"تبا... أهذا ما قصدته بالأعمال الأهم؟"
"و هل ترى أي أعمالٍ أولى من لقاء ملك الموت؟"
قالها غابريال رادّاً على تساؤل كرايس مبتسماً بينما يحدق بجثة غرينس و هي تُرفع من قبل بضع رجالٍ ملثمين أحاطوها، قبل أن تختفي معهم في ظلال الزقاق
قضب الآخر جبينه بتساؤلٍ يعيد نظره لغابريال:
"لكن، ألا يجدر بنا معرفة لمن ولاؤه أولا؟ هكذا سنقطع خيط تتبعنا في بدايته"
"لا تقلق... الزقاق اللذي كان سيدخله يمكن أن يؤدي لِاثنَيْ عشْر مكاناً... ستة من أصلهم، مُلاّكهم تحت ابتزازي، اثنان من أملاكي... و الأربعة المتبقون من أملاكي أيضا لكن تحت أسماءٍ مزيفة"
ضحك ضحكة قصيرة، مشوبة بالغرور و الدهاء قبل أن يهز رأسه بقلة حيلة يضيف:
"الظاهِر... جثة اللورد غرينس لن تكون الأخيرة لهذه الليلة"
"إذاً... هل هو من أوصلكَ خبر خيانته أيضاً؟"
قالها كرايس مشيرا ببُؤبُئهِ للملثم الواقف قرب غابرييل، ليرد هذا الأخير بنفس النبرة الثقيلة يومئ بخفّة بعلامة نفي:
"لا... لا ألجأ له في تفاهاتٍ أستطيع اكتشافها بنفسي"
"و متى كشفته إذاً؟"
"لا أعلم تحديداً، ربما منذ أول جملةٍ له.. و ربما قبلها"
قالها غابريال بكل اعتياديةٍ و جدية، كأنه لم يعد نفس الرجل الانفعالي منذ دقائق... كأن مغادرة الخائن كانت إشارته الخضراء لعدم اضطراره للاستمرار في إخفاء ذكائه و استنتاجاته الحقيقية
"ما قصدك؟"
"أعني... لم أكن متأكداً، لكنّي شممت رائحة شيءٍ مريبٍ منذ أن رأيته قادماً رغم علمه أن موضوع النقاش سيكون عن خططنا للهجوم على أرمارون و لا علاقة له بالشؤون المالية... و تأكدت مع أول جملةٍ له، حين قال أن المعادن قد تمّ تهريبها و هذا خطأ، صحيحٌ أن تجارة المعادن غدتْ في الحضيض، لكن السبب هو اختلاسات داخلية و اللتي كان له يدٌ فيها على الأرجح... هذا بغض النظر عن سؤاله الغير مسبوق عن سكايلر، ما يعني أنه كان متوقعاً لشيء مخالفٍ هذه المرة و ينتظر تأكيد الأخبار، و يمكنني القول أنه و بنسبة 30 في المائة، له يد في الكمين اللذي نُصب له... أما زيارته الأخيرة لأرمارون 'قبل الحرب' فتلك قصّة أخرى، بحق الجحيم أيظنونفسه حقا دخل النظام المركزي لفولكانيا دون تمشيط ماضيه من طرفي؟ هو لم يسبق أن قام بزيارة علنية لأرمارون، لا قبل الحرب ولا بعدها، و مع ذلك يملك معلوماتٍ عن شعبها و أشياء خارج نطاق ما يمكن لوزير مالية عاديّ أن يعلمه.. بمعنى، سبق و زارها لكن ليس بالطريقة السلسلة العلنية... اه.. و كذبة سجلاته الغير مرتبة، كأني لا أعلم عن أعماله و سجلاته أكثر منه... الساقط الغبي كان يزفر أدلّةً على خيانته، فمن أين لي بالصبر لانتظار الغد؟ تعلم كم أكره الأغبياء يا كرايس"
قال كل ذلك مرةً واحدةً بملامح خائبة، يسند فكه لقبضته ملتفتا نحو كرايس نهاية كلامه، والذي بدوره أومأ مؤيداً موقفه قبل أن يصير تحت لائحة الأغبياء و يلحق بغرينس في هذه الليلة المشؤومة
حتى كرايس، و رغم معاشرته فغابريال لسنواتٍ مازال ينصدم قليلا منه.. هو حتى للآن لم يكن متأكداً ماكانت نوع العلاقة اللتي جمعتهما
تحديداً... لم يكن على علمٍ بكيف يراه غابريال.. كانا شركاء في التفكير ببعض النقاط، كما جمعهما الشعور بالمسؤولية ناحية كل ما يخص فولكانيا.. لكن هل كانا أصدقاء؟
من جهة كرايس، كانا كذلك... لكن من جهة غابريال، غالباً لا... بحسب معرفت كرايس به، لم يكن شخصاً يميل لتكوين علاقاتٍ كالصداقة
غابريال كان رجلا يعلم كل شيءٍ عن كل فردٍ في الدولة و ربما حتى خارجها، و بالمقابل لا أحد يعلم عنه شيئاً
عدا عن زوجته... لم يكِنّ محبةً لأحد.. لم يثِق بأحد.. و لم يحترم أحداً قبلاً
كان رجلاً يتبع مصالحه أينما كانت و كيفما كان الطريق لها، لا يهم من سيَدْعس تحت حذائه و من سيضع جانبه... لأن النتيجة في جميع الأحوال ستكون رقعة شطرنجٍ مثاليةٍ متجسدة على شكل العالم، أين الجميع بيادق يحركهم حين يود.. يجمدهم حين يمل.. و يضحي بهم حين يجد شيئاً أفضل
ظاهرياًّ، كان مجرد كونتٍ كغيره، تزوج من ابنة الدوق في زواج مصلحةٍ بغاية ترقية سمعته في المجتمع الأرستقراطي
لكن الحقيقة، كانت أن هذا الكونت البسيط كان في الواقع قادراً على إسقاط طيفٍ واسعٍ من مناصب المملكة العليا لو أراد
و ليس كما لو كان يُشفق عليهم و لذلك يمتنع... هو فقط يحتفظ بِبَطائقه لاستخدامها في الوقت المناسب
ذكاؤه صنع منه رجلاً مغروراً يضع نفسه فوق العالم بأكمله... و زوجته صنعت منه رجلا يضعها فوقه و فوق العالم
وسط ذلك العالم المنطقي اللذي بناه حوله، كانت نقطة الفوضى الوحيدة اللتي استخف بها فبعثرت كيانه... كانت كالقمر البعيد عن الرقعة... يكفي أن تقع عيناه عليها حتى يشعر بعكس ما اعتاده... وكأنه هو القطعة التي تُحرّك في لعبتها، لا العكس... كانت قادرةً على إرقاص أساريره بإشراقها.. قتله ببهوتها... أو إغراق ليله في العتمة باختفائها
حديثهما السياسي الممل استمر لساعات مرت عليه عقوداً... كان يحسب الوقت حتى يعود و تتشاجر معه على تأخره ككل مرةٍ و تتهمه بخيانتها مجدداً، و تطلب الطلاق اللذي يعلم كلاهما أنهما سيفضلان قطع أيديهما على توقيع أوراقه..
¸¸♬·¯·♩¸¸♪·¯·♫¸¸¸¸♫·¯·♪¸¸♩·¯·♬¸¸
del_lina__dod