توهّج الشرار في عينيها كما لو أشعل التحدي في داخلها من جديد، لم يكن هذا وقت الأسئلة، لم يكن وقت التفكير... كان وقت الفعل
رفعت قوسها مجددًا، لتطلق المزيد من السهام بلا رحمة، تنوي استئناف عزف سيمفونيتها المرعبة بتلك الأنامل الرفيعة
لكن وسط جنونها، وسط رقصتها المميتة، لم تدرك الخطر المتسلل نحوها... لم تلحظ الظل الذي تحرك بصمت، بخطواتٍ واثقةٍ بين ضوضاء المعركة
حتى شعرت به
ذراعٌ فولاذيةٌ التفت حول عنقها، شدّت عليها بقوة تكفي لشلّ حركتها دون قتلها... يدٌ أخرى امتدت إلى أصابعها الممسكة بالسهم، أحكمت قبضتها عليها، كأنها تجرّدها من سلاحها دون أن تمنحها فرصةً للمقاومة
ثم... جاءها الصوت
أقرب مما يجب...
همسةٌ مبحوحة، لكنها عميقة، كأنها تحفر داخل عقلها مباشرة:
"تهانينا..."
أنفاسه الحارّة ضربت أذنها، نبرته الخشنة أتت باردةً كحدّ سكينٍ ثقيلةً كحكم إعدام:
"نجحتِ في رؤية الملك القرمزي بعيدًا عن عرشه... هذا هو جوابي، فالمتور"
صمتت إيلا للحظات، ليس خوفًا، ليس غضبًا، بل دهشةً خالصة... كانت تحسب أنها لحن الرعب الوحيد المتردد بين تلك الجدران، و الآن تجد نفسها بين براثن وحشٍ آخر أتى ليقتسم معها حكم عرينها
لقد قلب الطاولة، وهزمها في عز مكانها، أمام رجالها، ووسط لعبتها الخاصة... ذلك كان جوابه لتحدّيها السابق له... تحديها بإثبات نفسه و أقواله المتعالية
لم يكن مجرد رجلٍ مغرورٍ يملأه وهم العظمة، بل كان تجسيدًا حيّا للقوة التي تبرر كل كلمةٍ يتفوه بها... غروره لم يكن قناعًا يخفي خلفه ضعفًا، بل يقينًا مطلقًا لمقاتلٍ لا يعرف الخوف وعقلٍ استراتيجي يرى ساحة الحرب كرقعة شطرنجٍ يتحكم بها بإتقان
لم يكن يتباهى بنفسه عبثًا... بل لأن كل من واجهه كان إما صوتاً في رأسه، أو جثةً في طريقه... لم يكن غروره أجوفاً بلا موهبة تملؤه، إنما انعكاسا لقوةٍ لا جدال فيها و ثقةٍ ولدت عبر هيمنته المطلقة على كل مكان تطأه قدمه... حتى و إن كان هذا المكان زنزانته...
الضغط على عنقها لم يكن خانقًا، لكنه كان كافيًا ليجعلها تشعر بوجوده الطاغي خلفها... بأنفاسه الحارّة تلامس بشرتها، كأن الموت نفسه يزحف إليها
أي شخصٍ آخر كان سيبدأ بالاختناق، كان سيرتجف أو يحاول الإفلات... لكن إيلا؟
ضحكت...
ضحكةٌ هادئة.. مجنونة.. مستفزة.. كأنها مازالت تتذوق اللحن الفوضوي الذي يدور حولها و مستمتعةً به
"إذن؟ ماذا تنتظر؟"
همست بصوتها الناعم المشبع بالتحدي و عشق الخطر... تسأله بكل براءةٍ عن السبب اللذي يمنعه من تضييق ساعده حول عنقها و التخلص من عدوته الأخطر في ذلك السجن
لم تتحرك ذراعه حول عنقها، لم تزدد قوة قبضته، لكنه أيضًا لم يتركها... كان ساكنًا، متأملًا، كأنه لم يتوقع منها هذا السؤال... ليس لجنون مضمونه فذلك مجال تخصصها... إنما لحقيقة أنها لم تكن لتطرح سؤالا كذاك إلا و هي تعلم الجواب سلفاً
تعلم بالضبط ما يدور في رأسه...
تعلم أنه كان قادرًا على قتلها، لكنه لم يفعل... ليس لأنه تردد، وليس لأنه خاف منها أو من عواقِب فعلته، بل لأنه كان يفكر لأبعد... كان يرى المشهد من منظور ملكٍ معتادٍ على التخطيط
قتلها الآن؟ كان سهلًا، لكنه كان يعني أن كل شيء آخر سينهار... الحراس سيشعرون بالحركة، الفوضى ستتحول إلى معركةٍ مفتوحة، وسرعان ما سيلتفت الجميع إلى الزنزانة وإلى الرجل الذي يحاول الفرار بصمتٍ وسط الفوضى
رومان...
إيلا كانت تعلم ذلك، كانت تدرك كيف يعمل عقله... ولهذا ستعمل على استفزازه أكثر:
"ألستَ الملك القرمزي؟ ملك الدماء والدمار؟.. لمَ أراك مترددا؟"
رفعت ذقنها قليلًا جاعلةً من عنقها الناعم يحتك بساعده المتصلب، كأنها تتحداه أن يحطم عنقها... أن يسحقها كما يدّعي أنه قادر على الفعل
لكن سكايلر لم يتحرك
لم يكن مترددًا ولا خائفًا... كان يرى الصورة الأوسع
دام السكون لثوانٍ ثم فجأة، خفف ضغط ذراعه عنها، قبل أن يدفعها قليلًا بعيدًا عنه، بلا عنفٍ، بلا اكتراث... كأن قتلها كان خيارًا لا يستحق عناء التفكير حتى
على الأقل لم تعد الخاسرة الوحيدة باللعبة الآن
و على أية حال، كان الأمر يستحق... شعور النشوة اللذي راودها، استحق اللعب بالنار لأجله
بدلاً من الغضب من النتيجة الغير متوقعة أو من دفعه لها، ابتسامةٌ بطيئةٌ ارتسمت على شفتي إيلا، ابتسامةٌ تشي بشيءٍ خطير... عيناها تلألأتا وسط العتمة كأنهما تتوهجان بتحدٍّ جديد، قبل أن تهمس بنبرةٍ أشبه بفحيح أفعى ماكرةٍ وجدت المكان المثالي لحقن سمها:
"ما زال لدي الكثير من الأسئلة لك، دارنفيل... وأرجو أن تجيبها جميعًا بنفس الطريقة"
كان إعلانا غير مباشرٍ لعبتهم تلك لن تكون الأخيرة... كما لو تخبره بصارح العبارة أنها مازالت هناك للعبث معه في كل مرّةٍ تشعر بالملل، بل و تطالبه بإمتاعها في كل مرّةٍ كما فعل توًّا.. و الفائز لا يهم طالما كانت اللعبة ممتعة
ضحك.. لأول مرة.. ضحكةٌ منخفضةٌ مبحوحة، مشوبةٌ بالغرور والدهاء... لكنه ضحك
اتساعٌ طفيفٌ رمى تأثيره على رماديتيها و هي تحدق بتلك الغمازة اللتي لم تتوقع وجودها، و تفاحة آدم اللتي لم تخل لثانيةٍ أنها قد تجد الفرصة لمشاهدتها تهتز بتلك الطريقة المغرية
"أنا دائمًا هنا للتفنن بأجوبتي... طالما تتفننين بأسئلتك"
رد بهدوءٍ وسط ضحته الصغيرة، يُعْلِمها بموافقته التامة على ألعابها المجنونة و استعداده لمجاراتها في كل مرة تقرر اللعب معه
لم تتوقع رده... هل لوهلةٍ تصرف الملك القرمزي بعفويةٍ أمامها؟ أين بروده القاتل؟ أين عدم اكتراثه؟... و منذ متى صار عبثها ممتعا له أيضا؟ منذ متى أحدهم يستمتع بألعابها غيرها؟!
ابتسامة مجنونةٌ أخرى شقت طريقها لشفتيها... سرعان ما تحولت لقهقهةٍ طويلةٍ أسمعت المكان... كطفلةٍ وجدت للتو لعبتها المفضلة
بلمسةٍ خفيفةٍ وسط ضحكاتها، أشعلت عود ثقاب.. رفعته إلى أحد المشاعل على الجدار ليضيء المكان من جديد مزيحاً الستار عن المسرح الدموي
لكن وما أن أمعنت النظر حولها، حتى لاحظت الحقيقة التي اختبئت سابقاً خلف ستار الظلام
ضحكتها توقفت فجأة... ذلك حين وقعت عيناها على قدمه
شفتاها تفتحتا قليلاً قبل أن تنغلقا مجددًا، لترتسم على محياها ابتسامة أخرى تغطي بها صدمتها.. ابتسامة من فهمت أن عدوها المفضل لم يكن قوياً و ذكياً فقط... بل مجنوناً ايضا
قهقهت بصوتٍ ناعم.. بإعجابٍ خالص.. بأسلوبها المجنون المعتاد، بينما عقلها يحاول ربط الخيوط لفهم استراتيجية سكايلر
كان هناك دم.. كثيرٌ من الدم، يتسرب بغزارةٍ من إصبع قدمه
علامات الاختراق كانت واضحة... لقد أصيب بطلقٍ ناري
del_lina__dod