشقوقة: "ومنذ متى تتلقّى أوامرك من مراهقة؟!!"

دوت صفعةٌ في المكتب. تراجع ماركو خطوة، سال الدم من زاوية فمه، لكنه لم ينطق.

"كنتَ خادمي... فأصبحتَ خيانتي."

قالها فينتشينزو كأنها صلاة جنازة.

تراجعت فيرونيكا، تهمس:

"أُخذت من بين أيديكم... كما تؤخذ الورود من حدائق الخراب... لا أحد منكم استحقّها."

ارتجف جسد فينتشينزو، ثم انكسر فجأة. سقط على ركبتيه وسط الزجاج المهشّم، ضاغطًا قبضته على صدره.

لم يكن قلبه يئنّ... بل كان يصرخ داخله، يمزّق أضلعه. صرخات إيزابيلا في رأسه طغت على كل صوت آخر.

همس: "كان يجب أن أقتلهم جميعًا... كلهم... قبل أن يلمسوها."

03:57 صباحًا

رنّ هاتف ماركو. تناوله وتقدّم به كمن يحمل قنبلة: "سيدي... من الرقم المشفّر. القناة الآمنة."

أخذ فينتشينزو الهاتف. ضغط زر التشغيل.

فيديو.

أضاءت الشاشة.

الظلال..

الوجه...

الصوت الخافت المكبوت.

إيزابيلا.

مقيدة مجرّدة من كل شيء...

صوت أنفاسها كأنه استغاثة من قاع محيط.

شهقت فيرونيكا وسقطت على ركبتيها.

أما هو؟ فتجمّد

لم يرمش. لم يتنفس. كأن حياته توقّفت، مثل شريط الفيديو الذي عرض آخر مشهد له...

ثم ظهر وجهٌ مقنّع، ملامحه مظللة، لكن الصوت الذي خرج منه كان ساخرًا... غليظًا، كأنّه لا يأتي من حنجرة إنسان:

"اعتبرها الهدية الأولى، يا روسي... فلن تكون الأخيرة."

ثم همس:

"كم فتاة تساوي عرشك؟"

جملة نخرت عظامه، كأنها تُعيد صياغة تاريخه كله بسؤالٍ واحد... ثم تحطّم الهاتف من يده.

ساد صمت في الشاشة... قبل أن تُطفأ فجأة، كأنها اختنقت من الرعب.

في لحظة، تهاوى على الطاولة المحطّمة، الزجاج يغرز في راحتيه لكنه لم يشعر به.

انبعث زئيرٌ داخليٌّ حاد، فاق كل ما صرخ به سابقًا.

صرخ وكأن جثّته تنفجر من الداخل:

"سأقتلهم... بيديّ... سأقتلهم حتى لا يبقى من لحمهم شيء يُدفن!"

لحظة صمت ثم زلزال:

"أريد كل رجالي في الميدان... الآن!!! افتحوا خطوط الاتصالات! استدعوا فيتو! دومينيكو! ألقوا جهنم على نابولي! احرقوها نارا ! من فعلها سيموت... لكن بعد أن يتمنّى الموت ألف مرة!!"

كانت فيرونيكا تبكي بصمت. دموعها تنزل، لكنها لا تُصدر صوتًا كأنها تحترق دون لهب.

في تلك اللحظة... لم يعد آل روسي عائلة. صاروا عارًا يتنفس، ووعدًا بالانتقام.

مركز شرطة نابولي - قبل الفجر بقليل

الكرسي الحديدي تحت جسده بدا كأنه شوكٌ يغرز في أعصابه، لكنه لم يتحرك.

جلس آيدن بثباتٍ متماسك، يُخفي خلف ظهره المستقيم وهالة السيطرة... كل ما يتفجّر داخله من رعبٍ وتقصير.

كانت أنفاسه ضيقة، كأن كل شهيق يحتاج إلى إذن من حنجرة مشدودة بالذنب. قبضته مشدودة حول القلادة السوداء التي احتوت جهاز التتبع، مطوية بين أصابعه كما لو كانت قلبًا نُزع من صدره بوحشية... وما زال ينبض في كفه.

كلما اشتدت قبضته عليها، شعر كأنه يُعاقب نفسه.

تقدم الضابط، بنظراتٍ مرهقة وصوتٍ يابس كالجدار:

"نعم، كيف يمكنني مساعدتك؟"

رفع آيدن عينيه ببطء. نظراته لم تكن متوسّلة، بل صارمة رغم انكسارها:

"أبلغ عن احتمال اختطاف."

"الاسم؟"

"إيزابيلا روسي. كانت معي الليلة ثم اختفت. لا أثر، لا اتصال. جهاز التتبع تعطّل. مرّت أكثر من ست ساعات."

قالها وكأن الوقت يزن أرواحًا، لا دقائق.

رفع الشرطي حاجبيه بتوتر خافت، ودوّن المعلومة دون أن يُبدي دهشة، لكنه لم يخفِ حذره.

"ابنة فينتشينزو روسي؟"

أومأ آيدن بثبات:

"نعم. وأتوقع أن تكون هذه المعلومة كافية لتدرك جدية الموقف."

نظر إليه الشرطي نظرة طويلة، فيها شيء من الشفقة المتعبة، ثم أطرق برأسه قليلًا.

تردد في كلماته، كما لو كان يختارها بميزان الذهب:

"يا بني... أنت لا تفهم."

رمقه آيدن من فوق حاجبيه، وصوته جاء حادًا، عقلانيًا، لكن تحته ارتجاف:

"أنا ابن جيمس لورينزي، وأفهم جيدًا كيف تسير الأمور في هذه المدينة.

لكن ما لا أفهمه هو هذا الصمت المريب من سلطات يفترض بها أن تتحرك."

في داخله، كانت أصوات تُصكّ أذنيه: "تأخرت، آيدن. أغمضت عينيك للحظة. وهذه اللحظة كلفتك كل شيء."

ارتبك الضابط، وتقدم خطوة:

"سيدي، الأمر ليس بهذه البساطة. الروسي ليس رجلاً نرسل من أجله دورية عادية... إن تحركنا دون إذنه، سيُفسَّر ذلك كتدخل... أو تجسس... أو تواطؤ."

قالها بنبرة خافتة، كمن يخشى سماع نفسه.

ظل آيدن صامتًا للحظة. لم ينفجر، لم يشتم. فقط مرّر يده على جبينه، كمن يحارب أفكاره، ثم همس:

"كان يجب أن أعلم. كان عليّ أن أستبق هذا كله... لكني صدقتُ أنها آمنة.

نسيــت لحظة... من تكون، ومن أكون."

صوته خفت فجأة، ثم ارتجف فيه الحرف الأخير، كأن الجملة نفسها طعنته في عموده الفقري.

رفع عينيه للشرطي، هذه المرة أكثر عمقًا، كأنه ينظر فيه بحثًا عن كرامة مفقودة:

"أنتم خائفون منه؟ أم ممن قد يكون أخذها؟"

نظر الشرطي حوله، ثم اقترب، صوته صار أكثر حذرًا من أي وقت مضى:

"نحن خائفون من الجحيم الذي قد ينفجر إن تدخلنا."

ثم تمتم بأسماء، كل اسم فيها كصفعة باردة: "أورلاندو... آل بارتوليني... سكوفيلد؟

لا أحد يدري من تجرأ على هذا.

نحن نعيش بين الشياطين، يا لورينزي."

تنفس آيدن بعمق. لم يتحدث عن خوفه، بل عن مسؤوليته.

ذلك الخيط الصامت الذي يربطه بالفتاة التي لم يعد يعرف إن كانت على قيد الحياة... أم تحوّلت إلى شيء آخر في يد شخص آخر.

"كنت آخر من رآها... ولو حصل لها شيء، فالسؤال الأول الذي سيُطرح هو: أين كنت؟

وأنا لا أتهرّب من ذلك."

رمقه الضابط بصمت. ثم قال رسميًا:

"بلا دليل، لا يمكننا التحرك. لا فدية. لا شهود. لا دماء. لا أثر جريمة."

لم يُجب آيدن. فقط خفّض عينيه، وكأن الفشل تسلّل إلى صدره كغبارٍ سام.

ثم همس، كمن يُقرّ بحكم نهائي:

"هي ليست مجرد فتاة... كانت الشيء الوحيد الذي يعيد إليّ إنسانيتي."

جملة خرجت كأنها اعتراف أخير في محكمة الروح.

الشرطي لم يعلّق. فقط أشار نحو الباب:

"ارجع لمنزلك. وابقَ هاتفك مفتوحًا.

إن وردت أخبار... سنبلغك."

---

خرج آيدن.

لكنّه لم يشعر أنه خرج.

كل شيء داخله بقي معلقًا في ذلك المكتب، على ورقة لم تُكتب، في فم لم يصرخ، وفي اسمٍ لم يُنقَذ.

خطواته هادئة في ظاهرها، لكن داخله كان يجرّ تابوتًا من القلق والصمت والغضب المكتوم.

جلس على سلالم المركز، رأسه بين يديه، والقلادة في كفه، كأنها آخر دليل على أن قلبه لا يزال ينبض.

مرّت دقيقة. دقيقتان. لم يرفع رأسه.

الضوء الشاحب من عمود كهرباء خلفه لم يكن يكفي لطرد العتمة التي غزت داخله.

لا ضوء.

لا خيط.

ولا قانون.

نابولي نائمة... لكن الشياطين استيقظت.

.

.

.

.

.

.

.

09:32 صباحًا - مكان مجهول

استيقظتُ على شيءٍ بارد... ومنهجي.

لم يكن ضوءًا، ولا صوتًا، بل لمسة.

أغمضتُ عيني مجددًا، متظاهرة بالنوم، كأنني قادرة على خداع من امتلكني بالكامل.

لكن الأصابع لم تتردد... كانت تعرف وجهتها.

منشفة دافئة، تضغط برفق، تمسح برتابة ميكانيكية.

ثم حرارة ماء، وقطن، وسائل لا رائحة لها.

القذارة التي بين فخذي كانت عنيدة. دم جاف... ومادة لزجة... لا تزال تلتصق بجلدي، وكأنها تُعلن أن لا شيء انتهى بعد.

جسدي كان يئن تحت يدها، وأنا... عاجزة عن الحركة، كأن العار نفسه يُكبّلني.

صوتها المنخفض، الحيادي كالمطر البارد، اخترق السكون: "لا بأس... ما زال بعضه هنا... لن أترككِ هكذا."

ببطء، وبصمت تقني، بدأت بفكّ عقدة الفستان الأحمر. ذلك الفستان المشؤوم، القصير، المهين... سقط عني أخيرًا. انزلق على جلدي كما ينزلق جلد الأفعى حين تنسلخ من نفسها.

أمسكتني من مرفقي، وساعدتني على النهوض.

تعثرتُ... كأن ساقيّ لم تعودا تعرفان الأرض.

لم تنطق، فقط أمسكتني بإحكام وسارت بي بخطى باردة... لا عجلة فيها، ولا تعاطف ظاهر.

دخلنا حمّامًا رماديّ الجدران، بارد الهواء، معتم الزوايا.

لا مرآة. لا نافذة. فقط البلاط الأبيض الذي استقبل قدميّ الملطّختين كأرض محايدة لا تعبأ بمن يدوسها.

جلستني على كرسيّ صغير، وجثت أمامي.

بدأت تسكب الماء فوقي، تارة بإناء زجاجي، وتارة تمسحني بخرق قماشية.

أنفاسي كانت متقطعة. عقلي... ضباب.

روحي... علقت بين الشعور والقنوط.

حين فرغت من التنظيف، جفّفت جسدي، ثم مضت تجفف شعري بمنشفة نظيفة.

بعدها ألبستني قميص نوم قطني رمادي، واسع، خالٍ من كل أنوثة.

ثم ساعدتني على العودة إلى السرير، خطوة بعد أخرى، كما تُقاد دمية مكسورة.

