ها نحن نُقلب صفحة أخرى من هذا القيد الناعم...
لا أعدك بنهاية سعيدة، ولا ببطل يُنقذك.
فقط اقرأ، وامنحني إشارتك بالصمت… أو بنجمة ⭐
فأنت، الآن، أسيرٌ مثلي.
----------------------------------
استيقظتُ على إحساس بالدوار والغثيان.
كأنني أسقط من قمة شاهقة داخل جسدي
لكنني لا أرتطم بالأرض أبدًا
فقط أظل معلقة في دوامة بين وعي ضبابي
ولاوعي أكثر ظلمة.
رأسي أثقل من أن أحمله
كأن جمجمتي مملوءة بالزئبق
تتأرجح داخلي وكأنها لا تخصني.
أنفاسي كانت ضحلة، سطحية...
كأن الهواء من حولي ليس أوكسجينًا بل ضبابًا سامًا يغلف رئتي ويمنعها من التمدد.
كان جسدي خاملًا
وعقلي لا يزال يسبح في غياهب المخدر
كأنني أحاول السباحة في طين كثيف
وكل حركة منهكة كل فكرة تنهار قبل أن تكتمل.
كانت معدتي تتقلّب
شعور مرّ يصعد من حلقي
لزجًا، كأن شيئًا سامًا يريد الخروج.
حاولت أن أستجمع نفسي
أن أتحسّس الحدود بيني وبين العالم
لكن الجلد نفسه لم يعد مألوفًا...
كأنني أرتدي جسدًا ليس لي.
حاولتُ فتح عيني
لكن جفوني كانت ثقيلة كالحجارة
كأن كل رمش يحمل وزر ليلة لم أعشها بعد.
وكأن عينيّ قد أقسمتا أن تبقيا مغلقتين
خوفًا مما قد تريانه.
نبض خافت في صدغي الأيمن
جعلني أعي بأن قلبي لا يزال يعمل
وإن كان ببطء، وبحذر.
ثم... صوت.
لا، ليس صوتًا واضحًا.
بل طنين...
طنينٌ ثابت
يشبه النحلة
لا...
بل كأن خلية نحل غاضبة عالقة في أذني.
صوت محرك... نعم... ديزل ثقيل.
كان هناك اهتزاز خفيف
ينتقل من الأرضية إلى عمودي الفقري
إيقاع مستمر، بطيء، مشؤوم...
كما لو أنني محمولة في أحشاء وحش آلي.
"أين أنا؟"
لم تكن فكرة كاملة
بل نداء داخلي مذعور
بلا كلمات
مجرد صرخة طفت في ظلام رأسي.
شعرتُ بقيود تلتفّ حول معصمي وكاحلي.
لم تكن مجرد حبال... بل ثعابين من اللافا
تلسع كل خلية من جلدي
تُحكم قبضتها مع كل نفس ألتقطه.
حاولت الحركة... لا شيء.
لا هامش للهرب.
لا مسافة حتى لأرتجف.
تبا! أنا... مقيدة.
نبض قلبي ارتفع فجأة
كأن أحدهم ضغط على دواسة تسارع داخلي.
"دُف... دُف... دُف"...
كأنها طبول إعلان نهاية العالم، بداخلي وحدي.
عضضتُ على لساني.
أردت أن أصرخ.
أن أملأ هذا الظلام بصوتي...
لكن الصرخة علقت في حلقي
كأنها سمكة تحتضر على الرمال، تختنق.
أغمضتُ عينيّ للحظة
ثم حاولت التركيز.
تحسّست بعقلي المتناثر أماكن جسدي
واحدًا واحدًا
كما لو كنت أفتش عن أجزاء
من روحي المتكسّرة وسط الأنقاض:
ساعتي الذكية؟
رفعت معصمي الأيسر بصعوبة، لمست الفراغ.
الجلد بارد، عارٍ.
جهاز اللاسلكي في أذني؟
أدخلت ظفري المرتجف تحت أذني.
لا شيء.
مجرد بشرة مرهقة...
لا تكنولوجيا،
لا أمان.
هاتفي؟
مددتُ يدي اليمنى نحو خاصرتي...
الحركة جاءت تلقائية
كما تُطلق البوصلة إبرتها نحو الشمال.
ضغطتُ فوق القماش
قلبته
تحسست المكان
الذي حفظته ذاكرتي عن ظهر قلب.
لا مستطيل معدني بارد.
لا ومضة اتصال توعد بالنجاة.
فقط فراغ...
صمت، سخيف، فاضح.
كأن قطعة منّي لم تُختطف فقط...
بل مُسحت من الوجود.
بدأت أستجمع بقايا أنفاسي
كمن يجمع زجاجًا مكسورًا بيدين عاريتين.
كل شهيق كان قصيرًا
وكل زفير كأنني أدفع صدري عبر ثقب إبرة.
أدوات النجاة...
كان يجب أن أعدّها
كان يجب أن أنتبه
قبل أن تُغلق عيني على كل هذا العدم.
فينتولين؟
البخاخ الأزرق الصغير..
الصوت الوحيد الذي يهدئ هذا الجنون في صدري
حين يضيق الكون بي.
كأن الهواء تذكرني الآن... ليعاقبني.
يدي المرتجفة تسللت نحو الجيب الداخلي
ذاك الجيب الخفي بين البطانة والقماش
حيث كنت أخبّئه دومًا
كشريان أخير في جسد يحتضر.
لمسة بطئية...
ثم لا شيء.
لا معدن بارد.
لا أمل.
الجيب... فارغ.
لكن الفراغ لم يكن في الجيب فقط...
بل في صدري
في حلقي
كأن الفراغ صفعني أكثر من اختفاء الهواء.
الطمأنينة ...
التي كانت تعيش على هيئة بخاخ
خانتني.
أو أُخذت مني.
بشكل غريزي
مددتُ يدي المرتبكة نحو رقبتي.
ملامسي اصطدمت بالبشرة العارية
خالية... فارغة...
القلادة!
كانت عادة... لا كانت وعدًا.
ذلك الشيء الوحيد الذي لم أخلعه أبدًا.
القلادة التي أصرّ آيدن على أن أرتديها دومًا.
خيط أمل يربطني بالعالم، به، بالحياة...
اختفت.
كأن شيئًا انكسر.
لا القيد هو ما كسرني...
بل غيابها.
شعرت كأن أحدهم مزّق عنقي من الداخل
لا الجلد
بل الثقة.
القلادة لم تُنتزع فقط...
بل اقتُلعت من حولي كما تُقتلع شجرة من جذورها
ليُرمى جسدها اليابس بعيدًا.
Flashback - 2 days ago
"قبل 48 ساعة من الآن..."
كان الجو يوشك على الغروب
وأشعة الشمس الذهبية تتسلل عبر نوافذ القاعة
الكبيرة المخصصة للتدريب.
الهواء كان مثقلاً برائحة العرق والمطاط
وأصوات الخطوات المتكررة وأزيز الأصابع على
الأسلحة تملأ المكان.
كنت واقفة أمام المرآة العملاقة
أراقب حركاتي وأكررها بدقة
تحت إشراف ماركو
الذي وقف بجانبي
عيناه تتنقلان بين الشدة والاهتمام.
في لحظة هدوء
وبين استراحة قصيرة
مددت يدي لتلمس قلادتي التي
لم تفارق عنقي منذ أيام.
لم تكن مجرد قطعة من المعدن أو الحبل
بل كانت خيطًا رفيعًا
يربطني بعالم يبدو أحيانًا بعيدًا جدًا.
همست بلا وعي
كأنني أخاطب نفسي قبل أي أحد
مشيرة بيدي إلى القلادة
وصوتي يملؤه الحنان والارتباط:
"هل تعلم؟ هذه القلادة ليست مجرّد قطعة معدن
بل هي وعد... رابط لا ينفصم بيني وبين آيدن
أماني في هذا العالم المزدحم بالفوضى.
والأمر المدهش فيها، حتى لو ضعت
هذا الجهاز الصغير من نوع Tile Pro
المخبأ داخلها سيجدني دومًا."
ابتسم ماركو.
ضحكته كانت خفيفة وعفوية
لكن نبرتها لم تخلوا من برودة
دهشة أو استغراب.
ضحك كما لو أنه يسخر من فكرة
أو ربما من حماقتي التي
اعتقدت أن قلادة صغيرة يمكن أن تحميني.
قال بنبرة ساخرة خفية:
"هل أصبحت قلادتك مصدر قلق أمني؟
يبدو أن الأمور تعقدت أكثر مما توقعت."
توقفت للحظة
حاولت قراءة ما وراء تلك النظرة
لكنها كانت مثل مرآة مكسورة
تعكس ضوءًا متلألئًا لكنه غير مستقر.
شعرت بشيء غير مريح يدبّ في داخلي
إحساس غريب كأن قلبي يقرع ناقوس تحذير
صامت، لكني لم أرد أن أسمع ذلك الصوت.
ظننت أنه يضحك على حذري
لكن ضحكته لم تكن ضحكة رجل يحمي
بل ضحكة رجل يتقن اللعب في الظل.
End Flashback
كانت اليد التي خلعتها... تعرف تمامًا ما تفعل.
اليد التي سلمتني لم تكن غريبة...
كانت يده.
ماركو.
الرجل الذي أقسم على حمايتي.
الرجل الذي كنتُ أراه درعي...
الآن يجرّني نحو الجحيم.
في عينيه لم أعد الطفلة التي يحرسها
بل الشحنة التي يجب تسليمها.
لم أصرخ... لأن الطعنة من الظهر لا تحتاج إلى
صوت، فقط إلى انهيار صامت.
لقد تم شراء جميع الحراس
هنا حيث تُشترى الولاءات وتُباع الأرواح.
المال يتحدث هنا
وبصوت أعلى من أي نداء استغاثة.
لقد كانوا جزءًا من المخطط
أوراقًا محترقة في لعبة أكبر بكثير.
كنت أتنفّس كمن يحاول التعلّق بحافة النجاة
من تحت الماء.
عقلي يغوص في الضباب
لكنّ شيئًا فيّ... بقي يقاوم.
رغبة بدائية في البقاء.
رغبة لا تحمل أسماء ولا شعارات ولا فلسفة.
كنتُ محاطة بالعجز
ومجرّدة من أدواتي
لكن هناك دائمًا زاوية لم تُفتّش بعد
احتمال لم يُجَرَّب
مساحة صغيرة للحيلة...
حتى ولو بدت مستحيلة.
انطلقت ذاكرتي كشرارة نحو أبي.
كيف كان يردّد دائمًا
وهو يربّت على جانبي بحذر أبوي:
"حين يُجردونك من كل شيء...
سيبحثون عن جيوبك، لا عن طباعك."
كان يقولها وهو يدسّ ذلك الجراب السري
ويضيف بابتسامة خفيفة:
"ضع هذا هنا.
إن لم يُفاجئهم مكانه،
فسيفاجئهم أنك تجرؤ."
وقتها ضحكت، وظننت أنه يبالغ.
أما الآن... فكل حرفٍ من كلماته عاد لي
كندبة تحترق على جلدي.
---
في زحمة الوجع، شيء ما استرعى انتباهي
إحساسٌ غريب...
بردٌ معدنيٌ ٬ يضغط على خاصرتي
كأنه يهمس لي بأنني لم أُسلب كل شيء بعد.
حركة خفيفة، ثم تماسٌ بارد ومألوف.
رجفة صاعقة اجتاحتني... أعرف هذا الإحساس.
المسدس الصغير!
ذلك الذي أخفاه أبي داخل الجراب، في مكان لا
يخطر على بال خاطفٍ مستعجل.
تفتيشهم كان سطحيًا... لم ينتبهوا لمكانه.
بصيص أمل.
ضعيف... لكنه حقيقي.
بصيص أضاء الظلام الحالك في داخلي.
شيء صغير... لكنه يكفي أحيانًا ليحرّك جبلًا.
وكأن هذا المسدس لم يكن قطعة حديد فقط...
بل نداء خفي من أبي، يهمس في أذني:
"استعملي ما تبقّى... قبل أن لا يتبقّى شيء."
ابتلعت ريقي بصعوبة.
القيود لا تزال تحاصرني، تلفّ معصمي وكاحلي
كأفعى صبورة.
بدأتُ أحاول فكّها.
حبل سميك، خشن، متعمد ليجرح الجلد ويمنع الحركة.
لكن أبي... أبي علّمني كيف أتملّص.
"القيود التي تصنعها الأيدي... يمكن للألم كسرها."
كلماته كانت سياطًا تشعل عزيمتي.
دفعتُ معصمي بقوة.
لكن الحقيقة؟
لم يكن معصمي ما أحتاج إلى تحريره...
بل إبهامي.
أبي علّمني هذه الخدعة القاسية ذات يوم،
وهو يلفّ الحبل حول يدي ثم يشير إلى مفصل
إصبعي قائلاً بنبرة جادّة:
"إن لم تستطع كسر القيد... اكسر ما بداخلك."
والآن... كنت أنفّذ.
شدّدت الحبل على نفسي، لا لأمزّقه،
بل لخلع الإبهام من مكانه... ببطء، وبدقة قاتلة.
الألم كان فوريًا...
كأن عصبًا حيًّا يُقطّع بسكين صدئة.
سمعت فرقعة خافتة...
ثم صرخة انفجرت في رأسي دون أن تصدر صوتًا.
لكنني لم أتوقف.
بل ازددتُ تصميمًا.
كان كل شيء يرتجف داخلي،
لكنني تمسّكت بما تبقّى منّي.
"تحمّلي هذا... أو تحمّلي موتكِ."
أخذت نفسًا عميقًا أو ما يشبهه.
استغليت أي ارتخاء... أي ضعفٍ في الرباط.
لففت يدي ببطء
كأنني أروّض وحشًا يتغذّى على دمي.
ثم...
انفراج.
طفيف... لكنّه كل ما كنت أحتاجه.
أزحت يدي الملتوية من داخل الحبل
إصبعي مرتخٍ، متدلٍّ، لكن حُر.
حركت أصابعي...
شعرتُ بها تُلامس الهواء لأول مرة،
كأنها تتذكّر شكل الحرية.
لكن فرحتي لم تكتمل.
يدي الأخرى لا تزال عالقة.
والوقت... ليس في صفي
لكن...
قبل أن أستمر، بدأ شيءٌ غريب يتسرّب إلى داخلي.
صوت المحرك تغيّر.
تلك الهمهمة الثقيلة المستمرة...
لكن نبرتها انخفضت قليلًا،
كأن الشاحنة تُبطئ فجأة،
أو كأن شيئًا خارجها أثّر على مسارها.
في البدء تجاهلت الإحساس.
ظننت أنني أتخيل... أو أن الأمل عاد يلعب بعقلي.
لكن لا...
الأرضية نفسها بدأت تهتز بطريقة مختلفة.
اهتزاز غير منتظم، يشبه الاختناق.
صوت الاحتكاك مع الطريق أصبح أكثر خشونة...
ثم فجأة...
توقف تام.
الشاحنة توقفت فجأة،
بعنف، دون سابق إنذار.
كأن شيئًا صدمها من الأمام
أو كأن السائق ضرب المكابح بجنون.
ارتطم جسدي بالجدار المعدني الخلفي،
شهقت، ليس فقط من الألم، بل من المفاجأة.
رمح حاد من الألم اخترق ظهري
وشعرت بالعظام تصرخ في مكانها.
لم يكن هذا توقفًا عاديًا.
كان قاطعًا، عدائيًا... خاطفًا للأنفاس.
ثم... ارتدت الشاحنة للأمام بقوة
كأنها تتراجع تحت ضغط.
فقدت توازني.
سقطتُ على الأرضية الفولاذية الباردة
يدي المقيّدة اصطدمت بالحافة
وارتطم وجهي بالمعدن.
صوت صرير الباب الخلفي شقّ السكون.
الباب... يُفتح.
ضوء خافت بدأ يزحف إلى الداخل
مخترقًا الظلام الذي اعتدت عليه.
لكنه لم يكن نورًا مريحًا...
بل كشافًا باردا، مفاجئًا، قاسيًا.
ظلال رجال ظهرت.
طوال القامة، ضخمة، تتحرك بثبات كأنهم يعرفون
بالضبط من ينتظرهم.
أصوات أحذيتهم المعدنية تضرب أرضية الشاحنة
كأن كل خطوة تحمل حكمًا مؤجلًا بالإعدام.
كنت لا أزال على الأرض
جسدي نصف مشلول من الصدمة
ويداي... واحدة فقط حرة، والأخرى لا تزال مكبّلة.
قلبي ينبض بجنون.
لا، ليس الآن...
ليس قبل أن أحرر يدي...
ليس قبل أن أصل إلى المسدس.
لكن الظلال كانت تقترب.
واحدة...
اثنتان...
ثلاث.
وكل خطوة كانت تسرق مني فرصة.
اقترب أحدهم...
ظلّه كان أول ما رأيته.
قبض على كاحلي فجأة
بخشونة من يجرّ جثة لا إنسانة.
ارتطم ظهري بالأرضية الباردة
وسُحب جسدي نحو الضوء...
دون كرامة، دون رحمة.
شهقتُ.
الغثيان تفجّر في معدتي مثل حمم،
والألم في مفصل ركبتي أشعل دمعتي
قبل أن تصل عيني.
كنت أرتجف ما بين الخوف والدوار...
أطرافي باردة، لكن جبيني يتصبب عرقًا.
عينيّ بالكاد تبقيان مفتوحتين...
كل شيء يهتز، يدور، يتداخل.
لكنني قاومت.
رفستُ بساقي الأخرى، ركلة عشوائية...
لكنها كانت كل ما أملك.
"دعني! ابتعد!"
خرج الصوت من فمي كأن أحدهم عصر رئتي.
ضعيف... أجش... لكنه موجوع.
الرجل تمتم، ضاحكًا ضحكة مقيتة أشبه بصرير
مفصَل باب صدئ:
"يا لكِ من عنيدة!"
اقترب أكثر
ثم امتدت يداه نحو فخذي
تسللت أصابعه إلى أسفل فستاني الأسود...
كانت نيته واضحة.
ليست تفتيشًا.
بل إذلالًا.
شعرتُ بجسدي يتصلّب
نبضي يتوقف
دمعي يتراجع إلى جوف جمجمتي.
الغثيان صار له طعم حديد في فمي.
قرفٌ، اشمئزاز، فزع.
"لا... لا تلمسني..."
نبرتي لم تكن قوية...
لكنها كانت حقيقية.
حملت كل ما بقي لي من إنسانية
وسط قذارة لا تغسلها بحار.
ثم...
جاء صوت.
حاد. قاطع. بارد كحد السيف.
"اتركها لي، كارلو."
تجمّدت.
كأن الزمن تجمّد.
هذا الصوت... أعرفه.
أكرهه أكثر مما أكره كلّ ما جرى لي.
رفعت رأسي بصعوبة.
الغشاوة ما زالت تكسو بصري،
كأن الهواء بيني وبينه دخان رمادي.
ثم... وضِح الشكل شيئًا فشيئًا.
لوكا أورلاندو.
لم يخطُ نحوي بل بدا وكأن العتمة لفظته إليّ،
كأنها تعبت من إخفائه.
وجهه لا يحمل سوى هدوء العاصفة القادمة.
ذلك النوع من السكون الذي يسبق الخراب
لا يُنذر به، بل يُغريك بانتظاره.
عيناه الرماديتان لم تعكسا النور...
بل ابتلعتاه، كأن فيهما ظلامًا مقيمًا.
ترصدان كل ما تقعان عليه... بلا مشاعر، بلا رحمة.
كان يرتدي بدلة داكنة مُحكمة
من قماش لا يعترف بالتجاعيد.
تتدلّى على سترته سلاسل فضية، لا تُشبه الزينة...
بل تُشبه الأصفاد.
أنيقة. باردة. مشؤومة.
وفي يديه...
قفازات جلدية سوداء.
تُطوّق أصابعه بإتقان
كأنها جزء منه
أو كأن لمس الأشياء العارية أمر لا يليق بيدٍ مثله.
خطواته كانت محسوبة، بطيئة...
كأنه لا يطأ الأرض، بل يدوس على قلوب من فيها.
لا يستعجل.
كأن الوقت ملكه
اقترب.
ثم انحنى.
ظله غطّى جسدي قبل أن يلمسني.
ويده... تسللت إلى أسفل فستاني.
لحظة واحدة كانت كافية لتنفجر داخلي كل
صفارات الخطر.
الاشمئزاز اندفع من معدتي كالقيء
والغضب...؟
الغضب اشتعَل في صدري كشرارة ترفض أن تنطفئ.
لكنني لم أسمح لعقلي أن ينهار.
بل أمسكتُ بما تبقّى مني...
ذلك الجزء الصلب، الذي لا ينكسر مهما لطمه الإذلال.
وبصقت.
بصقتُ في وجهه
بكل ما فيّ من كراهية، وكرامة، ورفض.
كانت البصقة ضعيفة جسديًا...
لكنهّا كانت خنجرًا نفسيًا.
ضحك...
لا كمن وجد شيئًا مضحكًا
بل كمن يستمتع بانهيارك.
ضحكته خرجت دون أن تستأذن
باردة، مفصولة عن أي مشاعر حقيقية.
كأنها تهزأ بكرامتي من داخل عظامي.
ثم رفع يده...
لا بغضب، بل بهدوء مطمئن.
كأنما ينفّذ إجراءً إداريًا روتينيًا.
وصفعني.
كأن الصفعة كانت جزءًا من البروتوكول.
صفعة هزّت رأسي كما تهزّ الريح شجرة صغيرة.
الجلد احترق، والدم تدفق نحو وجهي كأنني
انسكبت من الداخل.
دموعي تجمّعت، لكنني حبستها في مقلتي.
لن أبكي.
لن أمنحه تلك النشوة.
"من أنت؟"
همستُ بها...
كأن الكلمات تمرّ من سكين في حلقي.
ابتسم بازدراء.
ابتسامة خالية من الكلمات... لكنها حبلى بالتهديد.
كافـية لتجعل الدم ينسحب من وجهي
قالها بنغمة لا حياة فيها...
كأن صدى الجحيم نفسه هو من يتكلم:
"أنا الظل الذي لا تحتمله ملائكة السماء...
والهاوية التي تناديكِ منذ وُلدتِ."
ثم...
مدّ يده نحو خصري.
ببطء.
بيقين.
بثقة من يعرف كل الزوايا.
لم يفتّش.
بل انتزع المسدس الصغير مباشرة.
من مكانه المخفي.
من تحت الحزام الداخلي.
من حيث لا يُفترض أن يعرف.
تجمّدت.
متى تفطّن إليه؟
من أبلغه؟
الأسئلة ارتطمت ببعضها في رأسي
لكن جوابي الوحيد كان هذا:
لوكا أورلاندو لا يجهل شيئًا...
بل ينتظر اللحظة
التي يكشف فيها أنه يعرف كل شيء.
نظرتُ حولي
أحاول أن أفكّ شيفرة المكان.
لكن لا شيء أجابني...
فقط أشجار السرو، كثيفة، صامتة،
تلتفّ حول الطريق كأذرع مريضة تخنق كل ما يمر.
السماء فوقنا كانت ملبّدة، بلون الرماد،
كأنها تُشيح بنظرها عن الخطيئة المقبلة.
وأمامنا... قصر.
ليس بيتًا، بل كيانًا.
بناء ضخم على الطراز القوطي، مشوّه بجماله
صامت بوقارٍ .
بوابة حديدية ملتفّة بالأغصان القديمة
كأن الطبيعة نفسها حاولت أن تبتلعه... وفشلت.
كانت يدي الثانية لا تزال مقيّدة
والألم في إبهامي لا يُطاق... لكني لم أستسلم.
بل كنت أتنفّس من خلال عنادي.
نظرت للحبل.
نظرت إليه كما ينظر غريق لحبل نجاة، لا لأنه ينقذ...
بل لأنه الفرصة الأخيرة.
جمعت ما تبقى من قواي المرتجفو
وشددت الحبل على نفسي من جديد.
استغليت الخدعة ذاتها.
أعدت إزاحة مفصل إصبعي من مكانه
هذا الإبهام المتورّم المتدلّي صار المفتاح.
دفعته.
انزلق الحبل.
ثم...
الحرية.
يداي تؤلمانني، تنزفان، لكنني لم أسمح لعقلي أن
يحتفل.
لا وقت لذلك.
وبكل هدوء مصطنع، تظاهرت بالسقوط.
كأنني انهرت من الألم أو الإعياء.
تركت جسدي يرتطم بالأرض المعدنية الباردة
لكنني في اللحظة ذاتها، تشبثت بحزام أحد الحراس
قبضتي كانت ضعيفة، لكن دقيقة.
تحسست المسدس.
أصابعي لمست الزناد، الإطار، المقبض.
لم أتردد.
فقط سحبته بكل ما أملك من سرعة.
كادت أن تصرخ يدي اليمنى من الألم
كأن كل عصب فيها يحترق،
خاصة مع كسر الإبهام...
لكنني قاومت.
أسندت السلاح بيدي اليسرى، رغم رعشتها.
يداي لا تتعاونان
لكن البقاء أهم من الدقة.
شهرت المسدس.
ووجهته مباشرة نحو صدره... صدر لوكا.
أنفاسي كانت مقطّعة
الهواء ثقيل في صدري
والزمن بدا وكأنه يتباطأ
فقط ليمنحني فرصة أخيرة.
لم يكن هناك وقت للتفكير.
ولا للندم.
فقط... البقاء.
"أيتها المجنونة!"
صرخ الحارس خلفي، لكنني لم ألتفت.
شهقتُ...
شهقة اختلط فيها الخوف بالغضب، واليأس بالحياة.
يدي كانت ترتجف، لكن قبضتي كانت ثابتة كحدّ السكين.
اللحظة تشقّ الزمن.
كل شيء تجمّد لثانية، ثم انفجر.
الحراس شهقوا، صرخوا، شتموا كلٌّ منهم أخرج سلاحه في حركة انعكاسية، مدرّبة، لا رحمة فيها.
أصوات الحديد تُسحب، صفّ الأمان يُفك، الفوهات السوداء تتجه نحوي كأفواه تنهش الهواء.
أحاطوا بي كخنادق حية... كأنني التهديد الأكبر رغم أنني بالكاد أستطيع الوقوف.
أحدهم صاح:
"أسقطي السلاح! الآن!"
آخر تقدم بخطوة، يده على الزناد، واللعنات تتطاير من عينيه.
لكن لوكا... لم يتحرك.
بل رفع يده ببطء، نبرته لم تكن صراخًا، لكنها شقّت القاعة كأنها صوت نبيّ في زمن الخراب:
"أنزِلوا أسلحتكم..."
تجمّد الجميع.
نظر إليهم واحدًا واحدًا، كأن أنفاسهم بيده، ثم قال بصوت انخفض حتى أصبح خطًا من الجليد:
"أنزِلوا أسلحتكم فورًا...
من يوجّه فوهته نحوها، فقد وجّهها إلى رأسي.
من يلمسها، سأجعل الأرض تلفظه حيًا.
هي ليست رهينة...
هي من لو قرّرت قتلي، سأموت واقفًا، باسمها على شفتي.
وإن اقترب أحدكم منها بسوء، فليُعِد كتابة وصيته."
صمتٌ تام.
كأن الهواء ذاته توقف عن التنفّس.
الجنود تراجعوا خطوة.
لم يُنزِلوا أسلحتهم فورًا، لكنهم خفّضوها... كما يُخفض العدو رأسه اعترافًا بسلطة أكبر من فوهة السلاح.
أحدهم تمتم بتردّد:
"سيدي... إنها تصوّب نحوك—"
قاطعه لوكا، صوته لم يرتفع، لكنه قطع الصمت كالسيف:
"غضبها ليس عارًا أُبرّره… بل شرفٌ أُدين أمامه.
ومن يظن أنه يملك الحق ليوقف امرأة تطالب بثأرها،
فليحاول النجاة من أنياب من وُلِدت وفي فمها جُرح."
ثم نظر إليّ.
عيناه الرماديتان اشتعلتا بلون لا أعرفه، مزيج من الجنون والافتتان والتملّك.
"أطلقي...
فما الحياة، إن لم تكن آخر أنفاسي مختومة باسمكِ؟"
ضغطت الزناد.
طق!
صوتٌ صاخب شقّ اللحظة...
الرصاصة انطلقت بسرعة البرق
واخترقت معطفه الأنيق.
رأيته يترنّح.
تراجع خطوة مفاجئة
جسده تمايل بقوة
كأنها لكمة خفية أسقطت أنفاسه من الداخل.
شفتيه انفرجتا بألمٍ مكبوت
وصدره ارتفع كمن يحبس صرخة.
لكنه...
لم يسقط.
أصوات كل من في المكان بهتت.
كان هو من يتقدّم نحوي الآن، بخطى أبطأ... وأبرد.
ثم، ابتسم.
ابتسامة مشقوقة، غريبة... تنزف سخرية
بصوتٍ أشبه بالهمس، يقطر خبثا قاتلا:
"كم أنتِ شقية...أخطأتِ الهدف... لكن أصبت قلبي."
قالها بهدوء مرعب
وهو يخلع سترة واقية من الرصاص.
ويرميها عند قدمي، كأن كبريائي المهزوم يُلقى معها.
استرسل بصوت رخيم كأنما يُنهي صلاة جنائزية:
"كنت أراقبكِ، إيزابيلا...
منذ أن تعثّرتِ على عتبة قلبي وأنتِ بعمر الزهور.
لم تكوني يومًا عادية... كنتِ قصاصة من لعنتي،
تمشين على قدمين، جميلة بما يكفي لتُحرقي
الجحيم إن ابتسمتِ له."
توقف، ثم أضاف بصوت أكثر نعومة: "كبرتِ الآن...
ونضجتِ تمامًا. حان وقت الحصاد."
---
تبا!
لم أتمالك نفسي... خرجت الكلمة من بين أسناني
كصفعة، كمقاومة أخيرة لواقعٍ يزداد جنونًا.
لوكا تقدم نحوي.
لا... لم يمشِ. بل زحف الزمن معه.
ببطء مرعب، كأن الأرض تنكمش تحت خطواته
أخرج من سترته بيريتا 92 إس، فوهة طويلة بكاتم
صوت، سوداء كجناح غراب.
شهقت.
رفعتُ مسدسي
يدي لا تزال ترتجف، لكن أصبعي ثابت على الزناد.
صرختُ بصوت مزّق حلق الألم:
"إن اقتربت إنشًا واحدًا، سأفجّر دماغه!"
ضغطت الفوهة على صدغ الحارس
كان جسده يرتجف، ويداه مرفوعتان استسلامًا.
رأيت الخوف في عينيه... خوف حقيقي.
كأنني فعلاً أملك زمام اللحظة.
لكن فجأة...
طلقة واحدة.
لم تكن من مسدسي.
فرقعة مكتومة
كأن الموت تنفّس من فوهة السلاح.
ثم...
دماغه تناثر.
حفرة سوداء انفتحت في جبهته
وانطفأ كل شيء في عينيه قبل أن يسقط أمامي
كأن الأرض لم تعد تعترف به.
شهقت.
يدي تهتز.
دم حار تناثر على وجهي.
وعلى فستاني. كنت أتنفس رائحة الموت.
"كان عميلًا مزدوجًا."
قالها لوكا كمن يُدلي بتقرير مالي.
"كنت أراقبه منذ شهور.
الخيانة لا تُغتفر في إمبراطوريتي."
نبرة صوته كانت أبرد من فوهة السلاح.
كأن جملة القتل ليس جريمة... بل سياسة داخلية.
وقبل أن أستوعب ما حدث...
تقدّم الحراس.
أحدهم أمسك بيدي
الآخر نزع المسدس من أصابعي المرتجفة
الثالث كبّلني بحركة مدروسة.
صرخت. ركلت. عضضت. لا فائدة.
ثم... وخزة.
حادة. قصيرة. كأن نحلة لدغت رقبتي.
"لا!"
تمتمتُ
لكن الكلمات تلاشت على لساني كرماد مبلل.
شعرت بالخدر يتسلل...
أولًا إلى عنقي...
ثم كتفي...
ثم ساقيّ.
كل شيء أصبح ثقيلاً...
رطبًا... كأنني أغرق في طين دافئ.
جسدي يتبخر.
"أيها المجنون... أنزلني!"
صرخت، لكن صوتي بدا لي بعيدًا... هامشيًا.
كأنني أسمع نفسي من تحت الماء.
لوكا حملني.
كما يُحمل كيس بطاطا. لا حذر، لا احترام.
فقط امتلاك.
كنت أتدلّى على كتفه، كأنني حقيبة مسروقة.
أحاول الضرب، لكن أطرافي تحولت إلى خيوط.
رأسي يتأرجح.
العالم يدور.
كل شيء يسحبني نحو اللاشيء.
آخر ما رأيته؟
كتفه العريض. وذراعه المشدودة حول ساقي.
لم أكن شخصًا... بل شحنة يُعاد توضيبها.
لم يسقط الظلام دفعة واحدة...
بل انسدل كستارة مسرح، بطيئة، ثقيلة،
تخفي خلفها آخر بصيص منّي.
كأن الوعي يُسحب إلى نعش مغلق...
دون أن أُودّع نفسي.
---
اقترب من أذني، وهمس:
"سأعطيكِ فرصة لتستعدّي... لجحيمي."
لم تكن جملة.
كانت وعدًا.
صوته لم يكن حادًا... بل مبلّلًا بالحتمية
كأن لا شيء في هذا العالم يستطيع منعه.
ثم أضاف، بنبرة لا تهدف للطمأنة... بل للهيمنة:
"لن أؤذيكِ...
إلا بالقدر الذي يجعلكِ لا تستطيعين
العيش من دوني."
.
.
.
♡
Angelica_Orlando