لا تُعدّل وضعيّة جلوسك…
فأنت الآن في قلب الحريق، لا على أطرافه.
هذا ليس نصًا… بل بقايا.
كل حرف هنا نُزف، لا كُتب.
لا وعدَ بالخلاص، ولا فسحة للشفقة.
اقرأ، إن كنت تجرؤ.
واترك لي نجمتك ⭐ إن شعرت بأن الرماد وصل عينيك.
فهذه الصفحة… لم تُكتب لتُعجبك، بل لتحرقك ببطء.
----------------------------------
•
صوت التلفاز كان مرتفعًا أكثر من اللازم، أو ربما كان قلبي أنا من يضجّ بالضجيج.
جلست غابريلا قربي، ملامحها جامدة كأنها تجبر نفسها على الثبات.
لم تقل شيئًا، لم تفعل شيئًا سوى تثبيت نظرها على الشاشة.
وأنا...
شعرت وكأنني أتفكك من الداخل، قطعة بعد أخرى، بينما اسمي يطوف فوق إيطاليا كفضيحة في زمن لا يرحم.
🔴 عاجل - TG1 RAI - بث مباشر من روما
القناة الوطنية الأولى في إيطاليا
تبدأ التغطية بصوت صفارات إنذار حادة، ومقاطع مصورة تظهر حرائق صغيرة تشتعل على أطراف أحياء نابولي، سيارات شرطة تصرخ، ووجوه غاضبة تصرخ في الهواء.
عناوين تتوالى على الشاشة بخط أبيض على خلفية سوداء داكنة:
📍 "48 ساعة على اختفاء إيزابيلا روسي!"
📍 "الرأي العام يشتعل... هل اختطفت؟ أم هربت مع حبيب سرّي؟!"
📍 "فيديو مُسرّب يعيد طرح الأسئلة: شرف أم خيانة؟ ضحية أم فاعلة؟"
الاستوديو
{المذيعة "ليديا موريلّي" تجلس بظهر مستقيم، ترتدي بدلة رمادية صارمة، شفاهها مشدودة}
ليديا (تنطق ببطء، كل كلمة كالسهم):
"مساء الخير. نحن معكم في تغطية خاصة لقضية اختفاء إيزابيلا روسي، الفتاة التي غادرت قصر عائلتها في ظروف غامضة قبل ثمانٍ وأربعين ساعة، ولم تُشاهد منذ ذلك الحين. القضية تتصاعد، التحقيقات تتسارع، والجدل يحتدم."
المذيع فرانكو ريتشي (ينضم بصوت أكثر حدة):
"لمحات من فيديو مُسرّب تم تداوله خلال الساعات الماضية يُظهر الشابة في وضع مثير للقلق، يُعتقد أنه التُقط في لحظة اختفائها، أو لحظات بعدها.
الفيديو انتشر بسرعة على الإنترنت، وتناقلته أبرز الصحف الإيطالية والعالمية."
ليديا:
"الشرطة لم تؤكد بعد صحة الفيديو أو مصدره، لكن انتشاره الواسع زاد من حدة التكهنات. هل تم اختطاف إيزابيلا بالفعل؟ أم أنها شاركت في هذا 'الاختفاء' بإرادتها؟"
"وفي تطوّر آخر، ما زالت الشرطة ترفض التعليق على أسئلة متكررة تتعلق برجل الأعمال الغامض لوكا أورلاندو، أحد شركاء آل روسي السابقين في استثمارات الجنوب.
اسمه طُرح في بعض المنتديات الإلكترونية كأحد الأسماء المرتبطة بشبكات خاصة...
دون تأكيد رسمي."
{ينتقل البث إلى المراسلة "إيميلي كاستيلّي"، تقف في برد نابولي أمام بوابات قصر آل روسي، تحيط بها كاميرات وصراخ الصحفيين.}
إيميلي (بوجه متجهم):
"الليلة، القصر مغلق تمامًا. لا تصريح رسمي من فينتشينزو روسي، ولا ظهور علني لأفراد العائلة. لكننا حصلنا على تصريح خاص من المتحدث باسم العائلة، السيد جوليو كورّادو، هذا ما قاله لنا قبل دقائق:"
{لقطة لجوليو كورّادو، يرفع ورقة بين يديه ويقرأ بنبرة متوترة:}
"باسم عائلة روسي، نؤكد أن الفيديو المنشور لا يُظهر الحقيقة كاملة، بل تم التلاعب به.
نُحمّل الجهات الإعلامية التي أعادت بثه مسؤولية نشر الإشاعات وتشويه صورة فتاة لا تزال مفقودة."
"إيزابيلا لم تكن على علاقة بشخص من خارج الدائرة العائلية. لا يوجد ما يدعو للشك بشرفها أو دوافعها.
هي ابنة آل روسي، وهذا يكفي."
"نطالب الشرطة الإيطالية بسرعة التحقيق ومعاقبة من سرّب الفيديو."
{يعود البث إلى الاستوديو:}
فرانكو:
"لكن عاصفة الشكوك لم تهدأ. وسائل الإعلام الأجنبية بدأت تتحدث عن علاقة خفية جمعت بين إيزابيلا وآيدن آل لورينزي، نجل أحد أعتى رجال السياسة في روما."
ليديا:
"صور قديمة انتشرت كالنار في الهشيم. مقاطع تُظهرهما في نزهة، في حفلة جامعية، وحتى في لحظات خاصة.
هل كانت العلاقة سرية؟ هل كان الهروب بدافع العشق؟ أم كان الشاب نفسه جزءًا من عملية الاختفاء؟"
{لقطات تُعرض: صورة على الدراجة النارية. صورة أخرى لآيدن يضحك بينما امسك بيده. وأخرى، غامضة،
تُظهرنا نتحدث في زاوية مظلمة من حفلة راقية.}
---
لقطة مباشرة من المراسل باولو جيرالدي، أمام مركز الشرطة في نابولي:
باولو (يرتدي سترة داكنة، يتحدث بسرعة مهنية):
"الشرطة الإيطالية، بقيادة المفتش أليساندرو دي سانتي من فرقة الجرائم المنظمة التابعة لـ DIA - Direzione Investigativa Antimafia، أعلنت قبل قليل أنها تتعاون مع وحدة تحليل الجرائم الرقمية،
إضافةً إلى تعاون غير مباشر مع وحدة من الـ FBI الأمريكي بعد التأكد من امتداد الشبكة الرقمية المسؤولة عن تسريب الفيديو إلى خارج البلاد."
"المفتش دي سانتي صرّح قائلًا:
'الفتاة مفقودة، ونحن نتعامل مع القضية كجريمة محتملة تنطوي على اختطاف منظّم من طرف جهة مجهولة. أي تلميحات بتورطها شخصيًا دون أدلة واضحة تضرّ بالتحقيق وتخدم الجهة التي نشرت الفيديو.'"
ينهي باولو التقرير قائلًا:
"وفي خلفية التحقيق، سُجلت محاولات من الصحفيين للربط بين الحادثة واسم رجل الأعمال المعروف في الجنوب الإيطالي، لوكا أورلاندو.
لكن السلطات الأمنية امتنعت عن التعليق، ورفضت تأكيد أو نفي وجود أي صلة له بالقضية."
"ومع كل ساعة تمر، يزداد الضغط الشعبي، وتتصاعد نيران الغضب في شوارع نابولي."
[عودة إلى الاستوديو:]
ليديا:
"مصادرنا داخل أجهزة الأمن أشارت إلى احتمال تورّط جهات مافياوية لم تُذكر بعد في العلن، وتحذيرات وُجهت لبعض الصحفيين بشكل غير رسمي."
"ووسط هذه الفوضى... صمت والد آيدن لم يدم طويلًا. البرلماني جيمس آل لورينزي، المعروف بذكائه السياسي، اضطر للظهور في مؤتمر صحفي قبل ساعة.
إليكم ما قاله."
• مقطع مُسجل: جيمس آل لورينزي يقف خلف منصة برلمانية، أعصابه واضحة في صوته
رغم محاولات التحكم:
"ابني لا علاقة له بهذه المهزلة. إن كانت هناك معرفة سابقة مع الآنسة روسي، فهي لا تتعدى علاقة صداقة سطحية. لم يكن بينهما شيء، ولن يكون.
لا نسمح بتحويل اسم عائلتنا إلى كبش فداء."
"أطالب وسائل الإعلام بإيقاف هذا العبث. ابني ليس متورطًا في أي جريمة، وعلى الشرطة أن تُركّز على المجرمين الحقيقيين، لا على الشائعات."
العودة للاستوديو، حيث تختتم ليديا النشرة بنظرة مباشرة إلى الكاميرا:
"بين الادعاءات، والتسجيلات، والتصريحات... تبقى الحقيقة مختبئة، مترددة في الظهور. إيزابيلا روسي
بين قصر العائلة، وظلال المافيا، وقلوب الإيطاليين ليست مجرد فتاة مفقودة... بل لغزٌ معقّد يُعيد رسم ملامح الجنوب."
.
.
.
تنتهي التغطية بلقطة لي وأنا أضحك قرب البحر، وعنوان مكتوب على الشاشة:
"هل كانت ضحية؟ أم ذريعة للحرب؟"
مستمرون في التغطية - TG1 RAI
انتهى البث، وعادت الغرفة إلى صمت ثقيل، فقط أنفاسي واهتزاز في صدري لا يتوقفان.
كأنني خرجت من الشاشة لتوّي.
من بين جثث الأخبار، من بين العناوين المشوهة.
غابريلا أغلقت التلفاز.
مرّت لحظة ثقيلة، صمت مشبع برائحة الرماد، كأن الكلمات خائفة من الخروج.
كنت انام وكأنني على أهبة الاستيقاظ... جسدي يظل نصف يقظ، كأن النوم الكامل ترفٌ لا املكه.
جسدي تعلّم منذ الطفولة أن لا يستسلم تمامًا، أن يبقى متحفزًا... في ترقّبٍ دائم لتهديدٍ لا اسم له.
ثم همست غابريلا، بصوت منخفض:
"ما أسهل أن يصبح جسدك... مادة خام للإعلام."
"وما أصعب أن يقاتل اسمك... لينجو من التشويه."
نظرت إليها
أردت أن أقول شيئًا...
أن أحتج، أن أصرخ، أن أقول "أنا أعرف من أنا!"
لكن لساني كان مشلولًا.
وكل ما استطعت فعله، أن أُطبِق جفنيّ، وأحبس شهقة...
شهقة كانت تئن من قلبٍ... اسمه يُذبح على كل شاشة.
كانت هذه هي المحاكمة الحقيقية.
لم تكن في قاعة محكمة، بل في عيون الناس،
في ضحكات الإعلام الساخرة، وفي نظرات الشفقة أو الاشمئزاز التي سأراها في عيون كل من حولي لو قدر لي أن أخرج من هنا حية. لقد حكم عليّ لوكا بالإعدام الاجتماعي.
-----
روما، فيلا آل لورينزي
اليوم الثالث لاختفاء إيزابيلا | الساعة 01:11 بعد منتصف الليل
المدينة تنام، لكن النور في الطابق العلوي من فيلا آل لورينزي لا يزال مشتعلًا. وراء باب غرفة مخصصة بالكامل للتكنولوجيا، كانت هناك عاصفة.
جلس آيدن أمام ثلاثة شاشات عريضة تتوهج ببياض البرامج والبرمجيات، أصابعه تتحرك بعصبية على لوحة المفاتيح الميكانيكية.
لم يكن هناك صوت سوى أنفاسه المتسارعة، ونبضه الذي يُدوّي في أذنه كقصف.
فتح نافذة سوداء من سطر الأوامر، كتب كود دخول طويل أنشأه بنفسه قبل عامين، مخصص لاختراق سيرفرات الطرف الثالث بنظام "CROWLOCK" التابع لحماية ممتلكات آل روسي.
ثم ثبّت وصلة USB خارجيّة على حاسوبه الرئيسي تحتوي على أدواته الخاصة: Brutus+ Hydra + PacketSniff وملفات بوتات مخصصة لتجاوز الفايروال المتقدم لعائلة روسي.
بدأ العمل باختراق أحد الأجهزة المرتبطة بسيرفر الكاميرات الداخلية للقصر. راقب الشبكة حتى التقط نقطة الضعف: منفذ مفتوح غير مشفّر في سيرفر قديم خلفي لم يُحدَّث منذ ستة أشهر، تركته تيسا مسؤولة أمن الشبكة دون إصلاح.
ضغط على زر Enter.
بدأت العملية.
التحميل كان بطيئًا.
العرق سال على جبينه.
قلبه يدقّ بجنون كأن روحه كانت تترقّب الحقيقة قبل أن تصلها.
...ثم فتح الملف.
كاميرا من زاوية علوية لغرفة مظلمة.
فتاة... عارية جزئيًا...
تصرخ.
تقاوم.
تهتزّ.
يُسمع صوت، صوت خافت وعميق، لا يظهر وجهه أبدًا، لكن يده، طريقته تكشف كل شيء.
آيدن شهق.
نهض فجأة، دحرج الكرسي خلفه، ثم انحنى أمام الشاشة، عينيه لا تصدّقان.
لا...
لا...
مستحيل.....
مستحيل أن تكون هي...
مستحيل من يكون هذا...
الدم ابتلعه من حلقه.
صرخ.
ضرب بقبضته الطاولة حتى انكسرت زجاجتها الصغيرة.
ثم عاد ليشغّل الفيديو من جديد.
كل جزء في جسده ارتجف وهو يرى إيزابيلا تتلوى، تُدفع، تُقيد، تُهان.
"الوجه... لا يظهر بوضوح. لكنه يعرف الجسد. يعرف التنهيدة. يعرف الخوف في العينين."
لكنه لم يرَ وجه الفاعل...
لا ملامح.
مجرد ظل.
ظل رجُل.
ثم فجأة...
صوت في الخلفية.
التلفاز الذي كان يشتغل في الزاوية بصوت خافت:
"ابني آيدن، إن كانت هناك معرفة بينه وبين الفتاة، فهي لا تتعدى علاقة صداقة سطحية... لا شيء أكثر.
نرفض الزج باسمنا في هذه المهزلة..."
كان صوت والده، من المقابلة الصحفية التي أُجريت قبل قليل على TG1.
قالها... بلا تردد.
أنكر كل شيء.
محا قلبه.
آيدن استدار ببطء، وجهه خالٍ من التعابير… كأن شيئًا انتُزع من داخله دون مخدّر.
كأن كل صوته انكمش في صدره… وتركه أجوف.
أوقف البث بكبسة مرتعشة، ثم اندفع خارج الغرفة كالإعصار، قافزًا عبر الدرجات الرخامية الفخمة التي كانت تصرخ تحت قدميه. صدى خطواته كصفعة على وجه الليل، حتى بلغ الطابق السفلي، واندفع نحو باب المكتب المغلق.
"هل جُننت؟!"
انفجر صوته قبل أن يدخل، ثم دفع الباب بقوة، فارتجّت الكتب على الرفوف، وسقط إطار زجاجي لأحد التكريمات الرئاسية من الحائط.
في الداخل، جلس جيمس خلف مكتبه، بثيابه الأنيقة المعتادة، يرفع حاجبيه ببرود متعمد.
"هدّئ من نفسك، آيدن، الساعة متأخرة، ولسنا في حلبة ملاكمة."
"هل قلت إنها صداقة سطحية؟! صداقة؟! بحق الجحيم!"
صوته ارتجف، لا من الخوف… بل من شدّة الألم،
"إنها حبيبتي! كنتُ سأطلب يدها عند تخرجنا من الجامعة! كنا نُخطط… نحلم… نتحدث عن بيت صغير… وكلب أبيض… هل يبدو هذا سطحيًا لك؟!"
جيمس تنهد، ثم خلع نظارته الطبية ببطء كمن يتهيأ لإلقاء محاضرة عقابية.
"آيدن، لقد حذّرناك منها مرارًا. لم يكن الأمر يومًا عن مشاعر… بل عن العواقب."
"بل عن صورتك، أليس كذلك؟! كنت تخشى أن تُنسب إليّ! خشيت أن تُلطخ صورتك في الحزب... وفي الإعلام... لم يكن يهمك سوى مظهرك السياسي النظيف!"
"أنت لم تكن ابنًا يُحمى…
كنتَ عبئًا يُغطى، حتى لا تلطّخ ما شيّدناه عبر أجيال.
وكان واجبي أن أضع حدًّا لك… قبل أن تهدم كل ما رُفع فوق ظهري."
"أنت لم تحمني! أنت قتلتني وأنا حي!"
تقدّم خطوة، كأن جسده يترنح بين البكاء والجنون،
"تدخلتَ في كل شيء… في دراستي، في أصدقائي، والآن... في قلبي! بالله عليك، من هذا الذي يعيش؟ أنا؟ أم نسختك المصقولة؟!"
في هذه اللحظة، فتح الباب مجددًا، ودخلت مارغريت، والدته، وهي تلفّ حولها رداءً حريريًا خافت اللون، والقلق يحكم ملامحها.
"ما هذه الضجة؟!" ثم نظرت إلى آيدن بعينين غاضبتين، وصرخت:
"هل فقدتَ عقلك؟! فتاة من عائلة مافيا؟! فتاة ملطخة الاسم والدم، وتأتي لتقول إنك كنت على وشك الزواج منها؟!"
اقتربت منه، وضربت صدرها براحة يدها:
"كم مرّة حذّرناك؟ كم مرّة قلتُ لك إنها ليست من عالمنا؟ ليست منا؟! لا تعرف شيئًا عن الطهارة أو الشرف أو القانون!
هل تعرف من يكون والدها؟ من هم إخوتها؟ إنها نشأت في الوحل…
والآن… ها هي تجرّك إليها!"
صرخت بنبرة حادّة، انكسرت فيها أمومتها:
"كنا نخشى أن تُجرح، أن تُلوّث… ولكنك اخترت بنفسك أن تغرق!"
آيدن، بنظرة مكسورة، نظر إلى والده ثم إلى والدته، كأن روحه تبحث عن شيء مألوف… شيء ينقذه.
"أنا كنت أحبها… والله أحببتها… بكل قلبي.
ما دخلكم؟ لم تسألوني يومًا، لم تفتحوا لي قلوبكم يومًا، لم تُحاولوا حتى أن تفهموا… فقط أصدرتُم أحكامًا من برجكم العاجي."
جيمس اعتدل في جلسته، ورفع إصبعه كمن ينهي الجدل:
"نحن لم نُصدر حكمًا… نحن أنقذناك من فضيحة.
وأعيد وأكرر… إن لم تتوقف الآن… فسأجردك من كل شيء. مالك، دراستك، وضعك، اسمك."
ثم انحنى قليلًا للأمام، وقال ببرود مرعب:
"تذكر جيدًا، من أين أتيت… ومن الذي جعلك على ما أنت عليه."
آيدن بقي صامتًا للحظة… ثم همس، بصوت مكسور لا يكاد يُسمع:
"أنتم لم تجعلوني شيئًا… فقط صنعتم قفصًا ذهبيًا كبيرًا، وسجنتموني فيه.
كنتُ فقط أريد أن أُحبّها.
لكن حتى الحب… سرقتموه مني."
استدار.
لم ينظر خلفه.
ترك الغرفة بصمتٍ مشبع بالخسارة.
خرج من الفيلا كالغريب. لا وجهة، لا غطاء، لا أسرة.
فقط قلبٌ مثقوب... يتهاوى في العراء.
ركب دراجته السوداء تلك التي حملت إيزابيلا ذات ليلة
ومضى عبر شوارع روما، الرياح تصفع وجهه، والصراخ في داخله أقوى من صوت المحرك.
في زقاق ضيق قرب مقهى إنترنت محلي...
ترجّل آيدن ليتصل بصديقه المقرّب لتحديد نقطة لقاء،
لكن قبل أن يتمكن من النطق، انقطعت الرؤية.
ثلاثة رجال مقنّعين كانوا بانتظاره.
ضربة في البطن.
ضربة في الفك.
ركلة في الصدر.
كل شيء صار ضبابًا.
دمه سال، سقط على الإسفلت، وقبل أن يُغشى عليه، لمح طرف يد أحدهم وهو يثبّت القفاز من جديد...
وشمٌ أسود واضح فوق عظمة اليد
مثلثات متداخلة بأسلوب حاد.
لم يكن وشمًا عشوائيًا.

"آيدن شهق، رغم الألم... عينيه اتسعتا. لم يكن يخطئ هذا الشعار. إنه شعار جماعة الظلال... التنظيم السريّ المكلّف بالعمليات القذرة لعائلة روسي. وشم رُسم خصيصًا لمن تربّى في كنف فينتشينزو."
ثم سمع أحدهم يتمتم قرب أذنه، صوته أجش:
"هذه رسالة من آل روسي... لا تتدخل."
مستشفى خاص في روما - جناح العناية المركزة
03:17 فجرًا
الصمت يُخيم على الجناح الأبيض البارد.
لا يُسمع سوى طنين أجهزة المراقبة الطبية، يقطع السكون بنبضات إلكترونية ثابتة، كأنها تُعلن أن الحياة ما زالت تحتضر على هذا السرير، لكنها لم تُغادر بعد.
آيدن آل لورينزي، الفتى الذهبي لعائلة سياسية متجذّرة في السلطة، لم يعد يشبه شيئًا من صور المجلات.
ممدد على السرير، موصول بأنابيب وسوائل، وجهه مزرق وكأن الدم قد خاصمه. أنفه مكسور ومنتفخ، ضلعان مكسوران يجعلانه يتنفس كمن يطارد شبحًا فوق صدره، عينه اليمنى متورمة حتى كادت تنغلق، وشفته السفلية متشققة تنزف ببطء.
مارغريت، والدته، تجلس قربه منهارة. عيناها المنتفختان لا تتوقفان عن النزف دموعًا، ويداها المزينتان بالمجوهرات ترتجفان وهي تمسك يده، تمسح على أصابعه كما لو تحاول إعادة الروح إليه بلمسة أم كانت غائبة طوال سنوات.
همساتها غير مفهومة، خليط من صلوات مرتجفة، تعاويذ أم خائفة، واستجداءات يائسة لآلهة لم تكن تؤمن بها من قبل.
ثم، وسط شهقاتها، نطقت...
بسمٍّ خالص، ببطءٍ قاتل:
"لعنة الله على تلك الفتاة... جلبت الدمار إلى ابننا. جلبته بيديها من عالم النور إلى جحيم الشوارع."
"ما الذي رآه فيها؟! كيف سمحنا له أن يقترب من القذارة؟!"
صوتها لم يكن موجّهًا لأحد، كان احتجاجًا على العالم، على المصير، على القدر الذي حرّك خيوطه ليُسقط ابنها في حب لم يكن من طبقتهم.
على بعد خطوات، عند باب الجناح الموصَد بنصفه، وقف جيمس آل لورينزي كتمثال من حجر.
وجهه شاحب، بلا تعبير.
الضوء العلوي يصبّ على ملامحه ظلالًا قاسية، وشعره الرمادي بدا أكثر شحوبًا من العادة.
لكن يده... يده اليسرى كانت تضغط الحائط الرخامي بقبضة مشدودة، كأنها تقاوم الانفجار.
لم يقترب من ابنه.
لم ينحنِ فوقه.
لم يُظهر حزنًا.
بل ظلّ هناك، يراقب من بُعد، كأنه ينظر إلى جثة سياسية، لا إلى وريث عائلته.
ثم التفت ببطء إلى مرافِقه السياسي الذي وقف خلفه كظلٍ لا يُفارق، رجل يرتدي بدلة سوداء وعيناه ترصدان كل شيء كعدسة آلة.
همس جيمس، بصوت لا يكاد يُسمع، لكنه كان قاطعًا كالسيف:
"سأحرّك البرلمان إن لزم الأمر..."
"سأفتح ملفات الجنوب جميعها... لن يخرج فرد روسيٌ واحدٌ نظيفًا من هذه القذارة."
ثم أكمل، بنبرة أكثر برودة من الجليد، دون أن يشيح بعينيه عن جسد ابنه المتورم:
"لن يفلتوا بها."
"آل روسي سيُسحقون. حتى آخر دمٍ في شرايينهم."
"ولو اضطررتُ أن أحرق الجنوب الإيطالي بأكمله..."
"سأفعل."
"وأنا لا أمزح."
صدى كلماته تردّد في الممر المظلم، كمخطط اغتيال لا يحتاج إلى توقيع.
جيمس آل لورينزي لم يكن فقط أبًا لرجلٍ جريح.
كان ماكينة حرب...
تستعد للانتقام.
"وفي مكان بعيد عن روما، في قصر لا يصل إليه الإعلام... كان رجل يجلس في العتمة، يشاهد النشرة، ويبتسم."
♡
Angelica_Orlando