ما إن جلست، حتى عادت تحمل صحنًا خزفيًا، وملعقة معدنية، وكوب ماء دافئ.

"أنتِ ضعيفة... إن لم تأكلي، سيفعل هو ذلك بنفسه."

نظرتُ إليها بصمت. تحدٍ خافت في عينيّ. حاولتُ أن أُشيح بوجهي، أن أغلق فمي.

لكن يدها أمسكت بذقني، بقوة لا ترتجف.

همست بنبرة ناعمة... أشد قسوة من أي صراخ:

"وأعدك... أنه لن يستخدم ملعقة."

فتحتُ فمي.

تسللت اللقمة الأولى، ثم الثانية. طعم الحساء بلا طعم... كالعشب المبلول، لا يمرّ بسهولة.

كان الطعام يدخل... والدموع تنزلق بهدوء دون مقاومة.

وحين فرغ الصحن، نظفت يديّ بمنديل، ثم أغلقت الستائر، وجعلت الوسادة خلف ظهري أكثر راحة تمتمت: "نامي الآن. جسدك يحتاج للسكوت أكثر من الكلمات."

أغمضت عيني... ولم أنم، بل سقطت في النوم.

كمن يغرق دون مقاومة.

اليوم التالي

07:58 صباحًا - نفس المكان

صوت خافت...

ضحكة صغيرة...

أنفاس ناعمة تتسلل من عالم آخر.

تحرّكت جفوني. فتحتُ عيني ببطء...

فرأيت وجهًا صغيرًا، يُحدّق بي.

طفل... يحمل سيارة صغيرة في يده، يقف على طرف السرير، يرمقني وكأنني كائن غريب.

تجمدت.

الطفل ابتسم، وحرّك سيارته على الغطاء:

"بييب بييب...! عمّي قال لا توقظي الأميرة."

ثم صوت أنثوي، من الخلف، رقيق لكنه حازم:

"إميليو، لا تُربكها. لقد استيقظت للتو."

غابريلا دخلت.

شعرها مربوط بإهمال.

ترتدي ثوبًا أسود بسيطًا، وتحمل كوبًا بخارُه يتصاعد.

و صحن دافئا.

اقتربت بهدوء.

وضعت كوبها على الطاولة الصغيرة، ثم جلست على الكرسي الخشبي قرب السرير.

"ليس ابن لوكا... إن كنتِ تتساءلين."

رفعتُ حاجبي ببطء.

حدّقتُ فيها للحظة، ثم تمتمت بصوت أجش:

"لماذا أنتِ هنا حقًا؟ أنتِ لستِ سجينة... فماذا تكونين؟"

لم تجب مباشرة. فقط نظرت إلى نيكو، ثم ارتشفت من كوبها قليلًا.

بعد لحظة صمت، قالت بنبرة هادئة:

"لست سجينة... لكن لا أحد هنا طليقٌ تمامًا، أليس كذلك؟"

نظرتُ إليها بحدة، محاولة أن أقرأ ما بين سطورها، لكن وجهها كان كقناع رخامي، بلا تشققات.

جذبت إميليو و هي تداعب خصلات شعره،

ثم تمتمت:

"كنت أظن أنني مجرد ساقية في حانة تعيسة، لكن ذات ليلة، سألني لوكا سؤالًا بسيطًا: هل تظنين أن هذه حياتك... أم عقابك؟

عندها فهمت أنه يرى ما لا يراه غيره."

نظرت إليّ نظرة ثابتة، دون أن تطرف عيناها:

"كان بإمكاني أن أرفض. أن أهرب. لكنه منحني بابًا مفتوحًا... وكنت أنا من خطا."

ساد الصمت.

"هل... تحبينه؟" سألتها أخيرًا.

هزّت رأسها ببطء، ابتسامة باهتة على شفتيها:

"أحب من أصبحته معه... لأول مرة، شعرت أن جسدي لا يُباع، بل يُصان."

ابتسمت غابريلا بحنان، وهي تنظر إلى نيكو الذي تسلق ليجلس في حجرها.

"أنا مدينة له... لا بحياتي فقط، بل بكوني إنسانة من جديد. حياتي معه سعيدة وآمنة، لم أعرف مثلها من قبل."

"أعطاني سقفًا فوق رأسي... وحمامًا دافئًا. لم يلمسني أبدًا إلا عندما أردت أنا ذلك. لقد منحني حياة جديدة، وحماية لابني."

اللقمة تلو الأخرى...

الملعقة تقطع الزمن، ونيكو يلهو بسيارته، يرفعها فوق ذراعي، ويضحك.

فجأة، نظر إليّ إميليو بعينين صغيرتين مليئتين بالبراءة.

"هل أنتِ مريضة؟ ماما كانت مريضة... حتى شفاها العم لوكا."

ابتسمت غابريلا بحزن وهي تربت على رأس ابنها.

حين فرغ الصحن، أخذته، ثم حملت إميليو في حجرها، قبّلته على جبينه، وسارت إلى الزاوية.

أمسكت بجهاز التحكم.

ضغطت زر التشغيل.

الشاشة أضاءت.

الصوت الأزرق انبعث من التلفاز.

غابريلا لم تقل شيئًا.

جلست مقابلي.

تحاول أن تبدو مركّزة على التلفاز، لكنها كانت تراقبني بين الحين والآخر، بعينين غائمتين بشيءٍ لا اسم له.

طفلها كان قد غفا في حجرها، رأسه مائل على كتفها، أنفاسه منتظمة.

ثوانٍ...

ثم دُفع الباب بهدوء.

التفتت غابريلا فورًا.

تجمّدت.

دخل الظلّ.

خطواته لا تُخطئها ذاكرة جسدي.

حتى وهي تصدر دون صوت... كانت تُحدث ضجيجًا في دمي.

لوكا أورلاندو.

لم يظهر وجهه كاملًا. النور في الغرفة لم يكن لصالحه، ولا لصالحنا.

توقفت يد غابريلا عن ملاعبة شعر ابنها، جسدها تيبّس، لكنها لم تنهض.

نظر إليها.

نظرة سريعة... لكنها كانت أمرًا.

وأطاعته.

نهضت، وأمسكت نيكو برفق، ثم همست لي بصوت شبه مبحوح:

"ابقِ عينيكِ على الضوء."

كانت تحاول أن تجعلها تبدو جملة عابرة. لكنها كانت شيفرة.

ومشت خارجة، تحت عينيه.

مرت بجانبه كمن يمر بين شفرات زجاج، حذرة، متأهبة، خانعة... وعيناها لا ترفّ.

ظلت عيناه عليّ.

ثم أغلق الباب خلفها.

---

لم يقترب. لم يتحدث فورًا.

وقف في الظلال، عند الجدار المقابل، كأن حضوره وحده يكفي لاحتلال المساحة.

شعرت به يُمعن النظر في وجهي، في عينيّ، في آثار الجرح الذي لم يُمحَ بعد.

أخيرًا قالها بصوته الخافت، الناعم، المشوب بشيء لا يُشبه البشر:

"كان يمكنني أن أختاركِ بطريقة أنظف..."

سكت.

ثم أضاف، وكأنه ينطق بعقيدة مقدسة:

"لكن الجمال المصقول بالوجع... هو وحده الذي لا يُنسى."

لم أعرف إن كان يمدحني... أم يُهددني... أم يبرر ذنبه لنفسه.

كل ما عرفته هو أنني لا أستطيع الحراك.

---

ثم مشى ببطء نحو الباب.

فتح الباب من جديد.

وغابريلا كانت واقفة تنتظر، كما لو لم تتحرّك من موضعها.

نظرت إليّ للحظة، ثم دخلت.

هو خرج... وكأن شيئًا لم يكن.

لكنه ترك وراءه شيئًا ثقيلًا، سُمّه لا يُرى، لكنّه يجري في الهواء... وفي دمي.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

silk shackles | اغلال الحرير

المؤلف Angelica_Orlando
2025/07/22 مستمرة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة