7 - حين يختنق الليل

7 - حين يختنق الليل

17 0

لا تُضيء المصباح.

فالضوء لا يُجدي نفعًا حين يقرر الليل أن يختنق.

اجلس مكانك... ولا تُحدّق كثيرًا في الكلمات.

هي تراك.

تراك أكثر مما ترى نفسك.

ما ستقرأه ليس ظلامًا... بل بقايا من عتمة الداخل.

هل تجرؤ أن تفتح الباب؟

أن تسمع أنين مَن لم يعد يملك صوتًا؟

اقرأ، لا لتنجو... بل لتعرف ما الذي يُزهر في القبور حين لا يراها أحد.

واترك لي نجمتك ⭐، لا كإعجاب... بل كعلامة أنك خرجت حيًّا من هذه الصفحة.

----------------------------------

في ركنٍ منسيٍّ من البلاد، حيث تتوارى الشمس خجلى وتغفو النوافذ خلف ستائرها الثقيلة كأنها تخجل أن تكشف ما بداخلها.

سكون البيت٬ لم يقطع هدوءه سوى أنفاس الليل الثقيلة، تنساب على الجدران كأنفاس عجوز يحتضر، تتسلل إلى الغرف وتُخنق الأثاث الصامت.

لم يكن هذا الهدوء هدوءَ سلام، بل سكونًا خادعًا، متواطئًا، يحمل في جوفه ترقباً... كأن المكان بأسره ينتظر شيئاً ما، أو يخفي سراً لا يريد لأحد أن يراه.

بعد منتصف الليل بقليل، غادرت غابريلا غرفة المكتب، وقد أنهكها التعب.

كانت خطواتها الحافية بطيئة، تتبع أثر أفكارها لا اتجاهاً محدداً.

توقفت عند رأس الدرج، تعبث بخصلة من شعرها الداكن وهي تتمتم لنفسها:

"الشاحن... تركته في غرفة إيزابيلا، تبًا".

تنهدت، ظنت أن خطواتها لن تزعج أحداً.

إيزابيلا غارقة في النوم منذ ساعات، ولوكا خرج لاجتماع طارئ في مكان مجهول، بعد مكالمة مقتضبة لم يُفصح عن محتواها.

البيت شبه خاوٍ، سوى من الخدم الذين ناموا مبكراً.

جدرانه الواسعة تُخفي خلف سكونها صرخات لا يسمعها أحد.

غرفة إيزابيلا كانت شبه معزولة، نوافذها مغلقة بإحكام، وبابها مصمم ليمنع الضوضاء. لم تكن هناك أية مؤشرات تنذر بأن شيئاً ما بالداخل ليس على ما يرام.

دفعت الباب بهدوء. صوت المقبض الخافت لم يُصدر سوى أزيز يكاد لا يُسمع.

انسكب ضوء خافت من الممر إلى الداخل، لامس حافة السرير، طرف الغطاء، وكتف إيزابيلا الظاهر من تحته.

كانت نائمة... على الأقل هذا ما بدا في الوهلة الأولى.

اقتربت غابريلا بخفة، وركبتاها ترتجفان من البرد، أو ربما من وطأة الأفكار المتراكمة في رأسها.

انحنت لتتناول شاحنها الموضوع على الطاولة الجانبية، ومرت عيناها بسرعة على جسد الفتاة المسجى تحت الأغطية...

لكنها توقفت فجأة.

شيء ما لم يكن طبيعياً.

تجمدت في مكانها. قطرة عرق لامعة، انزلقت ببطء من جبين إيزابيلا، رغم برودة الغرفة.

خصلات شعرها ملتصقة برقبتها، كأنها كانت تجري، أو تهرب من شيء ما.

أمعنت النظر أكثر. أنفاسها... ليست منتظمة.

رفّت جفناها للحظة، ببطء شديد، كأنها تحاول أن تستيقظ من كابوس عميق دون أن تنجح.

ثم صدرها، ذلك الانقباض الغريب، كأنها تحاول أن تلتقط هواءً لا يُمنح لها.

"إيزابيلا؟"

همست غابريلا، وهي تقترب خطوة، لكنها لم تحصل على رد.

ركعت بجوار السرير، يدها امتدت تلمس جبينها، فشهقت...

"أنتِ تتعرقين؟! في هذا الجو؟!"

مدّت يدها الأخرى إلى كتفها، هزّتها برفق: "إيزابيلا؟ هيّا... استيقظي، ما بكِ؟"

لا إجابة.

الشحوب على وجهها لم يكن طبيعياً، أقرب إلى لون ورقة أُفرغت من حبرها.

صوت أنفاسها أصبح غريباً، ليس حشرجة ولا لهاث، بل مزيج مشوش بين كتمة وارتجاف.

عيناها تتحركان خلف الجفنين بسرعة، تنفسها ضحل، يصدر صفيراً خافتاً كأن أنبوباً داخلياً تضيق مساحته، صدرها يرتفع ويهبط في موجات قصيرة مجهدة، وشفتاها بدأت تكتسبان زرقة خفيفة...

بدأ الرعب يتسلل إلى صدر غابريلا، أسرع من قدرتها على التفكير.

نهضت فجأة، بحثت بعينيها عن الهاتف، انتشلته من الطاولة، وكأن أناملها لم تعد تملك ثباتاً.

ضغطت على اسم "لوكا" ووجهها مبلل بالذعر، صوتها انفجر دون حساب:

"لوكا!!" صرخت كأن البيت كله سيتهاوى فوق رأسها، وكأن الحروف تقفز من حنجرتها قبل أن تدرك معناها. "لوكا أجبني، أجبني اللعنة عليك!"

كان هاتفه يرن، كأن الوقت يتمطط، كأن النغمة وحدها لا تكفي لإنقاذ حياة.

نظرت خلفها مرة أخرى. إيزابيلا لم تتحرك... ما تزال ممددة كما هي، لكن هناك شيء غريب يعلو ملامحها. شيء لا اسم له... كأن الحياة ذاتها تنزلق من أطرافها ببطء، دون صخب.

اقتربت منها غابريلا مجدداً، ركعت على الأرض بجوار السرير، وبدأت تهزها بأصابع مرتعشة، بقوة أكبر هذه المرة. "إيزابيلا! افتحي عينيك، بالله عليكِ! أنا هنا، غابريلا، افتحي عينيك فقط!"

لكن عينيها ظلتا مغمضتين، لا ارتعاشة، لا صوت، لا رد. فقط تلك الأنفاس الغريبة، تخرج من بين شفتيها كأنها تمزق صدرها من الداخل.

جسدها دافئ... دافئ أكثر من اللازم، كأن حرارة غريبة تعتمل فيها من الداخل، عرقها يتصبب بهدوء مريب، والمخدة تحت رأسها رطبة.

رنّ الهاتف في يدها، وأضاء اسمه:

LUCA CALLING

أجابت دون أن تنتظر حتى اكتمال الرنين:

"لوكا! تعال فوراً! أرجوك... إيزابيلا... ليست بخير، لا أعلم ما بها! إنها لا تستجيب! تتعرق كأنها في سباق موت... تنفسها غير طبيعي... أنا خائفة، لوكا! خائفة جداً!"

كان صوته على الطرف الآخر كالرصاص، صارماً، يقفز فوق الكلمات: "هل هزَزتِها؟ هل تتنفس؟ هل هناك صوت صفير؟"

"أنا... لا أعلم! شيء غريب يصدر من صدرها... صوت مكتوم، ليس صفيراً واضحاً... وكأنها... تختنق!"

سمعت أنفاسه تتسارع، ثم صوت صفعة على الزجاج، وصوت محرّك سيارة اشتعل.

"أنا قادم. جهّزي لها منشفة مبللة... ابقي رأسها مرفوعاً قليلاً، و... افتحي النافذة فوراً."

أنهى المكالمة.

لحظات أخيرة

غابريلا سقطت بجوار السرير ثانية، وجهها بات قريباً جداً من وجه إيزابيلا، تحاول أن تُراقب صدرها، أن تعرف... هل ما زالت تتنفس؟ أم أن الصوت الذي تسمعه هو مجرد وهم؟

"إيزا... بالله عليكِ، تحركي، تنفّسي... قولي أي شيء."

لكن الرد لم يأتِ.

إيزابيلا بدأت تتحول شيئاً فشيئاً إلى شبح.

شبح ناعم الملامح، صامت، متعب، كأنها تستعد للانسحاب من هذا العالم بهدوء قاتل.

غابريلا لم تعد تشعر بقدميها. أمسكت بيد إيزابيلا، ضغطت عليها بقوة، كأنها تُمرّر فيها الحياة. كانت تهمس، تبكي، تصرخ، وتترجى، كلها في آنٍ واحد:

"لا تموتي، لا تتركيني، لا تذهبي..."

وفي تلك اللحظة، لم تكن إيزابيلا مجرد فتاة بين الحياة والموت... بل كانت الشرارة التي ستُشعل جحيماً لا يهدأ في قلب رجل يُدعى لوكا أورلاندو.

الطريق ليلاً لم يكن أكثر من نفقٍ مظلم، تتطاير فيه أضواء أعمدة الشارع كأنها شرر من عينيه.

لوكا كان خلف المقود، يضغط على الدواسة وكأنه يدهس الزمن ذاته، يصرخ داخله دون صوت.

المقود يكاد ينكسر من قبضته، وعيناه مثبتتان على العدم أمامه، تتّقدان كجمرة.

السيارة تنحرف يمينًا ويسارًا، تتجاوز الإشارات، تتحدى المارة، تشق الليل كوحشٍ لا يهدأ.

كل ثانية تمر كانت كطعنة. كل فكرة تتكرر كانت لعنَة.

"إيزابيلا... لا تفعلي هذا بي. ليس أنتِ."

ضرب المقود بقبضته، زمجر بين أسنانه، ونظر إلى المرآة ثم مزّقها من مكانها بيد مرتجفة:

"لو متِّ... أقسم... أقسم أنني سأهدم هذا العالم بمن فيه."

في المقعد المجاور، سيلفيا كانت تربط حزامها بصمت، لكنها لم تنطق.

رأته مرة يفقد السيطرة...

لكن هذه المرة؟

كان شيء في لوكا يتحلل أمامها.

توقّف عن كونه زعيمًا...

وبات رجلًا يركض ليلحق بمن يُحب، قبل أن تخطفه الحياة... أو الموت.

الطريق بدا أقصر من اللازم، لكنه لم يكن كافيًا ليطفئ النار التي في صدره.

ولما ظهرت البوابة الحديدية أخيرًا...

ضغط على الفرامل بكل ما أوتي من عنف، قبل أن يركض بجسده لا بعقله.

صوت انفتاح البوابة الحديدية قطع سكون الليل كالسكين.

قبل أن تتقدّم سيارة سوداء بسرعة جنونية، أضواؤها تشقّ الظلام بوقاحة.

أمام المدخل، توقّفت السيارة، ولهاث محركها كأنفاس مكلومة، ترجل منها لوكا أورلاندو وخلفه امرأة ثلاثينية ، ذات ملامح حادة، وحقيبة إسعافات معلّقة على كتفها.

ركض نحو الباب دون أن ينطق، خطواته تبتلع البلاط كما لو كانت تحترق تحته. لم ينتظر فتح الباب.

اقتحمه بكتفه، ثم التفت نحو غابريلا التي كانت تقف قرب السرير، وجهها كأنّ الحياة انسحبت منه:

«في الداخل... هناك... بسرعة!» تمتمت، وابتعدت لتُخلي الطريق.

الطبيبة تقدّمت، نظراتها تُمشّط الغرفة بثوانٍ مدروسة.

وضعت الحقيبة على الأرض بجانب السرير، انحنت بسرعة، وضعت سماعتها، وقاست نبض إيزابيلا أولًا، ثم فتحت جفنيها، وألقت نظرة فاحصة داخل فمها وأنفها، صدرها الذي يصعد ويهبط بانقباض مُجهِد، والشحوب الذي بدأ يزحف حتى حدود أظافرها.

"ضيق تنفس شديد، تشنج قصبي حاد... شفتيها زرقاء، التنفس سطحي."

"انها نوبة ربو ليلية حادة"

قالت وهي تُخرج قناع أكسجين صغير، ركبته بسرعة.

ثم أخرجت جهازًا صغيرًا، أجرَت به قياسًا سريعًا لتشبع الأكسجين في الدم.

"ثمانٍ وثمانون بالمئة... إنها تختنق."

غابريلا شهقت بصوت مبحوح، ولوكا تجمد مكانه.

الطبيبة تابعت، وهي تحقن سريعًا دواءً عضليًا من نوع إيبينفرين 0.3 ملغ، ثم أخرجت من الحقيبة عبوة صغيرة وقلبتها بين أصابعها الغاضبة:

"بخاخ سالبوتامول - الفنتولين - لا يوجد في غرفتها؟!"

رفعت نظرها إلى غابريلا، ثم لوكا:

"أين البخاخ؟ مريض الربو المزمن لا يمكنه النجاة بدون واحد على بُعد ذراع منه!"

صمتٌ.

لوكا اقترب خطوة، صوته خرج أكثر خشونة من أي وقت مضى:

"...هي لم تخبرني انا لم ادقق في خلفيتها الصحية."

الطبيبة زمّت شفتيها بقسوة، وهي تراقب صدر إيزابيلا الذي بدأ ينتظم قليلًا بعد القناع والدواء الطارئ، ثم هزّت رأسها بامتعاض:

"هذا لا يحدث فجأة. هذه فتاة تعاني من الربو المزمن على الأرجح منذ سنوات. نوبات الليل ليست نادرة، لكنها مميتة إذا تُركت دون تدخّل."

ثم نظرت إلى لوكا نظرة حادة:

"والأدهى؟ أنه لا يوجد في غرفتها بخاخ ولا حتى تشخيص معروف. كيف تعيش معها ولا تدري؟! هل أرسلتها للموت البطيء؟"

لحظة...

عيناه شردتا بعيدًا...

العالم انطفأ حوله للحظة، والرائحة الوحيدة التي شعر بها كانت رائحة الغبار القديم... والصمت.

• Flashback - 18 years ago •

غرفة معتمة، شمس الغروب تزحف على الأرضية. فتاة صغيرة، شعرها أشقر، وجهها مبلل بالدموع، تختنق، تصرخ بلا صوت.

صوت والدته يُجنّ جنونه، تصرخ:

«البخاخ!! لوكا، البخاخ أين هو؟!»

لكنه لم يجده. ظل يبحث، يفتح الأدراج، يركض كالمجنون، وعندما عاد...

كانت أخته قد توقفت عن الحركة.

• Flashback ends •

عاد للحاضر، يركض دمّه في عروقه كحمم.

لوكا تقدّم نحو السرير، وجهه مائل للجنون:

- "كيف اغفلت هذا؟! كيف لم اراجع ملفها الطبي؟! كيف نسيت؟!"

صوته كان كالقصف، لكن يداه كانت ترتعشان وهو ينظر إلى وجه إيزابيلا خلف قناع الأكسجين.

شعرها ملتصق بجبينها، صدرها لا يزال يُقاوم، لكنه أكثر انتظامًا الآن.

اقترب أكثر، لكن يدًا ضغطت على صدره فجأة.

الطبيبة، بحزم:

- "إما أن تهدأ... أو تخرج."

ثم اقتربت وجهها من وجهه، نظراتها صارمة كسكين:

"ثوانٍ فقط كانت تفصلها عن الاختناق الكامل. ثوانٍ، يا سيد أورلاندو. ولا وقت لدينا لمسرحيات الهيستيريا الآن. إذا لم تكن طبيبًا، لا تعقّد الأمور."

ظلّ واقفًا للحظات، جسده يرتجف، كأن عقله يقف بين طعنات الماضي ونزيف الحاضر.

ثم تنفّس ببطء... وحاول أن يستعيد صلابته.

لكن... فجأة، وسط السكون...

صوت خافت جدًا، بالكاد خرج من بين شفتيها اليابستين، ارتجف فوق الهواء كأثر حلم نُسي:

"آي... آيدن؟"

خرج الاسم كأنفاس مَن يُقاوم الغرق، مشوشًا، حزينًا، لكنه واضح بما يكفي ليصفع كلّ من بالغرفة.

انكسر شيء ما في عينيه... ليس من الغضب، بل من الخذلان الأعمى، كأن كل ما فعله لم يكن كافيًا ليكون هو الاسم الذي يُنطق حين يتهددها الموت.

إيزابيلا ما زالت تحلم، تائهة في غيبوبة متكسّرة... لكنها، في أضعف لحظاتها، نادت على رجلٍ آخر.

لوكا لم ينطق. فقط وقف، وعيناه على وجهها.

كأن الاسم الذي خرج من بين شفتيها، كان خنجرًا مغروزًا في صدره.

ثم همست خلف القناع، كأنها تتراجع من الحلم...

"...غابريلا...؟"

لكن ذلك جعل كل شيء فيه ينهار دون صوت.

الساعة 03:18 فجرًا

كانت الغرفة لا تزال تغص برائحة الأدرينالين والدواء.

ضوء المصباح الليلي الخافت يغسل الجدران بلون رمادي، كاشفًا وجوهًا تعبت من الركض بين الحياة والموت.

جلست غابريلا بصمت على حافة السرير، جسدها متكوّر، كتفاها منحنيان كأنها تحمل وزنًا لا يُرى.

يدها اليمنى تمسك بطرف الغطاء المتعرق، لكن عينيها كانتا معلّقتين على وجه الفتاة الغافية... إيزابيلا.

كانت تتنفس بهدوء متقطع، قناع الأوكسجين لا يزال يغطي أنفها وفمها، وصدرها يصعد ويهبط كأنها عادت من قاع الغرق لتوها.

لكن الغرق الحقيقي... كان هنا، في قلبي أنا.

لوكا وقف قرب النافذة، ظهره نصف معتم، ووجهه متجمّد في ملامح لا تعرف القرار.

لم يكن فقط قلقًا... بل منهارًا بصمت.

عيناه تتعلقان بإيزابيلا وكأن العالم كله مُختزل في صدرها المرتجف.

لم يكن ينظر لها كـ"فتاة في خطر"... بل كأنها وطنه.

شيء لا يتحمّل فكرة فقده، ولا يعرف كيف عاش دونه.

وذلك... طعنني.

شيء بداخلي ارتجف.

كأن نظراته تخترقني دون أن يراها أحد.

كأنني أشاهد مشهد حب خفيّ، لا أملك فيه دورًا، فقط مقعدًا خلفيًا للبكاء.

"ما بي؟ أليست هذه لحظة نجاة؟ لماذا إذًا قلبي يتمزق؟"

"كنت خائفة عليها، حقًا... لكن أول ما ان رأيته يركض نحوها، أول ما سمعت صوته وهو يصرخ باسمها... لم يكن خوفي أكبر من غيرتي."

عضضت شفتاي وارتجفت كتفاي.

ثم شعرت بها.

دمعة واحدة فقط. ثقيلة، خجولة، لا تحمل اسمًا. سقطت على فخذي كأنها تُدينني.

"غابريلا، لا تكوني طفولية... الفتاة كادت تموت، وأنتِ تحسدينها؟!"

"لكن قلبي لا يفهم... لا يفهم أن الحب لا يُطلب، أنه لا يُنتزع من قلب أحد، لا بالوفاء ولا بالوجود."

تذكّرتُهُ حين مرر أصابعه على ظهري ذات ليلة، وهمس في صدري بكلمات لم يقلها بعدها أبدًا...

"أنتِ أكثر مما أحتمل، وأكثر مما أستحق."

ظننتُ يومها أنه اختارني.

واليوم؟

لا أعرف إن كان يتذكر اسمي وأنا أمامه.

نظرت مجددًا إلى لوكا.

كان ما يزال واقفًا كتمثال، عينيه لا تفارقانها، يده معلّقة فوق الغطاء كأنه يطمئن أن أنفاسها لن تغادره مرة أخرى.

وحين انحنى ببطء، وسحب الغطاء قليلًا على صدرها، بحركة حانية... انكسرتُ تمامًا.

لم يكن مجرد قلق... بل انتماء. كأن كل شيء فيه خُلق ليحميها.

نظرت إلى يده... ثم إلى يدي.

كانت يدي مفتوحة، مرتعشة، تبحث عن شيء لا يعود.

تراجعت.

وصمتُّ، لأن الانهيار لا يحتاج إلى ضجيج.

---

الطبيبة - سيلفيا - تحرّكت من مكانها بهدوء محسوب.

لم تكن فقط طبيبة طوارئ... بل امرأة تعرف تمامًا متى تصمت، ومتى تُنقذ.

طبيبة الظل، كما يسمّيها رجال لوكا، وها هي الآن تحمل حقيبتها وتبدأ بروتوكول الصمت الحازم.

"سيد أورلاندو، ركّز معي."

فتحت علبة شفافة، وأخرجت منها ثلاث زجاجات وأدوية متنوعة.

"هذا بخاخ فنتولين. سريع المفعول. يجب أن يكون في كل مكان: على الطاولة، في حقيبتها، بجانب السرير، في الحمام... لا عذر للنسيان."

ثم أخرجت زجاجة أخرى:

"محلول كورتيزون فموي. مرة يوميًا، لثلاثة أيام فقط. يُخفف الالتهاب ويمنع التشنج."

وأشارت إلى العلبة الثالثة:

"مضاد تحسس. قرص واحد كل مساء. الربو لديها على الأرجح مرتبط بحساسية موسمية أو غذائية."

مدّت له ورقة مطوية بعناية:

"هذا بروتوكول نوبات الربو الليلية. إن تكرر الأمر، اتبع هذه الخطوات بدقة."

ثم اقتربت، نظرتها تزداد صلابة:

"ولو سمعت ذلك الصوت مجددًا... ولو بدت بخير... لا تتردد. لا تثق بسكون الربو، لأنه دائمًا ما يبدأ بهدوء... ويموت بصمت."

لوكا لم يرد. أخذ الورقة والأدوية، لكن عينيه كانتا ما تزالا هناك... على صدرها الذي يرتجف بين كل نفس وآخر.

"...لن أسمح أن يحدث هذا مجددًا."

قالها كمن ينطق حكمًا، لا وعدًا.

الطبيبة أغلقت حقيبتها بصمت، ثم نظرت إلى للحظة... إلى عيني. ولم تقل شيئًا. فقط خرجت، وكأنها تعرف تمامًا أنها تدخل عالمًا لا يُعالج بالدواء وحده.

---

بقي الصمت وحده.

لوكا لم يتحرك. كان واقفًا بثبات يشبه الخوف.

وفجأة، انحنى مجددًا، ثبت القناع برفق على وجه إيزابيلا، ولمس جبهتها بكفٍ مرتعشة.

وانا رأيت ذلك أيضًا.

نظرت إليه، ثم إلى وجه الفتاة النائمة، ثم إلى الأرض.

تلك اللحظة... جعلتني ادرك أن الحرب لم تبدأ بعد.

لكن قلبي؟

كان قد خسر أولى معاركه.

الليلة... لم تكن النجاة كافية.

لأن ما اختنق لم يكن فقط في رئتيها...

بل في قلوبنا جميعًا.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

silk shackles | اغلال الحرير

المؤلف Angelica_Orlando
2025/07/22 مستمرة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة