9 - نبض في غير وقته

9 - نبض في غير وقته

20 0

توقف.

هل تشعر به؟

هذا ليس نبض قلبي، ولا قلبك.

هذا صوت شيء آخر…

ينبض لأن شيئًا ما استُفز، لا لأنّه ما زال حيًا.

أتعرف لماذا وصلت إلى هنا؟

ليس لأنك تريد أن تقرأ

بل لأن جزءًا منك يرتجف مما قد تقرأه.

نبضك... خانه التوقيت.

هذا الفصل لا ينتظر منك أن تفهمه

بل أن تتجاوب معه،

كمن يلمس سلكًا عارياً…

ويبتسم.

لا تكذب.

أنت لا تبحث عن إجابة.

أنت تبحث عن ألمٍ يشبهك.

وقد تجده… في السطر التالي.

وإن شعرت به — ⭐ — فلا تقل شيئًا.

النجمة كافية.

كافية لأفهم أنك أيضًا… احترقت.

----------------------------------

ساد صمت غريب...

ذلك النوع من الصمت الذي لا يولّد راحة، بل يحفر في الروح فراغًا يصعب تنفسه.

كنت لا أزال ملتصقة بالجدار، مبللة العرق والدمع، أنظر إلى وجهه وكأنني أحاول أن أجد فيه تبريرًا لهذا الجحيم.

لكن وجهه لم يكن يطلب الغفران.

كان وجه رجلٍ يؤمن بحقه.

ثم فجأة، تكلم.

ليس بعنف.

بل بصوت بارد... ثابت... مريض بالحنين:

"كنت أشعر كأنني أُنتزع من عالمي، ويُقذف بي في مكان لا ينتمي لي."

صوته شقّ الهواء، كأنّه لا يحدثني، بل يسترجع شيئًا أقدم من الزمن.

توقف، شرد قليلًا، عيناه ابتعدتا عني، وكأنهما ترحلان إلى مكان لا وجود له هنا.

"كان قصرًا فخمًا، مبهرًا، لكنه بارد. قاسٍ. فيه شيء غير مريح... شيء متغطرس، مثل صاحبه."

قالها بنبرة منخفضة، فيها احتقارٌ دفين، ثم ابتسم... ابتسامة غريبة، ممزوجة بالذكرى والمرارة.

"لكن... في يومٍ ما، تغيّر كل شيء."

تحركت أنامله ببطء، كأنّه يستحضر الصورة.

"أتذكره جيدًا. كنت في الحادية عشرة.

يومٌ شتوي، رمادي، صامت. أمي كانت تمشي بسرعة، وقفتها غير طبيعية...

كان في وجهها قلق غريب. قالت لي إن صديقتها فيرونيكا في المشفى...

بعد سبع سنوات من المحاولة، ستُنجب أخيرًا."

صوته انخفض أكثر، تكسّرت الحروف كأنها خارجة من كهف.

"لا أعرف لماذا... لكني شعرت أنني يجب أن أكون هناك. كنتُ طفلًا... لكني شعرت أن حدثًا مهمًا سيقلب عالمي."

ابتلع ريقه، وعيناه لم تعد تنظر لي... بل عبرت خلالي، نحو ماضٍ لا أعرفه.

"أجلسوني في غرفة الانتظار. كنت أرتجف.

كل دقيقة مرّت شعرت بها كساعة. كنت متوترًا، خائفًا...

لكني لم أفهم لماذا. كأنني أنتظر شيئًا يخصني.

كأنني لا أذهب لرؤية مولود أحدهم... بل لرؤية ابنتي."

ضحك، ضحكة قصيرة، شبه مريرة:

"سخيف، أليس كذلك؟ أن يشعر طفل في الحادية عشرة أن هناك جسدًا صغيرًا سيملأ وحدته..."

ثم صمت للحظة، قبل أن يهمس:

" نادتني أمي."

رفّ طرف عينيه، وكأن ذاكرة قديمة انكشفت بعنف.

"دخلت رأيتُ أمك،《 فيرونيكا》 ممددة على السرير...

وجهها شاحب لكنه ناعم، شفتاها متعبتان، لكنهما

تبتسمان، وفي حضنها..."

توقف.

كأن الصورة تأبى الخروج.

"في حضنها... كنتِ أنتِ."

نطقها بهمسٍ مكسور.

"جسد صغير. وردي. لا يزن شيئًا. كنتِ كأنك كائن من ضوء. رأيتُكِ لأول مرة... وكان قلبي..."

طرق صدره بأصابعه بهدوء:

"كان قلبي هنا، يخفق كأنني وجدت قطعة ضائعة مني."

ثم ابتسم،

ابتسامة طفل لا رجل، لكنه لم يبتسم بعينيه.

"كان والدك يقف هناك، يضحك، يهلل...

لكنه بدا كمن يخفي شيئًا خلف فرحه.

عيناه لم تكن مرتاحتين.

لا أعرف لماذا...

هل كانت نظرة ذنب؟

تأنيب؟

لم أكن أفهم يومها."

ثم التفت نحوي، بنظرة أهدأ... لكنها ثقيلة:

"اقتربتُ ترجّيتُ والدتك أن أضمّك. توسلتُ، كأنكِ طفلة لي أنا. قالت لي: كن لطيفًا، إنها ما زالت صغيرة."

تنفس بصعوبة، كأن الهواء لم يعد يكفيه.

"وضعتك بين يديّ... وكل شيء تغيّر. ذلك الفراغ الداخلي الذي لم أكن أعرف اسمه... امتلأ. كنتِ مثل لحن، أو نبض... شيء لا أفهمه، لكني أحتاجه."

صمت للحظة، قبل أن يهمس، كأن قلبه اعترف:

"وفي تلك الفترة... لم تكوني تعانين من أي شيء. لا علّة، لا مرض. كنتِ سليمة تمامًا...

أنا لم أتوقع أبدًا... أن تصابي بالربو لاحقًا."

قالها وهم يحدّق في اللاشيء، كأن الذنب باغته فجأة، لكن دون أن يتحوّل إلى ندم كافٍ.

ثم تابع بسرعة، كأنّه أراد دفن الفكرة:

"ومنذ تلك اللحظة... كل زيارة لقصر والدك لم تعد مزعجة. صرتُ أذهب... لأجلك.. لأراكِ تكبرين.

أتابعك عن بعد. أبحث عنك في صالات البيت، في صوت بكائك، في رائحة الحليب."

ضحك بخفة،

ضحكة مقتضبة، متعبة:

" كنت أعرفك... أكثر مما تعرفين نفسك."

اقترب، وعيونه ما عادت تهرب.

نبرته اتخذت طابعًا أخف، كأن الحديث صار شخصيًا جدًا:

"طوال سبع سنوات، كنت أزوركم بشكل دائم.

فيرونيكا كانت تحبني كابنها.

كنت الوحيد الذي تثق به قربكِ،

حتى أكثر من خادمتكِ.

كنت ألعب معك في الحديقة الخلفية،

أركض خلفك حين تتعثرين،

أحملك حين تبكين.

كنتِ تقولين لي: كوكي... لا تذهب."

ارتجف قلبي... لم أتذكر شيئًا.

أنا لم أقل هذا... لم أكن أعرفك... أو... لا أريد أن أكون قد عرفتك.

"كنتِ تضحكين عندما أطاردك بالماء من الخرطوم،

وتصرخين لما ألوّن وجهك بالكريمة في أعياد ميلادك.

كنت أحب رؤيتك تضحكين... كنتُ أعيش على تلك الضحكة."

لا...

مستحيل...

هل كنت هناك فعلًا؟

هل كنت أنا هذه الفتاة؟

ثم تراجع قليلًا، كأن الذكرى أصابته بألم:

"أمك كانت تقول لي إنك مدلّلة أكثر من اللازم.

لكنها كانت تضحك في النهاية، وتقول لي: إيزابيلا تعشقك، كأنك شقيقها الأكبر."

ابتسم،

لكن ابتسامته هذه المرة كانت كجدار زجاجي يوشك أن يتحطم.

"لم أكن أريد أن أكون شقيقك، إيزابيلا."

صمت... شعرت أن الهواء صار ثقيلًا كجدار...

وأن الطفلة في داخلي ماتت مرتين.

شيء يتخبط في أمعائي... كأن جهازي الهضمي يرفض الحقيقة.

أغمضتُ عينيّ بقوة......

رفعت نظري إليه، وكنت أرتعش من الرأس حتى القدمين.

"كنت تحب طفلة...؟"

همست أولًا.

ثم تقدمت خطوة، وصوتي يعلو رغم ضعفي:

"طفلة؟! كنتَ تنظر إليّ منذ كنتُ رضيعة...

وتظن أن هذا حب؟"

ضحكت. ضحكة أقرب إلى الجنون.

"ما قلته الآن ليس حبًا، لوكا... إنه انحراف."

"مرض جنون."

أشرت إلى رأسي:

"أنت مريض."

اقترب خطوة.

تراجعت، أضع كفي على فمي،

كأنني لا أحتمل حتى هواء الغرفة الذي يشاركه.

"أنا لا أتذكرك... لا شيء في داخلي يعرف هذا الطفل الذي تتحدث عنه."

رفعت رأسي، ونظرت إليه بجمود:

"ولو كنت أعرفه... لتمنيت لو أني بصقت في وجهه."

لكنه لم يغضب.

لم يصرخ.

بل تابع بهدوء غريب

كأنه يستكمل ما كان عليه أن يُقال منذ زمن:

"مرت السنوات، وكبرتِ.

وأنا كبرت أيضًا.

بلغت الثامنة عشرة،

وبدأت أراكِ...

لا كطفلة كنت أحتضنها

بل كأنثى.

شيء داخلي تغيّر

وأرعبني."

نظر إلى الجدار، كأن الذكرى تشقّه من الداخل.

"كنت أخجل من نفسي. أحتقر كل فكرة، كل ارتعاشة.

كنت أهرب منكِ، أرفض نظراتك، أتجنب التواجد بقربك في الاحتفالات، أو الأعياد."

ثم همس:

"لكني لم أستطع."

اقترب خطوة واحدة.

"وفي لحظة ضعف... استشرت طبيبًا نفسيًا."

تجمدتُ، لكنني لم أقاطعه.

نبرته كانت صادقة... أكثر من اللازم.

"كنت غارقًا في صراع.

شيء بداخلي يكبر،

يتداخل مع الماضي والحاضر،

وأفكاري لا تشبه أفكار شاب عادي.

لم أكن مهووسًا بالجنس، ولا عندي شُحّ في العاطفة،

بل... شيء معقّد. كأني مرتبط بكِ بطريقة لا تفسير لها."

صمت لحظة، وكأن لسانه يثقل بكلمة لا يريد أن ينطقها،

ثم تابع:

• Flashback - Rome, 2015 •

عيادة صغيرة في "تراستيفيري"

10:06 صباحًا

المطر يطرق الزجاج بإيقاع ثقيل.

مكتب بسيط. رائحة خشب قديم.

شاب في الثامنة عشرة، يجلس مقابلاً لرجل في الستين، يعتمر نظارات رفيعة.

د. إيمانويل كاستري

طبيب نفسي، متخصص في حالات التعلّق المرضي.

يجلس في هدوء، يفتح دفتره، ينظر للشاب:

"لوكا... لماذا أتيت؟"

صمت.

لوكا لا يتحرك.

أنامله تعبث بزر سترته.

لوكا :(بصوت خافت)

"هناك... شيء خطأ فيّ."

الطبيب:

"صفه لي."

لوكا:

"أنا... أشعر أنني لا أستطيع العيش دون شخص واحد.

لا جنس. لا رغبة. لكن شعور... كأنه اختناق.

أعرفها منذ وُلدت. كنتُ هناك. حملتها."

الطبيب لا يقاطع. يسجل كلمة.

الطبيب:

"ما عُمرها الآن؟"

لوكا:

"سبع سنوات."

الطبيب :(هادئًا)

"وهل حاولت إبعاد نفسك عنها؟"

لوكا :(حاسمًا)

"نعم. لكني أعود كالمغناطيس. أشعر أنني سأموت إذا ابتعدت."

لحظة صمت.

الساعة الحائطية تُصدر "تيك... تيك..."

الطبيب :(بصوت منخفض)

"أتعرف ما هو اضطراب التعلّق المرضي - Pathological Attachment؟

لوكا يهزّ رأسه نافيا.

الطبيب:

"حالة نادرة. لا علاقة لها بالحب الطبيعي. إنها تشبّث مرضي بشخص يعتبره العقل الباطن مصدر الأمان الوحيد. يبدأ غالبًا في الطفولة، حين يرتبط وجود الشخص بالنجاة من الألم."

لوكا ينظر للأرض.

لوكا:

"كنتُ أختنق كثيرًا في صغري. كوابيس. نوبات غضب. لكن كل مرة كنت أراها... كنت أهدأ."

الطبيب:

"هي صارت رمز الأمان في عقلك. جسدك يعتقد أن وجودها ضروري للبقاء، حتى لو لم تكن هناك علاقة حقيقية بينكما."

لوكا :(بصوت مكسور)

"أنا لا أستطيع... التوقف."

الطبيب :(ببطء)

"هذا الاضطراب لا يجعلك مجرمًا، لكنه يحوّلك إلى سجين. الخطر الأكبر... أن تبدأ برؤيتها ملكًا لك، لا إنسانًا."

لوكا يحدّق في اللاشيء.

عيناه تلمعان، لكن لا دموع.

الطبيب:

"العلاج ممكن، لكنه يحتاج إلى قطع التعلق أولًا."

لوكا: (بهمس)

"ماذا لو لم أستطع؟"

الطبيب: (ببطء، بصوت أكثر حدة)

"إذا لم تتوقف عن هذا التعلق، ستنقلب مشاعرك إلى هوس مدمر، وسيتحول حبك إلى سجن لها.

ستبدأ برؤيتها ملكًا لك... لا إنسانة.

وستؤذيها، حتى دون أن تمسّها."

"ستدمرها... ثم تدمر نفسك."

• Flashback Ends •

حين عاد من الغياب… نظر إليّ

وكان في عينيه صدقٌ مريع…

ذلك النوع من الصدق الذي لا يشفع، بل يُدين.

تلفّظ بصوت مكسور:

"قال الطبيب... إنني لا أستطيع الفصل بين حاجتي إليكِ وحبكِ. وإن لم أتوقف... سأقتل كل شيء جميل فيك."

ضحك ضحكة قصيرة، مجروحة.

"لكني لم أستطع. لم أستطع أن أترككِ. كنت أقول له إنكِ لم تعودي طفلة. إنني لا ألمسك. لا أؤذيك.

لكنه... لم يصدقني."

انفجر صوتي، انفجرت روحي:

"هكذا اذن؟ أنا لم أكن سوى مُسكّنًا لوجعك؟ مجرد طُفيل نفسي علقتَ به؟"

" كل ذكرياتي كانت شاشة عرض لهوسك؟"

"هل كنتُ أنا... علاجًا لكسورك النفسية؟ لم تكن تحبني، لوكا. كنتَ تتغذى عليّ!"

"لا شيء في هذا... يشبه الحب. هذا تشويه.

هذا... مسخ!"

اقترب خطوة.

عينيه لم تعودا جامدتين.

بل عميقتين.

مرعبتين.

رفع نظره نحوي، وصوته مبحوح:

"قال إن الوقت كفيل بتحوّلي إلى ما أخشاه... إلى رجل يرى في الحب اختناقًا، وفي الرفض خيانةً لا تُغتفر."

"وعندما بلغتِ السابعة... وتوقفت زياراتي لك... بسبب تلك الحادثة بيني وبين والدك...

شعرت كأنني قُطعت عنك.

"توقفت عن المجيء، لكني لم أتوقف عن المراقبة.

كنتُ أراقبكِ تكبرين من بعيد... كمن يُعذّب نفسه طوعًا.

لم يكن لي حقّ في العودة... لكن لم أستطع المضي قدمًا."

"وبعد سنوات... التقيت بغابريلا. في بار صغير اعتدت التردد إليه. كانت تُشبهكِ بشكل غريب. لم تكن أنتِ...

لكن شيئًا في جسدها... في عينيها... خدعني."

"ساعدتها، لكن ليس لأنها غابريلا... بل لأنها نسخة مشوّهة منكِ. كنت أبحث عنكِ في ملامحها. وكانت... راضية أن تكون ظلًا."

"لم تكن تدرك... أنها بالنسبة لي، ليست أكثر من قناع لجسدٍ لم أعد أملكه."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

silk shackles | اغلال الحرير

المؤلف Angelica_Orlando
2025/07/22 مستمرة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة