أعرف أنك تقرأ من شاشة، لا من ورق.
أعلم أن إصبعك مستعدّ للتمرير،
لكن هل تعلم من الذي يُحرّك مَن؟
أنت… أم النص؟
هذا ليس تفاعلًا، هذه جلسة استجواب.
كل كلمة تقرأها الآن هي ضوء أحمر في زاوية مظلمة من عقلك.
لا تضحك… أعرف تلك الابتسامة التي تخفي بها الخوف.
أنت لا تقرأني… بل تتهجّأ نفسك بصوت غير مسموع.
وأنت تعرف هذا.
لأنك لم تعد تميز بين الجملة التي كتبتها الحياة… والجملة التي كتبتك أنت.
لا تبحث عن حبكة، أو معنى، أو خلاص.
هذا الفصل هو أنت بعد منتصف الانهيار.
أنت حين تمسح دمعة قبل أن يراها أحد،
حين تقول "أنا بخير" وأنت تتفتّت بصمت.
والنجمة؟ ⭐
لا تتركها لي.
اتركها لك.
لتذكّرك أنك، لوهلة… كنت شجاعًا بما يكفي لتقرأ نفسك حتى النهاية.
---------------------------------
الليل لم يكن كما كان...
ذلك النوع من السكون الثقيل الذي يعقب عاصفة، لا يعلن السلام، بل يحذر منه.
كأن العالم ذاته يلهث، يلتقط أنفاسه بعد أن كاد يخسرها، وهو يراقب جسدًا نحيلًا يرتجف تحت غطاء مبلل بالعرق، وعيونًا غائبة تتقلب خلف جفون مغلقة، في حرب داخلية بين الحياة والموت.
كانت الغرفة غارقة في شبه ظلام، يقطعه ضوء مصباح ليلي ضئيل، كأن المصباح لا يجرؤ على كشف ما حدث هنا.
الأدوية متناثرة على الطاولة الجانبية، قناع الأوكسجين ما يزال فوق وجهها، وخلفها... رجل لم ينم، بل غفا من فرط السهر والخوف.
يده تحيط بخصرها كقيدٍ ناعم، وهمهماته الخافتة تكشف أنه في عالم آخر، أقل قسوة من الواقع.
لكنها...
كانت تقترب من العودة.
والحياة، حين تعود لجسدٍ منكسر... لا تأتي رحيمة.
---
الهواء...
الهواء له طعم غريب.
كأنني أتنفس من حنجرة غيري، من رئتين ليستا لي.
ثقيل، خشن، يشبه صوت منشار يخدش الداخل... لكنه موجود.
أغمضت عينيّ أكثر، كأن جسدي يريد أن يبقى في ذلك الظلام الحالم، حيث لا ألم، لا وعي، لا زمن.
لكن النور بدأ يتسلل تحت الجفنين، والبرد بدأ يزحف على أطراف أصابعي، وبرودة خفيفة تحت رقبتي جعلتني أتحرك قليلًا.
شيء... يشدني.
دفء يحيطني.
يد.
... يد تمسك بي؟
لا
لا تمسك، بل تحاصر.
فتحتهما ببطء.
عيناي.
ثم عقلي...
السقف فوقي ليس السقف الذي أعرفه.
الستائر ليست ستائر غرفتي القديمة في منزل أبي.
رائحة الجو ليست رائحة بيتي.
رمشت مرّتين.
الستائر قاتمة.
ضوء خافت.
و...
رأسه.
كان نائمًا بجانبي.
لوكا أورلاندو.
وجهه قريب مني، بطريقة بشعة... حميمية دون إذن، واقتحامية أكثر من أي كابوس.
ذراعه الثقيلة ملتفة حول خصري، كأنها لم تُخلَق إلا لسجني، كتفه العريض ممدود خلف رأسي، أنفاسه دافئة تصطدم بعنقي.
كان نائمًا.
أو نصف نائم.
وجهه يبدو هادئًا، لكنني أعرف هذا الوجه حين يفتح عينيه.
أعرف ما يخفيه تحت تلك الهدنة الزائفة.
لحية خفيفة على ذقنه، حاجباه غليظان، وأنفه مستقيم بقسوة.
شفاهه مرتخية، لكنني رأيتها تتلوى حين يغضب... أو حين يمارس...
ارتجف قلبي.
سحبت جسدي بحذر.
لا فائدة.
يده شدّت أكثر.
وكل خلية في جسدي صرخت: لا تلمسني... لا تلمسني مجددًا.
لكنني لم أستطع النطق.
كنت جامدة.
مجمدة.
كأنني طفلة تظن أن الموت لن يراها إن بقيت ساكنة بما فيه الكفاية.
... تذكّرت.
كنت أختنق.
نعم...
لم أكن أحلم.
جسدي كان يتمرد عليّ، صدر يحترق، عينان تتوسلان للأوكسجين.
كنت أقاوم، وأردت أن أستسلم.
نعم...
تمنيت الموت.
للحظة، وأنا أغرق... تمنيت لو أنني رحلت.
لو أن تلك النوبة قضت عليّ.
لو أن جسدي الضعيف قرر أن يتوقف.
لأني لم أعد أحتمل.
لم أعد أحتمل أن أستيقظ هنا.
أن أستيقظ قربه.
أن أشعر بذراعه على جسدي، كأنني شيء يملكه.
كأنني حيوان منزلي... كأنني لعبته.
ألمٌ ما لا يزال نابضًا بين فخذي.
نبضٌ خافت كطعنات خزيٍ متأخرة، يُذكّرني بما حدث... حتى وإن لم أره.
دمعة.
واحدة فقط.
هربت من عيني دون إذن.
دافئة، لكنها ثقيلة.
لم يكن بكاءً.
كان انكسارًا.
أنا... أنا أكرهه.
أكرهه كما لم أكره شيئًا في حياتي.
لكنني أعيش في سجنه.
أنام على فراشه.
وأحمل آثار جسده على جسدي.
وفي كل لحظة أحاول أن أهرب،
أكتشف أنني في الداخل صرت سجينة أكثر من الخارج.
•
هل تعرف ما يعنيه أن تُغتصب؟
أن تُغتصب مرارًا،
لا مرة.
أن يُملى عليك متى تتنفس، متى تنام، متى تُلمَس.
أن تصبح مجرد جسد... يُمتلك.
هل تعرف كيف تصرخ عظامك من الداخل؟
كيف تصمت شفتاك لكن كل خلية فيك تستغيث؟
أن يُنتَزع جسدك من روحك...
ويُعاد إليك، ملوثًا، دون أن تقدر حتى على الرفض.
إنه لا يسأل.
لا يطلب.
هو فقط يأخذ.
وأسوأ ما في الأمر؟
أن العالم لا يراك.
لا أحد يسمع.
لا أحد يعلم.
ولا أحد سينقذك.
الليلة... تمنيت فقط أن ينتهي كل هذا.
أن أغيب.
أن أرتاح.
لكنني... عدت.
عيني مفتوحة، وجسدي هنا، وجحيمه يحيطني مجددًا.
صوت تنفسه هادئ.
غافل.
غبي.
كأنّه لم يكن السبب.
لكنني لن أبقى.
لا إلى الأبد.
سأهرب.
بجسدي، أو بعقلي، أو بروحي.
حتى لو تطلّب الأمر أن أموت واقفة.
-----
يدي تحركت ببطء نحو معصمه.
حاولت أن أبعده.
لكن حتى في نومه... تشبّث بي.
كأنني مِلْكه.
كأن جسدي لا يخصّني.
عيناي أغمضتا بقوة.
والدمعة الثانية؟
سقطت دون مقاومة.
------
كنت أظن أنني سأنجح...
أن أُزيح ذراعه الثقيلة عني دون أن يشعر،
أن أخرج من تحت هذا الغطاء الملوث،
أن أهرب، حتى لو إلى الحمام، فقط لأتنفس بعيدًا عنه.
لكنني لم أكن سريعة كفاية.
ولا خفيفة كفاية.
ولا محظوظة أبدًا.
تحرّك.!
ثقل جسده تغير، أنفاسه اختلّت للحظة،
وشعرت بأصابعه تنقبض حول خصري أكثر، كأن جسده يرفض فكرة أنني أتحرّك.
انكمشت.
تجمدت.
كل شيء بدا وكأن الزمن توقّف.
ثم...
ذلك الصوت.
الذي أكرهه.
صوته حين يكون ناعماً، وهمسًا...
حين يتظاهر بأنه ليس هو سبب جحيمي.
"أين تحاولين الذهاب؟"
كلماته خرجت خشنة من أثر النوم،
لكنها زحفت على جلدي كالأفاعي.
كنت لا أزال مستلقية، وهو يسحبني أقرب،
حتى تلاصقنا.
ظهره نصف عارٍ.
يده تغمرني من الخلف، ذراعه تلتفّ على خصري،
وصدره العاري يضغط على ظهري.
أنفاسه عند عنقي.
"إيزابيلا..."
همسها من جديد، كأننا في مشهد عاطفي.
وكأن شيئًا لم يحدث.
شعرت بجسدي يقاتلني،
أنفاسي تتسارع، لكن صرختي اختنقت في مكانٍ ما بين القلب والحنجرة.
"كنتِ تختنقين الليلة الماضية..."
قالها وهو يمرر أصابعه على خاصرتي.
"حسبتكِ ستموتين بين يدي."
بين يديك؟
"تمنّيتُ أن لا تعودي إليّ هكذا...
هزيلة، ضائعة. تمنيتكِ أقوى..."
وقحة هي كلماته.
كأنه يعاتبني على نجاتي.
كأنه يعتبرني مشروعًا عليه أن يُنجز ترويضه.
فجأة، انقلبت، دفعته بيدي بقوة.
جسدي ارتجف، لكنني قاومت.
بكل قواي.
صرخت بصوت مبحوح، كأن صوتي نفض الغبار عنه لتوه:
"أبعد يدك عني!"
تراجع لوكا خطوة للخلف، مندهشًا...
لكن وجهه بقي جامدًا، كأن ما فعلته لم يكن أكثر من رد فعل طفولي.
ابتسم.
"كنتِ تحلمين بوالدك، صحيح؟"
قالها بنبرة ثقيلة، وهو يعدّل جلسته على السرير.
"نظرتكِ الأولى حين فتحتِ عينيك قالت كل شيء."
تجمدت عيناي عليه.
كان يقرأني.
"ظننتِ أنكِ استيقظتِ في بيتك."
اقترب، ببطء، ثم همس:
"لكن الحقيقة... أن بيتكِ هنا الآن. معي."
لا.
لا، لا، لا.
صحتُ بداخلي.
كل شيء بداخلي تقيّأ رفضه.
لا مكان لي هنا.
هذا ليس بيتي.
وهذا الرجل... ليس شيئًا سوى جلاد.
"لستُ ملكك."
قلتُها ببطء، بصوت باكٍ.
"ولا كنتُ يومًا لك. وإن كنتَ تظن أنك اشتريتني... بجسدٍ دُنس، أو بيتٍ من حديد... فأنت لا تعرف شيئًا عني."
وجهه تغيّر.
عضّ شفتيه، وتلك النظرة في عينيه...
النظرة التي تسبق الانفجار.
لكنه... تنفس.
ثم أعاد نظره إليّ، وقال بصوت منخفض جدًا، كأنما يخاطب نفسه:
"لكنني أعرف أنك لن تذهبي."
هززت رأسي، وقلبي يوشك أن يتمزق:
"سأذهب."
ثم همست، بالكاد خرجت الكلمات:
"حتى لو متّ، سأهرب منك."
نظر إليّ كما ينظر الصياد لفريسة تظن أنها هربت... لكنه يعرف تمامًا أين ستسقط.
اقترب
نظراته لم تكن غاضبة... بل مهووسة.
نظرة رجل لا يرى في اقترابه خطأ، بل حقًا مكتسبًا.
كنت أتراجع.
لكنني لم أملك المساحة الكافية.
كنت كفأر عالق في زاوية سرير، والجدار خلفي صلب، وهو قادم، ببطء مميت.
يده ارتفعت،
أصابعه مسّت عنقي،
ثم أمسكني... ليس بعنف، لكن بإصرار مريض.
"إيزابيلا..."
همس باسمي كأنه تلاوة مقدسة.
ثم... انحنى.
شفاهه لامست شفتيّ بسرعة مباغتة، دون إذن
دون سؤال
قبلة باردة... سرقتها أنفاسه مني كما لو كانت غنيمة حرب.
ارتجفتُ.
لم تكن قبلة... كانت إعلانًا.
إعلان امتلاك، إعلان قهر.
شعرتُ كأن روحي تقهقرت إلى الوراء، إلى لحظة رأيت فيها والدي يراقبني بعينيه القاسيتين.
كأن أبي، حتى من بعيد، يرمقني الآن بازدراء.
كأن عينيه، التي لم تبكِ عليّ حين اختُطفت...
تحترقان الآن بي لأني تركتُ لوكا يقترب.
رغم أني لم أخير. بل أُجبرت.
لكنها كانت قبلة تحمل خيانة لكل ما كنت عليه
ووصمة لا تُغسل.
كاد أن يستمر...
لكن الباب انفتح فجأة.
"كأن السماء كانت تنتظر إشارة..."
غابريلا.
واقفة عند الباب، بصينية فضية، عليها طبق شوربة وبضع فوط نظيفة.
نظرت إلينا... إلى شفتيه الملتصقة بي، إلى يده على عنقي، إلى ارتجافي تحت ذراعه.
الزمن تجمّد.
ثانيتان من الصمت... ثم ابتسامة.
تلك الابتسامة التي لم تكن أبدًا كما تبدو.
لم تكن بريئة، ولا دافئة...
بل هشّة، مائلة، تحمل في أطرافها شيئًا يشبه: الخذلان.
مشت خطوة إلى الداخل.
وضعت الصينية على الطاولة الجانبية، دون أن تنظر مباشرة في وجه لوكا.
قالت بهدوء:
"حضّرتُ لك حساءً... دافئًا."
صوْتُها لم يكن متوترًا... لكنه لم يكن ناعمًا كما اعتاد.
الحروف خرجت مشدودة.
لم ترفع عينيها عليه، بل تابعت ترتيب الفوط، بصمت، ثم أضافت دون أن تغيّر نبرتها:
"فكّرتُ أنك قد تحتاج لتغذية... بعد ليلة طويلة"
لوكا لم يعلّق.
نظرت إليه للحظة... نظرة عابرة، لكنها حملت في طيّاتها ألف جرح، وألف سؤال.
كأنها تقول:
"هل شعرت بالرجولة الآن؟ هل هذه هي انتصاراتك؟ جسد مكسور وفتاة ترتجف؟"
لم تقلها... لكنها وصلت.
وصلت إليه، وإليّ.
وأنا... تمنّيتُ لو استطعت أن أصرخ بها بدلًا عنها.
ابتسمت من جديد.
تلك الابتسامة... التي كانت ذات يوم حياة، والآن صارت قناعًا.
ثم التفتت إلي
كانت نظرتها مركّزة.
لا تشي بالشفقة... ولا بالكراهية.
بل بنوعٍ غامض من الرؤية الصامتة... كأنها ترى شيئًا لا تريد قوله.
قالت بصوت رقيق:
"هل تحتاجين شيئًا، إيزابيلا؟"
لم أعرف بماذا أجيب.
جسدي كان ينتفض، وعيناي متحجّرتان.
لكنني شعرت بشيء ما في كلماتها...
كأنها لا تسأل فقط عن الماء، أو الغطاء...
بل تسأل إن كنت أحتاج للخروج من هذا الجحيم.
نظرت إليها، فأضافت وهي تجمع منشفة مبلّلة:
"الجو هنا خانق قليلًا... أليس كذلك؟"
نظرتُ إلى لوكا بسرعة.
كان لا يزال يراقبها.
عيناه ضاقتا قليلًا، لكنه لم ينبس بكلمة.
وقبل أن تغادر، وقفت على الباب لحظة، ظهرها لنا، ثم قالت، بنفس النبرة الهادئة المشحونة:
"أحيانًا... لا نحتاج إلى الصراخ لنقول إننا غاضبون."
ثم خرجت.
دون ضوضاء.
فقط خطواتها الرشيقة التي أغلقت المشهد كما تُغلق ستارة مسرح بعد عرض فاشل.
وفي لحظة... شعرت كأن أبي يراقبني من خلف جدران هذا القصر.
يحدق بي من عليائه، ليس بحزن... بل بخيبة.
كأنني صرت أقل مما تربيت لأكون.
كأنني الآن شيء يُخجل منه.
لكنه؟ لم يكن هنا لينقذني.
لم يكن هنا ليصدقني حتى.
•
الصمت الذي خيّم بعد خروج غابريلا لم يكن صمت راحة...
بل صمت ما بعد الانفجار.
صمت يحمل أصداء ارتجافٍ لم يُسْمَع، ودموعٍ لم تُمسح، وغضبٍ لم يُصرَّح به.
انا كنت لا ازال ملتصقة بالجدار، اتنفس ببطء،
كأن الهواء لا يزال ملوثًا بأنفاسه،
كأن رئتي تصارعان للثقة في أي ذرة أكسجين بعد الآن.
لوكا...
لم يتحرّك على الفور.
جلس عند طرف السرير، يداه على ركبتيه، وعيناه مسمّرتان في الفراغ.
كأن الزمن علق بين صرختها، وابتسامة غابريلا، وبين شيء... أقدم من هذا كله.
ثم، بعد لحظة...
تكلم.
"هل تعلمين ما أسوأ ما في الطفولة، إيزابيلا؟"
صوته خرج بطيئًا، ناعمًا... محشُوًا بشيء لم أتوقعه.
"أن تذهب إلى أماكن لا تريدها، لأن الكبار يقولون إن هذا واجب."
تجمدت.
هل... هل هو جاد؟
هل يظن أن بضع ذكريات من طفولته القذرة ستكفّر عمّا فعله بي؟
عن الليلة؟
عن الجسد الذي سحقه؟
عن الذاكرة التي لطّخها؟
"كنت أكره الذهاب لقصر والدك..."
"كاذب!"
صرخت بها من بين أسناني، قبل أن أستوعب حتى أنني نطقتها.
"كاذب... كاذب، كاذب!"
يديّ ارتفعتا تلقائيًا،
سددت بهما أذنيّ بقوة، كمن يهرب من صفير قطار قادم.
رأسي يهتز، شفتي تتمتمان بلا وعي:
لا أريد أن أسمع... لا أريد أن أسمع... لا أريد...
"كنت في السابعة... كل مرة تجرّني أمي 《ليندا》..."
"اخرس!"
"أنت ستصيبني بالجنون!"
انفجرتُ بصوت مبحوح، نبرته حادّة، مشروخة، كأنها شقّت شيئًا داخلي.
"هل تظن أنني أريد سماع قصتك الآن؟
بعد كل ما فعلته بي؟
هل تظن أنني بحاجة لرؤية الطفل الذي كنت عليه؟"
ضحكت، ضحكة قصيرة مريرة، ترتجف على شفتي:
"أنت لست طفلًا! أنت وحش!"
أخفضتُ يديّ عن أذنيّ ببطء، لكن عيناي لا تزالان متسعتين،
أنفاسي مقطعة، وجسدي مشدود كوتر.
"كنتَ تكره القصر؟ وأنا أكرهك!"
نطقتها بقسوة، بقلب ممزق.
-----
لوكا لم يرد على الفور.
بل جلس بصمت لثوانٍ،
كأن صرخاتي حفرت فيه شقًا ما.
أنزل عينيه إلى يده، تلك التي كانت تمسك بي قبل لحظة.
تأملها كأنه لا يعرفها، كأنها ارتكبت شيئًا لم يأمرها به.
ثم رفعها ببطء، ولمس بها شفتيه.
كأن القبلة التي سرقها تذوب هناك، أو تحرق.
لحظة تردّد، غريبة، قصيرة.
ثم... كأن شيئًا بداخله انطفأ فجأة، أعاد يده إلى حجره، وعيناه استقرتا في الفراغ.
وكأنه تخلّص من مشاعره لتوه، أو تظاهر بذلك.
ثم تكلّم.
بصوت أبطأ، أقل دفاعًا،
كأنّه يعرف أن كلماته لم تُغفر... لكنها ستقال على أية حال.
•
♡
Angelica_Orlando