3 - لعنة العيون الرمادية

3 - لعنة العيون الرمادية

16 0

لا تحاول الهروب الآن…

الصفحة الثالثة ليست خلاصًا، بل هاوية أعمق.

لستُ هنا لأواسيك، ولا لتُواسيَني.

اقرأ… بصبر الغريق.

واترك لي نجمة ⭐ إن كنت لا تزال تتنفس.

فحتى الأُسرى… يحتاجون إلى شاهدٍ على حكايتهم.

----------------------------------

فجأة...

انتفض وعيي.

لا كصحوة، بل كهزّة كهربائية مرّت عبر نخاعي

فمزّقت سكون العدم داخلي.

كأن أحدهم سحبني من قاع بحيرة من تحت

طبقة أعمق من الطين.

كانت يقظة بلا اكتمال.

شعلة هشة تحاول أن تظل مضاءة

في وجه عاصفة سامة

كأنني لا أستعيد وعيي، بل أُعاد بعثي

لكن في جسد لا يعرفني... في جلدٍ لا أنتمي إليه.

رأسي...

كأن أحدهم حقنه بالغاز.

كل فكرة تحاول أن تولد تحترق

كأنني أتنفس بخارًا سامًا

وكل شهيق هو خيانة جديدة لجسدي.

أشعر أن جمجمتي ممتلئة بالرصاص السائل...

تتأرجح ثقيلة، مهددة بالانفجار مع كل نبضة.

ركّزت...

أرضية صلبة تحت ظهري ٬باردة، قاسية

كأنني أُمدّد فوق صفيح حديدي في

صالة تشريح باردة.

البرودة تسري من أسفل عمودي الفقري،

كأن أحدهم يصبّ نيتروجينًا سائلًا في عروقي.

ثم... الألم.

انفجر، فجأة، بلا مقدمة.

في معصمي أولًا

حبال مشدودة، خالية من أي رحمة

تُغرس في جلدي كما تُدقّ المسامير

في توابيت الضحايا.

لم تكن مجرد قيود...

بل أشبه بكائنات واعية، تقبض عليّ كأنها تعرفني.

كأن كل خيط منها يحمل ذاكرة خاصة بي

يعرف مواضع الضعف، مواضع الألم،

ويضغط عليها بلذّة خبيثة،

كما لو أنه يتغذى من ارتعاشي.

أمرت يدي بالتحرك...

لكن لا شيء استجاب.

كأنها جسد غريب، منفصل عن إرادتي،

كأنني أرسل إشارات إلى فراغ.

أما كاحلاي...

فكأنهما بؤرة الألم

كل مفصل فيّ كان يتلوى صامتًا،

يصرخ بلا صوت،

وصدى ذلك العذاب

ارتدّ في رأسي كطنين

ينقر أعصابي بنبض لا يُطاق.

كانت يداي ترتجفان...

لكن الحبال لم تسمح حتى بذلك،

بل امتصّت الرجفة كإسفنجة عطشى

كأنها لا تطيق اي أثر للمقاومة.

بدت كمن تطالب بخضوعٍ مطلق

بلا شرط... بلا صوت.

فكرت أن أصرخ.

لا لأستنجد

بل فقط لأتأكد أنني ما زلت أملك شيئًا يخصني...

صوتي، ربما.

لكن شيئًا ثقيلًا، بلا شكل

كرطوبة متعفّنة تسكن الرئتين

جثم على صدري.

كأنني غارقة تحت البحر...

وموجة مشوّهة تحاصرني

تضغط عليّ لا لتغرقني

بل لتنتظر لحظة استسلامي.

أغمضت عيني...

أو ربما فتحتُهما لم يعد هناك فرق.

الظلام صار متجانسًا.

ما في الخارج يُشبه ما في داخلي.

كل شيء انسحب

الألوان، الأسماء، الاتجاهات...

كأن العالم أدار ظهره

وتركني في فراغٍ لا شكل له...

سوى القيود.

مددتُ وعيي كما تُمد يد وسط دخان

فقط لأتحسس مَن تبقّى مني.

أردت أن أتحسس ملامح جسدي...

أن أجد خطًا، انحناءة، دفقة دفء تدلّ عليّ.

لكن كل محاولة

كانت كمن يمدّ يده في غرفة مشتعلة

وكل ما يلقاه...

رمادٌ يتناثر.

أين أنا؟

لم تكن عبارة كاملة.

بل سؤال خرج من نخاعي، لا من لساني.

كأنه ذعر قديم وجد طريقه إلى السطح

وكل ما كان حولي...

الهواء... الحديد... الصوت...

أجابني بصمتٍ ثقيل،

كأن الإجابة ليست مهمة.

المهم أنني موجودة هنا

ومعلّقة بين أن أكون ضحية... أو نجاة مؤجلة.

كل شيء يهمس، لا، يصرخ:

أنتِ لستِ في سريركِ الدافئ.

أنتِ لستِ حرّة.

الغرفة...

فخمة؟

نعم.

لكن الفخامة هنا ليست امتيازًا... بل فخًا.

كأنها قصر وُلد من كابوس،

أنعم ما فيه يلوّح بالخطر.

سقفٌ شاهقٌ يذوب في ظلال مائلة

أعمدة حجرية داكنة تقف كحراس صامتين

وأرضية من رخامٍ أسود، لامع

كأنها مرآة من جهنّم تعكس سواد روحي العالق.

الستائر ثقيلة، سوداء، تُخنق بها حتى الأشعة.

ولا أثر للضوء إلا عبر زجاج ملوّن متشقق

يشي بتاريخٍ من عنف لم يُدوّن... بل تُرك لينزف.

الثريات تتدلّى من العلوّ، باهظة،

جميلة كالفخاخ

كأنها تنتظر أن تنهار عليّ فجأة.

كل شيء يوحي بالبذخ

وكل شيء يهمس في أذني:

"هذا قبرٌ من ذهب."

---

عيناي بالكاد تنفتحان.

كل رمشة كخنجر

كل خفقةٍ في الرأس صرخةٌ مكتومة.

كنت مخدّرة...

لكن دون مستشفى، دون طبيب، دون شرح.

هل مرّت ساعات؟ يوم؟ أكثر؟

لا أدري.

الزمن تكثّف في كتلة صماء، بلا ملامح.

وأول سؤال قفز وسط الغشاوة:

من يجرؤ؟

أنا إيزابيلا روسي.

ابنة فينتشينزو روسي.

ابنة زعيم مافيا نابولي.

من امتلك الجرأة ليضعني في قفص؟

وفي قصر كهذا؟

---

الكاميرا في الزاوية

تتوهج بنقطة حمراء

تتحرّك بعدسة بطيئة

تراقبني كما يراقب الصيّاد فريسته...

بعد أن ضمن أن الفخ أُحكم.

---

همست لنفسي

لكن صوتي خرج كصوت طفلة مذعورة تصارع للبقاء:

"علي ايجاد...مخرج."

المرآة المشروخة في الزاوية.

سبعة وجوه تنظر إليّ من انعكاسها.

كلها لي.

كلها تصرخ.

كل وجه يحمل ألمًا مختلفًا.

انعكاسٌ مشوّه لسبع نسخ مكسورة مني.

.

.

.

.

طرقة خفيفة على الباب.

.

.

.

.

ثم صوت الباب يفتح ببطء،

يئنّ كأنه روحه تعذبت طويلاً

امرأة طويلة، مشيتها هادئة أكثر من اللازم، كأنها

شبح ينساب في الظلام وجه باهت... كأن الحياة

نسيت أن ترسم عليه ملامحها.

عينان خاليتان، بلا أي شرارة.

شعرها الأشقر منسدل بإهمال على كتفيها.

أنوثة مكسورة، محطمة.

تشبهني.

بل تُشبهني كثيرًا، كأنها مرآة عكستني بشكل مظلم.

لكنها ليست أنا. بل نسخة... مشوّهة، مهزومة.

تقدّمت نحوي كما لو كنت قطعة أثاث لا قيمة لها

أو لوحة عتيقة فقدت بريقها.

همستُ، بصوت مشروخ بالكاد يخرج من حلقي:

"مَن... أنتِ؟ ما الذي... يجري؟"

لم تجب مباشرة. انحنت نحوي، همست ببرود قاتل

كلماتها جليد ينفذ إلى عظامي

رفعت حاجبها، وقالت بابتسامة باهتة:

"أنا النسخة الرخيصة منكِ، إيزابيلا."

تجمدت.

ارتجف قلبي، كطائر محبوس يحاول الهروب.

"ما الذي... تقولينه؟"

"أنتِ السبب. أنتِ لعنة دخلت حياته... وأنا كنتُ الهامش."

همست بها كمن يُسدّد ضربة خلف قناع من نُبل.

توجهت نحو طاولة صغيرة.

فتحت درجًا، وأخرجت مقصًا لامعًا كعين وحش.

اقتربت، نظرت إلى ملابسي الممزقة.

قصّت فستاني الممزق من منتصفه دون تردد، كأنها تقص ورقة بالية.

صرختُ، لكن صوتي كان ضعيفًا:

"توقفي! ماذا تفعلين؟!"

أخرجت من حقيبة صغيرة فستان نوم أحمر قصير. مشؤوم، مثير، مهين...

كل صفة تصف هذا الليل الكئيب.

"هذا... سيعجبه. اللون الأحمر يشعل ناره.

يحب ما لا يجب أن يملكه."

هتفتُ بذعر:

"أنتِ مريضة... ابتعدي!"

.

.

.

"صفعة "

.

.

.

لم تكن قوية... لكنها حملت ثقل سنوات من الاحتقار والألم المكبوت.

"اصمتي."

جاء صوتها كختمٍ على صفحة لن تُفتح مجددًا.

بدأت بإلباسي الفستان.

أصابعي حاولت المقاومة، لكن الجسد خذلني، خانني.

لمستها كانت كأنها جليد يُحقن في وريدي

يجمد دمي.

تمتمت، وعيناها تحدقان في اللا مكان:

"لو لم تولدي بهذا الوجه... لو لم تريه يومًا...

لكنتُ أنا كل شيء."

نظرتُ إليها و في عينيّ رماد، لا يأس بل خوفٌ

يتراقص فوق جمرٍ لا يُطفأ:

"تدّعين كراهيتي، ومع ذلك لا تبتعدين... لماذا؟"

استدركت بجفاف كمن يضع نقطة النهاية:

"لأني أعرف... حين يراكِ، لن تعودي كما كنتِ.

وأريد أن أرى ذلك."

اندفعت الكلمات من حنجرتي بلا وعي،

فقط غريزة بقاء:

"لا أريده... لا أعرفه... فقط اخرجيني من هذا المكان"

همست كأنها نبوءة لا يمكن دحضها:

"لوكا لا يحبّ كغيره... حبه قيد.

وإن أصبح حبكِ له حقيقة، فخروجك سيكون خرافة."

رمقتها، فوجدت في عينيها ذعرًا لم يكن مني...

بل من مصيري.

كأنها لا تراني أنا... بل ترى نفسها قبل السقوط.

عينها لم ترمش

لكنها كانت تلمع بندمٍ مدفون في أعماقها

كأنها تشاهد مشهدًا يتكرّر عبر الزمن

بنفس الألم، بنفس المصير.

مرت لحظة بيننا... ثقيلة، صامتة

لحظة شعرتُ فيها أن كل ما أعرفه عن هذا المكان

سيتغير.

اقتربت خطوة، ثم تراجعت، كأن مجرد بقائي قربها

يُربك شيئًا داخلها.

و قبل أن يسدل الغياب ستاره عليها

استدار جسدها، لكن رأسها بقي نصف ملتفت إليّ

كان في صوتها شيء من الحطام...

كأن القلب نفسه يطلب الرحمة.

خرجت كلماتها كوصية تُقال على عتبة الجحيم

وبين ثنايا صوتها ارتعاشة خائفة

كأنها تدفعني نحو فم الوحش...

وهي عاجزة عن التراجع:

"حين يأتي... لا تنظري في عينيه طويلاً.

كانت نظرتي الأولى إليه... آخر قرار حرّ اتخذته.

لا تكرّري خطيئتي."

ثم نظرت إلى الأرض، كمن يُصلي دون إيمان

وسارت بخطوات سريعة نحو الباب

خرجت.

وتركتني وحدي...

لا مع ذاتي فقط

بل مع شبحها الذي التصق بالجدران

مع رجفة صوتها العالقة في الهواء

ومع لعنات لا أعرف إن كانت لي...

أم أننا سنتقاسمها، أنا وهي، للأبد.

.

.

.

.

.

السكينة التي سقطت فجأة لم تكن سلامًا...

بل حكمًا مؤبدًا.

كأن كل ذرة في المكان تُحدّق بي، تنتظر سقوط روحي قبل جسدي..

إلى أن دخل الجحيم على قدميه.

خطوات بطيئة، موقّعة...

لا تمشي بل تُزفّ كطقوس جنازة صمتي.

هو لم يدخل الغرفة، بل تسلّل كقدرٍ محتوم...

الجلاد الذي جاء ليقتات على ما تبقّى من هويتي.

وصل

.

دور المقبض لم يكن حركة... بل إصدار حكم.

الباب لم يُفتح

بل انشقّ كجرح قديم يُنبَش بظفر الغياب.

ثم دخل... لا كزائر، بل كمن يملك المكان... والمصير.

حضوره لم يملأ المكان... بل سحقه.

كأن الجدران نفسها انكمشت، تتآكل تحت وطأة ظله.

وجهه؟ قسوة متجسدة، منحوت من صخرٍ شرب الكراهية حتى التخمة.

وعيناه الرماديتان... يختمر في سكونها وعدٌ بالفناء

لم أنظر إليه مباشرة.

لكنني رأيته.

بزوايا عيني التي لا تزال ترفض الانكسار.

بقلبٍ لم يُرمَّم، لكنه لا يزال ينبض... عنادًا، لا أملًا.

لم يتكلّم فورًا.

حدّق في وجهي كما لو أنني قطعة فنية نادرة...

مشروخة، مطموسة بتصدّعاتها، لكنها

لا تزال تُشعل شهوة الامتلاك في عينيه.

ثم...

تلك الحركة على شفتيه لم تكن ابتسامة.

بل ارتجافة ندبة قديمة،

شوهها الزمن... لكنها ما زالت تنزف.

صوته خرج خافتًا، خشنًا

كأن كلماته تُنقش بأظافر صدئة على جدران روحي:

"إيزابيلا روسي... حتى الحديد انحنى لثقل لعنتك."

اقترب خطوة واحدة فقط

لكنها مزّقت شيئًا داخلي...

كأن كل ثانية منه

تعادل صخرة تُنزل ببطء على قلبي.

ألقى بها كمن يُلقي حكمًا لا استئناف له:

"لم أشتري هذا القصر فقط يا صغيرتي...

اشتريت كل الأصوات التي قد تنقذك."

ابتسامة أخرى... جليدية، مقززة.

"ماركو؟ كان أرخص مما توقعتِ."

رفعت نظري نحوه رغم الرعب.

نظرت، فقط لحظة،

بكراهية. بنفور.

لم أكن شجاعة... لكنني كنتُ لا أزال حية.

قال ببرود:

لا تتظاهري أنكِ لا تذكرينني.

بل تذكّري... جيدًا."

همستُ، صوتي مبحوح، ممزق:

"ما الذي تريده مني؟!"

اقترب أكثر.

جلس أمامي، بعينيه التي تفتش في داخلي عن شيء ليكسره.

"لا ترفعي حاجبيكِ كأنكِ لا تعرفينني...

أنا الجرح الذي حاولتِ إنكاره في كل مرآة."

والآن؟

عدتُ لأجعل غيابكِ يحترق كما احترقتُ أنا...

ولا شيء في داخلي يريد النجاة."

واليوم؟ أستعيد رمادي. أُعيد بناء ما دمرتِ."

أردت أن أصرخ أنني لا أذكره

لا أذكره سوى كظلٍ في زوايا الخوف

كوجهٍ مشوّه في كوابيسي....

لا كحقيقةٍ لها اسم وصوت.

لكني كنتُ أختنق.

وفجأة...

رنّ هاتفي في جيب سترته.

ذلك الاهتزاز الضئيل الموحش شقّ الصمت كنصل

سُمع صوته رغم خفوته...

لأن اللحظة كانت تصرخ بالترقّب.

لم يتحرك مباشرة.

أخرج الهاتف ببطء، كأنّه يعرف ما سيقرأ.

حدّق بالشاشة.

وفي اللحظة التي استقر فيها اسمه على عينيه...

تبدّل كل شيء.

اظلمت عيناه.

كأن ستارة سوداء أُسدلت على روحه

كأن كل الرماد الذي ادّعى ترميمه عاد يحترق في

حدقتيه.

شفته السفلى شدّت على نفسها.

أنفاسه تغيّرت.

شيء ما انكسر... أو انكشف.

رفع الهاتف.

ضغط زر المكالمة

فتح مكبّر الصوت.

وصوت آيدن...

شقّ الجدران، مزّقني، بعثر هشاشتي فوق البلاط:

"إيزابيلا؟! أرجوكِ قولي إنك تسمعينني!

أين أنت بحق الجحيم؟!لماذا لم تتواصلي معي؟!

لا رسالة... لا اتصال... حتى كلمة واحدة!"

لقد اختفيتِ فجأة!

قلادتك... وجدناها مكسورة، ماذا حدث؟!"

لوكا لم يرفّ له جفن.

ضغط على الشاشة.

أغلق المكالمة.

ورمى الهاتف أمامي كمن يلقي بجثةٍ غير مهمّة.

"فارس أحلامك..."

قالها ببرود قاحل، يقطر سمًّا:

"لا يستطيع حتى أن يحمي ظلك."

ثم...

بدأ يفتح أزرار قميصه.

لا كمن يخلع ثوبًا...

بل كمن يجردني من آخر وهمٍ بالأمان.

كل زرٍ يُفتح... ...كأنه ينتزع شظية من كرامتي.

وصوت الطقطقة...

كإعلان بطيء لانهيار ما بقي منّي واقفة.

الوشمُ انكشف ببطء أفعى تلتفّ على عضده،

تتلوى كأنها حية...

تنتظر اللحظة المناسبة لتغرس أنيابها.

خطيئة...

نارٌ كامنة تحت الجلد...

وشهوةُ هاوية تتسلّى بي من بين أنيابه.

تجمّدت، لكن صوتي اخترق الغصة، صوت هشً

يرتجف كقلبي... لكنه خرج:

"لا تلمسني. لا تجرؤ حتى على الاقتراب."

"انت لا تملك الحق حتى بأن تنطق اسمي...

فكيف تظن أنك تملك جسدي؟"

تقدّم نحوي، يتكلم كأن صوته يسبح في الفراغ...

وحده يتردد، يحتلّ كل شيء:

"أنا لا أؤذي ما أملكه... أنا أخلّده."

"

كما ان السياسة لن تنفع لذا سأحتلك ثم نتفاوض "

همسها بدا كصلاة... لا وهم.

كأن قلبه ركع لها دون وعي.

شهقتُ...

لكن الصوت خرج خافتًا

كأن الهواء نفسه لا يجرؤ على الوقوف ضده

حاولت أن أركله.

أن أصرخ.

أن أضرب بأي شيء... حتى بأظافري.

لكن كل شيء فيّ خانني.

دافعت بعيني أولًا...

ثم بصوتٍ مرتجف لا يسمعه سواي...

ثم بدموعٍ لم تستأذنني.

لكن جسدي...

كان خذلانًا مُطلقًا.

ثقيلًا، مرهقًا

كأنه لم يعد لي.

صرخت في داخلي.

صرخت باسم أمي

باسم الطرقات التي كبرتُ فيها

باسم اسمي الذي يُذبح الآن.

تخيلت نفسي أعضّه.

أن أغرس أظافري في عينيه.

أن أقتله.

أن أهرب.

لكن يداي لا تتحركان.

ساقاي مثل جثتين تحت جسدي.

صوتي خانني.

لكني لم أخنه.

لم أطلب رحمته.

لم أنظر برجاء.

لم أستسلم... رغم كل شيء.

كان يطفئني...

وأنا أقاوم في داخلي.

أقسمتُ في سري أنني لن أنسى.

لن أغفر.

انكسر الضوء في عيني...

كل شيء صار رماديًا.

كانني أُدفن حيّة في جسدي.

الملاءة كانت لزجة، قذرة، ملتصقة بي كجلد ذلّ.

رائحة العرق، دمي، دموعي... تلطخني.

أريد أن أُخرج نفسي مني.

أن أنسلخ من نفسي

أقتلع روحي من بين أضلعي.

لكنني رفعت رأسي.

نظرت إليه وهو يجلس بجانبي، كأن شيئًا لم يكن.

كأنني لم أصرخ. لم أحترق. لم أنهَر.

سحبتُ أنفاسي بصعوبة...

كأن الهواء نفسه يخجل من الدخول.

لم أعد أرى التفاصيل من حولي بوضوح،

كل شيء بدا ضبابيًا، كأن الغرفة تسبح تحت الماء.

عيني ارتفعت ببطء... بلا وعي تقريبًا.

نحو السقف.

وهناك...

ضوء أحمر صغير يومض، خافت...

لكنه قاسٍ.

كاميرا.

تلمع كفضيحة لا تُغتفر... ولا تُنسى.

تُسجّل.

تُوثّق.

كل شيء...

همس بصوته المدفون في أضلعي:

"جهّزت لكِ ركنًا في عذابي... مريح بما يكفي لتبقَي.

مكانٌ لا أحد يدخله... ولا أحد يخرج منه.

ولن يأخذك مني أحد... لا بشر، ولا حتى الزمن."

لكنني لم أدمع أمامه.

بل حبستُ وجعي خلف جفنيّ

كأنني أرفض أن أُعطيه انتصاره.

احتفظتُ ببكائي لنفسي

وكرهته... بصمتٍ لم يصدر صوتًا، لكنّه ملأني.

وقف.

ارتدى قميصه ببرود لا يليق إلا بالجلادين.

أخذ الهاتف عن الطاولة، ضغط الزر.

• إرسال •

صوته جاء ملوّثًا بالثقة:

"ما أرسلته كافٍ ليُفهم والدك أنني أعدتُ تشكيلك..

على طريقتي."

نظر إليّ...

نظرة لم تكن وداعًا، بل خَتْم ملكيّة.

وقال بصوتٍ منخفض، كأنه يعدني بلعنة:

"لن أفرض نفسي عليكِ...

بل سأنسجني فيكِ، خيطًا بخيط...

حتى تضيع ملامحك في وجهي.

وحينها...

لن تبكي للخلاص، بل لأجل البقاء."

ثم استدار.

وخرج.

أغلق الباب...

لكن صداه بقي في صدري

وأنا بقيت في ليلٍ لا نهاية له.

**

أنا هنا... لكنني لا أسكنني.

كأنني جُردت منّي، وتركتُ مجرد صدفة خاوية.

أضمّ ركبتي إلى صدري

كأنني أحاول احتضان شبح يوشك أن يتلاشى.

أبحث عنّي... فلا أجد سوى فراغ يئن.

أكره ملمس السرير.

كأنه يشهد عليّ. كأنه يعرف... ويصمت.

لكنني ما زلت أتنفس.

لم أمت.

وذلك بحد ذاته... جريمة.

زحفت.

يدي تبحث عن الخلاص

عن شيء يُمزّق هذا القماش القذر

هذا الفستان الذي أصبح جلدًا دخيلًا عليّ.

أردت أن أخلعني من جلدي...

أن أستأصل الجزء الذي دُنِّس.

لكني فتحت عينيّ أكثر...

كأنني أرفض أن أسمح له بالانتصار.

أنا إيزابيلا.

إبنة فينتشينزو روسي.

نزفت الاسم من بين أسناني كتعويذة، كتهديد.

أسندت راحتي المرتجفتين على الجدار، وضربت.

ضربة.

ثانية.

كل ضربة تقول: أنا هنا.

كل وجع يصرخ: لم أنكسر.

ثم سقطت.

برد الأرض احتواني ككفن...

أنا بداية أخرى...

لست كما كنت، بل كما صاغتني النار والرماد.

مشوّهة؟ ربما.

لكنني حيّة، أتنفس... وأتعلّم كيف أعود، بضراوة.

لا أنشد الجمال بعد الآن...

بل الوضوح، والانتقام البطيء

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

silk shackles | اغلال الحرير

المؤلف Angelica_Orlando
2025/07/22 مستمرة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة