اللحن الرابع : موناليزا في عهد دافنشي
.
.
.
.
¸¸♬·¯·♩¸¸♪·¯·♫¸¸¸¸♫·¯·♪¸¸♩·¯·♬¸¸
اللّيل يلف السجن بهدوءٍ خانق، لا يقطعه سوى النّقرات الخفيفة لأصابع إيلا على سطح المكتب الخشبي
بيدٍ ممدودةٍ تنقر على المكتب الأسود دون شعور، و أخرى ملتفةٍ حول العنق الرفيع لكأس النبيذ الأحمر العتيق
جلست السجانة في عزلتها الفكرية، تاركةً الفجر يقترب دون اكتراثٍ للوقت أو لعدد ساعات نومها الأقل بكثيرٍ من احتياجها... عيناها الرماديتان اللتان اعتادتا اختراق كل ما يقابلهما، بدتا الآن غارقتين في دوامةٍ من التحليل
ايامٌ و ليالٍ مرت عليها و هي على نفس الحال... تحاول فك شيفرة ذلك الرجل
سكايلر دارنفيل...
الاسم لوحده كان كفيلاً بإثارة اضطرابٍ غريب في نظامها بالكامل... لأول مرةٍ طوال سنوات عملها، تجد إيلا فالمتور نفسها عاجزةً عن قراءة شخصٍ ما... كأنه صُمم خصيصاً لتهشيم كل توقعاتها
لطالما امتلكت موهبةً نادرة: اختراق النفوس من أول لقاء... نظرة، حركة، نبرة صوت... كلها لطالما بدت لها كمفاتيح تفتح بها أقفال العقول، تُمسك بخيوط اللعبة منذ البداية، فتتحكم بالدمى كما تشاء
لكنه لم يكن دمية... كان لغزاً مغلفاً بطبقاتٍ من التناقضات
مفتاح التلاعب لديها كمُن في قدرتها على الفهم و التحليل... حين تستطيع توقع ردود أفعال شخص، تصبح قادرةً على التحكم بها
إيحاءاتٌ بسيطة.. عفوية.. لا تستحق الانتباه... لكن لإيلا، كانت المفاتيح التي تفتح لها أبواب أعمق زوايا النفس البشرية، فترسم حدود شخصية كل سجينٍ في ذهنها بدقة
انقباضة فكٍّ عند ذكر اسمٍ معيّن.. تفادي نظرةٍ مباشرة.. رعشةٌ خفيفةٌ عند سماع صوتٍ مألوف.. نبرة صوتٍ متذبذبةٍ عن المعتاد.. التفاتاتٌ متكررةٌ نحو البوابة.. خطواتٌ مضطربة.. تراجعٌ غريزي عند اقترابها... كل حركةٍ مهما بدت عابرةً تخبرها بشيء... وكل علامة مهما كانت ضئيلةً ستغدو خيطًا ينسج لعبتها القادمة
لو لاحظت تشنج فك أحدهم عند ذكر اسمٍ معيّن، فسيغدو الاسم لازمةً يوميةً في أحاديثها العشوائية بجوار زنزانته... ثرثرةٌ لا تنتهي.. متعمدة.. مدروسة.. ،مها بدت عفويةً أو عشوائية، تختبر بها مدى عمق الجرح... ومع مرور الأيام، ستجد نقطة الضعف الدقيقة، تلك التي تجعل ذكر الاسم وحده طعنةً مباشرةً في روحه
لو لمحت بريق أملٍ خاطفًا في عيني أحدهم وهو يحدق بالباب، ستتولى بنفسها رعايته... تزوره بين الحين والآخر، تحمل أخبارًا عن 'مراجعةٍ وشيكةٍ لملفّات السجناء' أو 'احتمالية الإعفاء عنه' تسقي أمله قطرةً بعد أخرى، تراقب كيف يكبر ويتشبث به كحقيقةٍ مؤكدة... ثم و في اللحظة المناسبة، تسحقه تحت كعب حذائها دون تردّد
أما لو لاحظت ارتعاشةً خفيفةً تعبر جسد أحدهم عند رؤية الدم... فلن تكلف نفسها عناء تنظيف أيٍ من أنصالها بعد اليوم، بل و ستنقلها إلى الحائط المقابل لزنزانته، تتركها هناك داميةً تقطر ببطء... في مشهدٍ يتكرّر كل يوم، يلتهم نفسيته بالتدريج
ثم هناك أولئك الذين يخشون الألم الجسدي، الأغلبية الساحقة في هذا المكان... هؤلاء لديهم فنٌ خاص، قائمةٌ من الألعاب المبتكرة التي تستمتع بابتكارها وتجربتها واحدةً تلو الأخرى، حتى تصل النتيجةَ الأمثل: الانكسار التام
ردود الفعل لطالما كانت أول ما يرسخ في ذاكرتها... ثغرةٌ لا يدرك معظم الناس خطورتها، لكنها تراها بوضوحٍ قاتل... ثغرة لو وقعت تحت مرأى من عينٍ خاطئة، فستغدو أفتك من أي نصلٍ أو بارود
والعين الخاطئة... هي إيلا فالمتور
هي سوناتا الفناء... ما اللذي قد تهتم له أكثر من حفر نقاط ضعف من تقابلهم في رأسها للدّعس عليها بقوةٍ في أوقات فراغها؟
و لذلك أيضا لطالما حرصت على إخفاء جوهرها، حتى لا تنقلب لعبتها عليها...
لطالما حافظت على شخصيتها غير المتوقعة... لا أحد يعلم ما إن كانت عفويةً تتظاهر بالبرود أم باردةً تتظاهر بالعفوية... عقلانيةً تتظاهر بالجنون أم مجنونةً تتظاهر بالعقلانية... غير مباليةٍ تتظاهر بالاهتمام أن مهتمةً تتظاهر باللامبالاة... كانت عبارةً عن معزوفةٍ فريدةٍ من التناقضات
تناقضاتٌ جعلت توقع حركتها التالية من سابع المستحيلات... حتى لها غالب الوقت
من إتقانها لإخفاء جوهرها طمسته حتى لم تعد هي نفسها تعرفه... شخصيتها غدت غامضةً حتى لإدراكها الخاص، فما بالك بالآخرين
ثم جاء هو... الرجل الذي أصبح أكثر غموضًا عليها من نفسها
كيف يمكن لبشرٍ طبيعيٍ أن يكون بلا ردّ فعل؟ أو بالأحرى، كيف يمكن لردود أفعاله أن تكون بهذا الكم من التناقض؟
المشهد لا يزال نابضًا في ذاكرتها: ذراعه التي أحاطت بعنقها، كلماته التي تسللت إلى أذنها كهمسٍ مسموم، والطريقة التي تركها بها... ليس لأنها لم تستحق الموت، أو لأنها أثارت عاطفته فلم يستطع قتلها، بل لأنه ببساطةٍ قررّ أن الوقت لم يكن مناسبًا بعد
لقد تخلى عن قتلها، فقط ليسمح لشخصٍ آخر بالهرب... كان يفترض بذلك أن يجعل رومان نقطة ضعفه، لكن لا...
حتى حين وجهت إيلا سهمها المسموم نحوه، لم يتحرك سكايلر... كان بإمكانها أن تطلقه على رومان عوضًا عن المشعل، ومع ذلك، ظل ساكنًا
لم يكن هدوء ثقةٍ، ولا برود توقعٍ مسبق... يستحيل أنه قرأ تحركاتها بالكامل، وإن كان قد فعل، فمن غير المنطقي أن يعتمد على استنتاجاته حين يكون الطرف الآخر هو إيلا... إيلا المتناقضة، غير المتوقعة حتى لنفسها
لقد ظنت دومًا أنها سيدة التناقض... لكن الآن غدت أمام رجلٍ يحطم كل توقعاتها
طوال الأسابيع الماضية، لم تتوقف عن اختباره... في كل لقاءٍ مع سكايلر، كانت تراقب.. تحلل.. تحاول أن تنتزع منه أي رد فعلٍ قد تستغلّه ضدّه لاحقاً، أي علامة ضعف... لكن دون جدوى
حتى الألم الجسدي، لم تكن بحاجةٍ لتجربته لتدرك أنه لا يخشاه... من يطلق النار على نفسه دون ترددٍ أو تفكيرٍ بالعواقب... حتما الألم لن يكون خوفه الأكبر
من الواضح أنه بشرٌ و حتماً شعر بما يشعر به أي شخص عند تلقي رصاصة، لكنه و لسبب ما لم يصرخ، لم يتردد حين أطلق، و لم يأخذ وقتا طويلا للتعايش مع ألمه... بل سرعان ما حرر نفسه و دعس على شرخه مؤكدا على منبع غروره الحقيقي... قوته
وبالطبع، كيف يمكنها أن تنسى؟ سكايلر ليس مجرد قائدٍ مهزوم، بل هو السجين الذي تجرأ على تهديد سوناتا الفناء وسط عرينها... لا بتمرد، لا بهروب، بل بما هو أكثر جنونًا
هددها بحياته...
كل حركةٍ منه... كل رد فعلٍ و كل شهيقٍ و زفير... لم يدلوا على شيء سوى على رجل مجنونٍ ذي غرور و كبرياء مطلق... كبرياء أصلب و أهم من كامل كيانه
حتى ملاحظتها الوحيدة عنه، هي عاجزةٌ عن استخدامها.. كون تهديده الأول مازال قائماً و حتماً لن يتردد في تنفيذه في أوّل محاولةٍ منها لِمسّ كرامته
سيفعلها.. سيقتل نفسه قبل أن تُقتل كرامته.. يمكنها إيقان ذلك أيضاً
سكايلر دارنفيل... سكايلر دارنفيل
أي نوع من الألغاز يحمله هذا الرجل...؟
del_lina__dod