تقدمت نحوه ببطء، تدرس كل تفصيل في مظهره... جسده بحد ذاته كان ضخماً بشكلٍ يفرض حضوره قبل كلماته، حتى بالنسبة لها، كان أشبه بجدارٍ بشري متراصٍّ بإتقان صارخ بكمّ المجهود اللذي بُذِل لبنائه... أكتافه العريضة مشدودة كما لو تشي بكم المسؤولية اللتي اعتاد حملها... أذرعه حتى و هي مكبلة بالفولاذ لم تُخفِ صلابتها، كما لو توحي أن السيوف لم تكن يوما عبءً عليه، بل جزء منه تعود على حمله كما يحمل ذراعه... كل جرحٍ قديمٍ على جلده.. كل ندبةٍ كانت تحكي عن معارك خاضها وخرج منها حيًا... جسده حمل آثار حربٍ طويلة، لكن روحه لم تكن محطمة
وهذا ما أزعجها...
كان يجدر به أن يأتي في أسوأ حالاته... لقد وقع في الأسر... فقد جيشه... لم يعد سوى أسيرا ينتظر مصيره المجهول
كان من المفترض أن يكون مذعورًا.. غاضبًا.. لكن لا... سكايلر دارنفيل كان يقف هناك وكأنه هو من يملك السجن وليس هي
شعرها الأسود كان ينسدل عبر ظهرها، لكنها أبقته مشدودًا للخلف في ذيل حصان منخفض مرتب ، كأنها ترفض أن تترك أي شيءٍ خارج سيطرتها... وقفتها كانت تجسيدا لقوتها اللتي لم يشكك بها أحد... حتى الآن
كانت معتادةً على الخوف، على التوسل، على ذلك التوتر الواضح في عيون من يقفون أمامها، لكن هذا الرجل... كان يقف كما لو كان هو من يحاكمها لا العكس
وقفت أمامه، حدقت فيه بصمت، لكنه لم يتحرك... لم يبدُ عليه حتى أنه مهتم بوجودها، و ذلك ما دفعها... لتبتسم
وقفا مقابل بعضٍ و السكون ثالثهما، كأن الأرض تحبس أنفاسها احتراماً لحربهما الباردة... هي بابتسامة مائلة لا تشبه البشر سوى في الاسم، كما لو تعزف لحن كوابيس أرمارون من بين شفتيها... وهو بعينين تنبضان بالموت قبل الحياة، يحمل سكون فولكانيا بين ضلوعه، حيث لا دفء.. لاتزعزع.. ولا تراجع
جنونها يتراقص في الهواء، وبروده يطفئ اللهب قبل أن يولد... ابتسامتها تتحدى، ونظراته لا تجيب... لحن كوابيس أرمارون، مقابل رمز دمار فولكانيا
لكن لحظة السكون تلك حتما لم تكن لتدوم... ليس في حضور سوناتا الفناء
سرعان ما رفعت حاجبًا، كاسرة الصمت بكلماتها المتعجرفة المعتادة... و اللتي غالبا ما كانت جزءً من عملها في تحطيم معنويات السجين مع أول خطوةٍ له في أرضها:
"إذن... الوحش الأسطوري الذي قتل المئات، يقف أخيرًا أمامي مكبّلًا مثل الكلاب"
لم يرد...
و بدلاً من أن يتغير شيءٌ في ملامحه، ظل ينظر إليها بهدوء، كأن كلامها لا يعنيه من الأساس... كأنه لم يتجول طويلا برأسه في المقام الأول و ليس فقط قناعاً يغطي به شعوره
اتسعت التقويسة بين أطراف شفتيها في ابتسامةٍ أخطر فأخطر وهي تقترب أكثر تقطع ما تبقى من مسافة بينهما، تنطق بصوت جمع بين النعومة و الخبث في نبرة واحدة:
"لنرى إلى متى ستظل بهذا الهدوء، دارنفيل"
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تواجه فيها رجالًا يفضلون الصمت، لكنها اعتادت أن يكون ذلك صمت خوفٍ لا قوةٍ أو عدَم اكتراث
تقدمت نحوه وسط نظرات الترقب اللتي أحاطتهما، و جدران السجن اللتي ستشهد على التقاء الوحشين بين جدرانها حتى يوم فنائها... تقدمت حتى عاد ما يفصل الاثنين لا يكفي ثالثا للوقوف بينهما، ثم رفعت يدها ببطء
كانت على وشك لمسه، فقط لتكسر ذلك الجمود في عينيه، لتجبره على إظهار رد فعل...
لكن و قبل أن تصل إليه، نطق بصوت منخفضٍ هادئ كما لو كان متأكداً أن كلماته ستصدح مهما انخفضت نبرته... يلقي أولى حروفه منذ لحظة إلقاء القبض عليه:
"إنشٌ واحدٌ أقرب... و سأكسِر عنقي بنفسي"
يدها توقفت في الهواء
بهدوءٍ جليدي... بلا خوفٍ بلا تردد.. قالها وكأنه يقرر شيئًا عاديًّا، وكأنه يخبرها فقط أنه لن يشرب كأس الماء الذي قُدِّم له
صمتٌ ثقيلٌ عاد ليكتسح المكان... لكن ثقلاً مختلفا هذه المرة
الجنود الذين أحاطوا به و بها لم يحركوا ساكنًا، لكن إيلا شعرت بالطاقة المشحونة في الهواء، بذلك التوتر الذي ينبثق عندما يحدث شيء غير متوقع تمامًا
بعضهم نظر إليها سريعًا، وكأنهم ينتظرون رد فعلها، بعض المُمسكينَ بسلاسل سكايلر بلعوا ريقهم بترقبٍ لما سيزلزل المكان تاليا بينما يشدون على ما بيدهم بحذر... آخرون من الواقفين مع الجدران و عند البوابة تحسسوا بنادقهم باستعدادٍ لأول حركةٍ غير مطمئنة... بينما الباقي ،و الأكثر منطقية و خبرة بينهم، اكتفوا بالمشاهدة، عالمين أن أيًّا كان ما سيحدث بين أسياد الرعب لن يستطيعوا منعه مهما تأهبوا
كل الأعين انتقلت بينهما، بما في ذلك خاصتيهما... محيطيتاه الهادئة مقابل أنصالها الحادة... بينما عقولهما تدرس بعضها
اختفت بسمتها للحظة من الشرود... شرود لم تكن متعودة عليه
لقد هددها... أحدهم هدد سوناتا الفناء.. سجينها.. بين جدران عرينها.. و وسط رجالها.. هددها
قد يبدو الأمر مجرد مسألة سمعة... لكن عمق المشكلة في الواقع لم يكن هنا تحديدا...
شيءٌ في نبرة صوته الثابتة جعل الغرفة تغدو أكثر برودة... شيءٌ جعل الكل يدرك أن كلماته لم تكن مجرد كلماتٍ غاضبةٍ لرجل فقد كل شيء... لم تكن مجرد جرأة غير مسبوقة من قائد مهزوم... بل كانت تهديداً حقيقيّاً... تهديداً بشيء ثمين... حياته
لم يكن يمزح... كان يعلم..
كان يعلم أن موته لن يكون خيارًا مطروحًا.. أن لديهم سبباً للحفاظ عليه.. أنه لم يكن مجرد أسيرٍ عادي بل ورقة رابحة على طاولة المفاوضات.. كان يعلم مقامه... وكان محقًّا
لقد تلقت الأوامر بوضوح تام: 'تأكدي من الإبقاء على حياته ... تحت أي ظرف'
وكان يعلم ذلك... دون الحاجة لسماعه مباشرة كان يعلمه
و لذلك كان من السهل معرفة أنها لا تستطيع قتله، بل لا تستطيع حتى السماح له بالموت... وهذا ما جعله خطرًا أكبر من أي سجين آخر مر عليها
لم يكن أسيرًا... كان لاعبًا في لعبةٍ يعرف قوانينها جيدًا
لثوانٍ طويلة أخرى، لم ينتفض لأحدهما ساكن... يدها لا تزال مرفوعة في الهواء أمامه، وعيناه لا تزالان ثابتتين على وجهها، لا ارتباكٌ لا خوفٌ لا خضوع... من الاثنين
رغم هدوئها، إلا أن تلك في الواقع كانت المرة الأولى التي تجد فيها سوناتا الفناء نفسها... غير متأكدةً من حركتها القادمة
ببطءٍ و هدوءٍ مريبٍ خفضت يدها، ولولا ابتسامتها المختلة اللتي عادت تشق ملامحها لظن بعض الأغبياء من حولها، أنها فعلتها خوفاً و رهبةً من نبرته... الأغبياء!
نبرة سكايلر كانت باردة، قاسية كصفائح الجليد حين تصطكّ، لكن نظراتها المتقدة لم تكن لتخشاها... رصاصِيّتاها لم تُخلقا للهرب بل للسعي، و لم تكونا لتهدآ قبل استكشاف كل ما يثير اهتمامها... و للتو دخل رجل القائمة في حدثٍ نادرٍ لا يحدث سوى مرّاتٍ في العمر
لم تخشَ صقيعه، بل رغبت أن تُشعل فيه خللاً... أن تخترق جدرانه الزرقاء ببارودها.. أن تشقّ لازورديّتيه بأنصالها.. أن تُذيب جليده المتصلّب بشعلتها
في قانون المنطق، ذوبانه عنى انطفائها... لكن بحق الجحيم من يكون هذا المسمى المنطق حتى تعطيه كل تلك الصلاحية للتدخل في قراراتها؟
لحظة تأملها لم تدم طويلاً، بل سرعان ما ختمتها بعودة الابتسامة لوجهها بينما أعينها لا تزال عليه... و هذه المرة، لم تكن ابتسامة رضا أو نصر أو حتى جنون... بل كانت شيئًا آخر، نادر التواجد في أعماقها... شيئًا أشبه باهتمامٍ ممزوجٍ بتحدٍّ غير معلن
"تظن أن حياتك ذات قيمة إذن... جيد"
قالتها تومئ برأسها ببطءٍ بينما يداها ممسكتان ببعضٍ خلف ظهرها، بعد أن أشاحت نظرها عنه، كما لو تخبره أن ثقته مثيرة للاهتمام، لكن ليس لدرجة جعلها تتراجع عن أيٍّ من مخططاتها المستقبلية
"'أعرف' سيكون اللفظ الأصح"
بهدوءٍ مباشرٍ و دون تفكير ، كما لو يعلن عن حقيقةٍ مسلمٍ بها منذ أزل الآزلين
"حسنًا، دارنفيل..." همست بصوت ناعمٍ هادئ حمل في داخله شيئًا سامًا "لعبةٌ ممتعة... لنرى إلى متى سيصمد الملك القرمزي بعيدا عن عرشه"
فهم قصدها... كانت تذكره بطريقة ما أنه لم يعد قائداً مخضرماً وسط جيشه... ربما مازال محتفظا بقيمته، لكن هذه المرة كأسير حربٍ وليس كملكٍ غير متوج كما اعتاد
و رغم ذلك لم يغير في ملامحه شيئا، بل بنفس الهدوء رفع أذرعه المكبلة في لحظة رعبٍ مرت على الحراس تزامناً مع حركته
المحيطون به شدوا على السلاسل باستعدادٍ لمنعه، الواقفون خلفها رفعوا بنادقهم تزامناً مع المصطفين مع الجدران، حتى حراس البوابة التفتوا بتأهب لمنعه... حرفيا... المكان بأكمله انتفض مع أول حركة له
جميعهم استعدوا لمنعه من تنفيذ تهديده... ولا أحداً منهم شك بكلماته للحظة، سمعته كانت سابقة و أرمارون بأكملها تعلم من يكون... تعلم كم تكبدت خسائر بسببه، كما تعلم أنه لا ينطق بما هو غير قادر عليه
كل من بالمكان انتفضوا... حِفاظاً على حياته
كلهم عداها... كون الشيء الوحيد الذي انتفض بها، كان شفاهها حين اتسعت في ابتسامة أكبر و أخطر
و لصدمتها... لقد بادلها الابتسامة
بل و بادلها بمثل طريقتها... ابتسامة خطيرة لا تحمل أي طيبة أو رحمة... فقط استمتاعٌ و رغبةٌ في السيطرة
فهم أنها فهمت... فهم أن فكرته وصلت على النحو المطلوب و للعقل المطلوب
"العرش من يحتاج ملكه و ليس العكس... والملك القرمزي في غير حاجة لعرشه ليحكم، سوناتا الفناء"
قالها بنفس الابتسامة المشؤومة و نظره لازال عليها، مؤكدا على حركته السابقة... حركته الأشبه بدليل أسبَقَهُ على كلامه
دليل أنه مازال قادرا على حكم أتباعه و أعدائه على حدٍّ سواء... أنه و إن كان تحت أراضي أعدائه مازال قادرا على التحكم بهم بطريقة أو بأخرى... أنه و إن كان أسيرا مازال قادرا على زعزعة المكان بحركةٍ من ساعِده
أكمل بنفس النبرة الخشنة يترك صوته العميق ليرن في أذنها كدوِيِّ طبول المعركة اللتي قررت بدأها حين تحدته:
"عرش الدماء يُصنع... لا يُورَث ولا يُوَرّث، وحتما لا يموت، مهما فعلتِ"
لقد تحدث عن عرش... عرش بني بالدم... عرش لا يدمر سوى بيد صاحبه... كما لو يخبرها أنه ملكٌ نصّبَ نفسه بنفسه، ولن يسقط سوى حين يقرر هو ذلك وليس ظروفه أو مكانه
كان في كلماته رسالة واضحة: سواء كانت هي سيدة السجن أو كانت لحن الموت المتردد بين تلك الجدران الباردة... فقد وجدت خصمًا لا يُقهر، وعرشًا لا يمكن لأحد أن يسلبه
وذلك تحديداً كان سبب ابتسامتها
"هل سيتردد صدى سوناتا الفناء في آذان الملك القرمزي، أم سيغرق عرشه في دمائها قبل أن تترنح؟ ... لنرَ أي المصيرين سيحقق السبق"
اخر كلماتها... قبل أن تريه ظهرها
♪______________________♪
توضيحات:
السوناتا في السياق العام هي مصطلح موسيقي يُستخدم للإشارة إلى نوع من الألحان أو القطع الموسيقية، وهي غالبًا تكون معزوفة مكونة من عدة أجزاء تتميز بتكرار اللحن وتغيراته... المصطلح يرتبط بشكل رئيسي بالموسيقى الكلاسيكية الغربية، لذا فهي قطعة موسيقية معقدة تتألف من عدة حركات يتم تنويعها، سواء من عازف واحد أو أكثر
في سياق القصة، سوناتا الفناء يمكن اعتبارها تحريفًا أو إعادة تشكيل للمفهوم الموسيقي لتناسب الشخصية والأجواء التي تُصورها، وتعني بذلك موسيقى "الموت" أو "الدمار" التي تمثل القوة القاتلة والمجنونة لإيلا، حيث يطلق عليها ذلك كما لو يتم وصفها بأنها معزوفة قاتلة ودمج بين الجنون و العنف
بالنسبة ل'الملك القرمزي' فهذا لا يحتاج شرحاً... ستفهمون سببه على أي حال في الفصل القادم، هذا إلّم تكونو قد استنتجتم ذلك بالفعل
أما بالنسبة للتوباز و اللازورد فهذان نوعان من الأحجار الكريمة ذات اللون الأزرق، لمن لم يفهم التشبيهات السابقة
¸¸♬·¯·♩¸¸♪·¯·♫¸¸¸¸♫·¯·♪¸¸♩·¯·♬¸¸
del_lina__dod