خطواتها تتقدم من تلك الزنزانة المعزولة بهدوءٍ تام، هدوءٍ لم تكسره سوى نبرةٌ ثقيلةٌ هادئةٌ غدت مميزةً لحواسّها أكثر من أصوات السلاسل:
"لا تفكري حتى... لن أشرب"
قالها سكايلر بهدوئه المعتاد، يجعل من تلك الابتسامة المجنونة تشق ملامحها الحادة بينما تقترب أكثر من زنزانته، تتبين صورته بشكلٍ أوضح
ملابسه الرمادية المعتادة معانقةٌ لجسده، بالكاد تظهر ندوب ذراعيه و بعضا من أسفل ظهره بسبب وضعيته
جسده موازٍ للأرضية لكن بوضعيةٍ مائلةٍ قليلا، أرجله مرتفعة عن الأرض ببضع بوصاتٍ في خطٍّ مائلٍ مع باقي جسده، رقبته مستقيمة هي الأخرى و نظره للأمام بتركيزٍ واضح، بينما كفاه مثبتان على الأرضية، يدفعان بجسده صعوداً وهبوطاً بوتيرةٍ بطيئةٍ نسبياً
رفع نظره لثانية.. تفحصها و ما تحمله.. توقع تفكيرها.. نفاه.. ثم عاد يكمل ما كان يفعله
كله حدث في ظرف ثوانٍ معدودة
و في ثوانٍ معدودةٍ أخرى، ردها الخارج كلياً عن الموضوع كان جاهزاً:
"أكرهك حين ترفض اقتراحاتي قبل أن تسمعها.. و حين ترفض خلع ملابسك قبل التمرين.. تباً لك فقط"
ابتسامةٌ ارتسمت على شفتيه إثرَ جُملتها... لم تكن سوى كبتاً لقهقهة طويلة كانت لتُسقطه لو أطلقها
لكنها و كالعادة... لم تكن لتتوقف
"جرّب النوم على الأقل، و سأتكلف أنا بالباقي، رغم أني لا أضمن عودة جسدك لسابق عهده بعد بعد ذلك، لكن لا إشكال... النوم جيدٌ على أي حال"
قالتها بكل اعتياديةٍ تهز رأسها بينما شفتاها مزمومتان بطريقةٍ أبهمت لوهلةٍ حدّة ملامحها... وها هو سكايلر دارنفيل يتعرض للتحرش اللفظي مجددا على لسان السجانة المجنونة
و تود منه النوم بهناء!
أنزل قدميه على الأرض بابتسامةٍ خائبة، يعلن استسلامه أمام جنونها، بعد أن تأّكد أن لا تمرين بعد وصولها
"احظي أنتِ بنومٍ عميقٍ المرة القادمة... حفاظاً على صحتكِ طبعا"
قالها بتنهيدةٍ بسيطة يتكئ بظهره على الحائط، يلتقط أنفاسه الكافية قبل أن يعيد نظره لها، يحدق بابتسامتها التي كاد يتوهم أنها اتسعت أكثر، غير أنه على آخر لحظةٍ تأكد بدل أن يتوهم:
"ولمَ قد تودّني نائمة؟ دارنفيل؟"
توقفت حركته لثانية... هو لم يقصد سوى التلميح لعدم إزعاجه ليس إلاّ...
أي نوعٍ من الانحراف فهمه دماغ هذه المرأة ثانيةً؟!
لكن و لأنه أيضا سكايلر دارنفيل... قطعاً لم يكن ليصحح، بل سيدع الأمر لجمجمتها الجامحة و لتتخيل ما تشاء من أوضاعٍ مخلة
لمَ عليه أن يكون الوحيد اللذي يتعرض للتحرش اللفظي على أي حال؟
يعلم أنها فهمت قصده الحقيقي و تنتظر منه الآن التصحيح.. ولذلك تحديداً لن يفعل
جلس فقط بنفس الوضعية يعيد رأسه للخلف بينما حدقيتاه دون شعورٍ منه انحسرا في جانب واحد، تحدقان بإيلا و هي تتنهد تضع القارورتين أرضاً قبل أن تلحقهم بدورها تجلس متربعةً على مقابلةً لقضبان زنزانته... جاعلةً من تنهيدة قصيرةٍ تغادر شفتيه هو الآخر
جلوسها بهذه الوضعية لو عنى شيئاً... فهو أنها لا تنوي المغادرة عمّا قريب
السؤال المعتاد بدأ يجوب دماغه... تُرى أيّ نوعٍ من الجنون تحمله في جعبتها هذه المرّة؟... في النهاية لم يكن الوحيد الغير متوقعٍ في تصرفاته
في كل مرةٍ تأتيه بأفكارها الغريبة، كانت تجعل بؤبؤه يتسع في صدمةٍ رغم جمود ملامحه.. حتى صار مجرد وجودها كافياً لاتساعه ترقباً لما ستُقدم عليه، بدقّة شعرةٍ لم تكن لتستطيع هي لمحها، ولا إدراك أنها سببها
في كل مرّةٍ يظّن نفسه غدا قادرًا على فهمها، تأتي وتخترق كل توقعاته برصاص أعينها المتمردة، تغرقه بوابل ألغازٍ لا تنتهي.. ألغازٌ دون شعورٍ من أيٍ منهما غدت محورها
كما العادة... صمتهما لم يدم، ليس في حضورها، بل سرعان ما كُسر بسؤالها المباغت:
"هل أنت شاذ؟ أعني... أعلم ذلك بالفعل لكن، هل تحب رومان؟ لا يبدو كنوعك المفضل"
"أنا منحرف... منحرف نساء"
قالها سريعا دون تفكيرٍ بينما يغمض عينيه بانزعاجٍ مكبوتٍ من المجنونة غريبة الأطوار وأسئلتها المهينة
في أسوأ الأحوال نعته ب'زير النساء' لن يكون أفظع من 'زير الرجال'
"إذا لمَ ضحيت بنفسك لأجله؟"
ألقت سؤالها الآخر إعقاباً ترفع حاجبها باهتمام، تجعله يقلد حركتها دون أن يدير وجهه لها ينطق بنفس النبرة الهادئة يفتح عينيه قليلا:
"إذن... هذه طريقتك الجديدة لاستخراج الأجوبة؟ انسي فالمتور، أخبرتك لا-"
"لا تعطي أجوبة سهلة... أجل أجل فهمنا، إذن باختصار علي توجيه سهمٍ مسمومٍ ناحيتك في كل مرةٍ أريد بها استخراج جملةٍ منك؟ على الرحب"
قالتها مرةً واحدةً تقلب جيوب معطفها بحثا عما تجبره به على الحديث هذه المرة، بينما هو فشل في مقاومة ابتسامته الساخرة على مظهرها الجاد و هي تبحث في جيوبها الداخلية و الخارجية و حتى جوف صدرها و أسفل نعل حذائها و على جانبه
"ثلاث خناجر صغيرة... سلاحٌ واحدٌ و رصاصتان... و القليل من سم فرس النهر المركّز... هذا كل ما بحوزتي في الوقت الراهن، أيّها تفضل؟"
قالتها بكامل جديتها، كما لو تسأله عن نكهة العصير المفضلة له بل و تنتظر منه جواباً صادقاً
"شيئاً مبتكراً... جربي دمجهم بطريقة ما، ذلك مجال تخصصكِ لا تخصصي"
ردا على توقعاتها، أجاب بكامل جديته هو الآخر يجاهد لمنع ابتسامته من إفساد جوّهما الجدي الغير جدّي
del_lina__dod