اللحن الثاني: سقوط قرار
.
.
.
.
¸¸♬·¯·♩¸¸♪·¯·♫¸¸¸¸♫·¯·♪¸¸♩·¯·♬¸¸
... رائحة الدم خانقة
وكأنها غزت كل جزءٍ من الهواء حولهم... مملوءةً بمرارة الموت الملتهم كلّ ما في طريقه
لا مكان آمن وسط هذا البحر من الخراب... حتى الأرض التي وقفوا على سطحها غارقةٌ في اللون القرمزي، و الأمطار الخفيفة الهاطلة لا تفلح حتى في تنظيفها، بل ولم تفعل شيئاً سوى أن زادتها حمرةً على حمرتها.. وكأن السماء نفسها تندب من قضوا في هذه المعركة الملعونة
كلما نظر سكايلر حوله، تمايلت أمام عينيه صورة الحرب بوضوحٍ شديد، وكأنها لحظةٌ أبديةٌ لم و لن تنتهي... قوات دعم العدوّ بدأت في الظهور من بعيد.. الجنود بكل ما يحملونه من شجاعةٍ أو يأسٍ كانوا يتساقطون الواحد تلو الآخر، مستسلمين للموت أو لإصاباتهم، أو للواقع... واقع خسارتهم الحتمية
احتكاك السيوف المرتطمة ببعضها البعض يصدى بين الجنود، وصوت البنادق يشق الهواء... أزيز الرصاص اختلط بصرخات الألم التي تملأ الأفق... نسيم الخراب فاح في الأرجاء يزيد برودة الجثث اللتي فرشت المكان...و الغربان تحوم حول أرض المعركة في انتظار أن تفنى لتُقيم ولائِمَها
وسط هذا الطوفان من الموت، وقف هو باعتياديةٍ ثابتةٍ كالجبل... رغم أن الوضع كان أبعد ما يكون من المعتاد أو المتوقع
سكايلر... كان يحدّق في المعركة أمامه بنظرةٍ هادئة، كما لو كان يشاهد عرضاً على المسرح لا واقفاً كجزءٍ منه
لم يبدُ في أعينه أي انعكاسٍ للخوف أو القلق... لا ملامح للشجاعة ولا الخوف.. ولا أي انفعالٍ يعكس حجم الفوضى من حوله... كان ببساطةٍ في مكانه.. يتنفس بهدوءٍ كأنما لم يكن وسط أتون الجحيم
كان مدركاً لمكانته كقائدٍ للجيش، و القائد لا ينحنِ... ذلك ما أكسبه هدوءه وليس عدم انتمائه للجنس البشري
صوت نائبه اقتحم ذهنه... صوت أنفاسه الأبعد كل بعدٍ عن الانتظام بينما يقترب منه
"لقد خسرنا" صوته خرج منخفضًا، متأثرًا بالإجهاد، عيناه مشوبتان باليأس... و رغم ذلك بدا عليه أنه متقبلٌ تمامًا للحقيقة، بل و على أتم استعدادٍ لمواجهتها بكل ما أوتي من رحابة صدر
سكايلر نظر في أعين نائبه بتلك النظرة العميقة التي لم تفارق ملامحه، كأنما يحاول التأكد بنفسه من مقدار تأثير حالهم على روحه المعنوية... لكن و حتى في تلك الأثناء، لم يكن في عينيه أي شيءٍ سوى البرود المميت... لم يكن شعوراً بالضيق أو الحسرة ولا أملاً قد فقدوه... فقط فراغٌ فارغ
"عبارة محرمة... على رجلٍ مازال سيفه بيده"
قال سكايلر بصوته الثابت، وكأنما كان يردد جملةً حفظها عن ظهر قلب... أو بالأحرى، طريقته الجافة في إخبار نائبه أن يتحلى بالأمل
كلماتٌ على الرغم من هدوئها و جفافها من العاطفة، حملت نبرةً حقيقيةً من التمرد على القيد الذي تفرضه الهزيمة... كأنه لا يعبأ بمقدار الموت من حوله أو مدى دموية المعركة الجارية و اللتي يعتبر الطرف الأساس فيها
عقله ما زال يعمل.. قلبه مازال يضخ له الدماء.. و ثقل سيفه مازال محسوسا على عضلات ساعده.. لذا فهو يفكر في سبلٍ جديدة... كان يدرك أنه و حتى إن وجدها لن تكون بحلولٍ سهلةٍ أو محبذة... ولا مانع له في الحالتين
نائبه الذي اعتاد أن يلاحظه عن كثب، استمر في التحديق به دون أي إزاحةٍ لبصره... محاولةٌ فاشلةٌ أخرى لفهم ما وراء تلك النظرة المتجمدة
كان يعلم أتم المعرفة أن سكايلر لم يكن كأغلب القادة اللذين قابلهم و عمل تحت إشرافهم... لم تبدُ برودة تعابيره كمجرد قناع، بل بدت كأنها كانت جزءً من جوهره... كأنه لم يكن يتظاهر بالبرود لإخفاء مشاعره، بل يتعود على نسيانها في المقام الأول، عن طريق محاولة تدميرها و التخلي عنها
...و بما أنها أساس النفس البشرية، فتدميرها يعني تدمير روحه و التخلي عنها يعني التخلي عن إنسانيته... لكل عملةٍ وجهان و سكايلر كان مدركاً لذلك حين قرر تكوين شخصيته
أعاد نظره للوراء حيث كان الطريق مسدودًا بالكامل، ثم إلى الأعداء الذين طلبوا الدعم وصاروا يحيطون بهم من كل جهة... أصداء القتال قد بدأت تقترب أكثر فأكثر ولا وقت حتى للتفكير
"قائد دارنفيل، خياراتنا محدودةٌ في الوقت الراهن... دعمهم على بعد دقائق من الوصول" قال رومان، محاولا لفت انتباه قائده إلى الحقيقة الوحشية التي كانت تحيط بهم "إما القتال حتى الموت، أو الاستسلام... وكلاهما نهايةٌ واحدة"
كان يذكره بذلك كما لو يسأله هل يستسلمون أم يستمرون في المعركة المحسومة سلفاً... كما لو يذكره أنهم أمام مخرجٍ مسدود فيسأله هل ينتحرون أمامه أم ينتظرون الموت البطيء
لم يتلق ردًّا... هنا علم تمامًا أن سكايلر قد جزم قراره و ذلك سبب صمته... و في أماكن كتلك، قرار قائد الجيش ليس بخيار، إنما أمرًا واقعًا
كل ما فعله في النهاية أنه ألقى نظرةً أخيرةً على جنوده ثم تحرك يتوغل بينهم بخطواتٍ مرهقةٍ من القتال، لكنها ورغم ذلك لم تتخلى عن ثباتها
تبعه رومان يتوغل هو الآخر رغم نظرات اللافهم اللتي ارتسمت على ملامحه مما يحاول سكايلر فعله... هو لم يتلقى أمراً مباشراً منه أو حتى كلمةً أو إيمائة، و رغم ذلك بقاؤه بجانبه لسنواتٍ كان كافياً بالنسبة له ليتعود كلياً على أسلوبه... أسلوب الشح في إخراج الكلمات و ردود الفعل
و بينما الجنود يتساقطون كالورق في العاصفة، و العدو الجديد على بعد خطواتٍ من الوصول، كان سكايلر يواصل المسير بثبات، وكأن كل شيءٍ يسير على أفضل حال
وصلوا إلى الحافة... اللحظة قد جاءت ولم يعد في الوجود مكانٌ أكبر للتراجع... مؤقت حياتهم شارفَ على الفناء، والموت غدا أقرب من رصاصةٍ تنتظر الإطلاق
رفع رومان رأسه بثقلٍ و إرهاقٍ بادٍ من لغة جسده، عيناه تتفحصان الوضع المحيط به، كل الطرق بدت مسدودة... رغم ذلك ثقته في قائده كانت أقرب للعمى، لا تتعاقب مع تعاقب النور و الظلام
"والآن ماذا؟"
سأل رومان، صوته منخفض... لكن مشبعٌ بالقلق الذي حاول إخفاءه... رغم كل الثقة اللتي يكنها لسكايلر و قراراته، كان كياناً حيّاً و يملك ما يسمى بغريزة البقاء
"الآن ستبتعد عني"
أجاب سكايلر بنبرته المعتادة و عيناه تتنقلان بهدوءٍ بين الأعداء المقتربين منهم
رومان حدق به غير مصدقٍّ لما يتفوه به... الوضع اللذي هما به كان آخر المواقف ملائمةً للافتراق... فما اللذي يحاول قوله إذاً؟ بالأصح ما اللذي يحاول فعله؟
و رغم ذلك سكايلر لم يراعي لحظة إدراكه، بل لم يعطِه المجال ليعبر عن ذلك حتى
"لتبسيط الأمر لك ،إليك ما ستفعله بالترتيب... تبتعد عني لبعض الوقت، تشق طريقك بين الجنود، تغادر ساحة الحرب، ثم تركض"
ألقى هذه الكلمات بلا مقدمات، بلا تعبيرٍ على وجهه، لكن النية كانت واضحة... كان يخطط بكل برودٍ لإرسال رومان بعيدًا
"لن يلاحظوا لو هرب رجلٌ واحدٌ من الجيش"
قال مفسرا أكثر سبب قراره، لكن رومان لم يكن لينخدع بتلك السهولة
"إذن، ألا يجب أن يكون هذا الرجل أنت؟"
رد رومان، صوته يحمل مزيجًا من الاستفهام والغضب... لم يكن يحب أن يشعر بأن خياراته مسلوبة، و سكايلر كان يضعه في تلك المواقف حين يلقي قراراتٍ كتلك على مسمعه
ٍ"قلتُ لن يلاحظوا هروب رجلٍ من الجيش، وليس الجيش بعينه... و بالنسبة لي، فلدي خطةٌ للاحق"
أجاب سكايلر بهدوءٍ و ثقةٍ كاملة، يصرح بكل فخرٍ أنه الجيش وليس فردا فيه... رغم أن هدفه الأسمى هذه المرة لم يكن بيان أنفتِه أو غروره
"لكن لا معنى من هروبي إن كنتَ ستبقى... لا معنى للنائب دون قائده" ردّ رومان، وقد بدأت التوترات الداخلية تتصاعد في قلبه... كان يرفض قطعا أن يترك سكايلر وحيدًا، يعلم في قرارة نفسه أنه لو فعل، فستكون نهاية كل شيء... كون مجرد طلبه له بالمغادرة كان كافياً لإيضاح الفكرة الأهم بغض النظر عن خطته: سكايلر لم يكن ينوي الهرب معه
"ولا معنى لكلمات القائد إن لم يؤخذ بها..."أجاب سكايلر بنفس الهدوء الحاد مذكرًا بنوع العلاقة اللتي جمعته برومان، كما لو يخبره أن يتوقف عن التصرف بعاطفيةٍ معه و يضع مشاعره جانباً
"ولا أذكر أنني أفصحت عن أي رغبةٍ في مناقشة قراراتي معك.. هنا.. بين الهاوية وجنود الأعداء؟"لإنهاء النقاش بأسرع وقتٍ وضمان هروب الآخر دون أن تتم ملاحظته، أضاف سكايلر ببرودٍ معلناً بصارح العبارة أن قراره كان قاطعاً لا رجعة فيه
لطالما كان لسانه قاسيًا كالصخر... دائمًا ما يُظهر للجميع أنه لا يملك أي ندمٍ على قراراته، وتلك حقيقة، حتى لو كانت هذه القرارات تعني المخاطرة بالآخرين أو بنفسه في هذه الحالة
حياته مرّت عبارةً عن سلسلةٍ من الخيارات الجافة، غير مكترثٍ بما يتركه خلفه... كان يعلم أن هذه اللحظة لم تكن للندم أو التساؤلات، و الخيارات لم تكن بالمتعددة على أي حال
أما رومان، فقد شعر بالانقسام الداخلي يتسرب إلى قلبه... كان يعرف أن سكايلر يفكر في شيءٍ أكبر، يعلم أيضًا أنه لا يستطيع محاربة قراراته... ومع ذلك، كان هناك جزء صغيرٌ في قلبه يرغب في أن يرفض هذه الفكرة... أن يرفض التراجع
لكن مجدداً... كان يعلم أنه لم ينطق بكلماته إلا ولا ينوي الرجوع عنها، و حتماً لا مجال لإقناعه أو عناده، كونه و حتى إن فعل لن يأتي بنتيجة... لأن سكايلر لم يخاطر بنفسه إلا و قد عدّ الخيارات الأخرى ووجدها بين السالب و الموجب
وفي تلك اللحظة، وسط دوي المعركة والموت الذي يحيط بهما، أومأ رومان أخيرًا رغم مشاعر التردد التي ملأت جوفه
رغم كل شيء، لم يقل كلمةً أخرى... لم يعارض، لم ينطق... نظر إلى سكايلر نظرةً أخيرةً قبل أن ينسلّ مبتعدًا عنه
بينما سكايلر واقفٌ في مكانه يتابع مغادرته، عيناه لا تعكسان أدنى تغيّرٍ في المشاعر... لم يقترب منه، لم يودعه، و لم ينطق بحرفٍ إضافيٍ لم يكن ليفعل شيئًا سوى زيادة تردده... وكأن كل ما كان يهمه أن رومان سينجو الآن، و الثمن سيدفعه هو عنه
كان محاصرًا، لكن عيناه ظلّتا ساكنتين، تراقبان تحركات الجنود حوله كما لو كان سَبُعاً محبوسًا في قفصٍ من فولاذ، محاطًا بالصيادين الذين يظنون أنهم انتصروا عليه... غير مدركين أنهم يظلون الفرائس للسبع كيفما كان وضعه
حركةٌ سريعة.. سيفٌ يندفع عبر الظلام.. جندي يسقط.. آخر يصرخ.. الدم يتناثر كلوحةٍ مرسومةٍ على أرض المعركة... سكايلر بدأ سلسلة لوحاته الفنية الدموية بأول من قابل طريقه
لكن و رغم قوته، كان بشراً... رغم سرعته التي جعلت حتى الموت يتردد في الاقتراب منه، جسده كان من لحمٍ و دم... و حتما لم يكن معصوماً من الثغرات
سرعته بالكاد مكّنته تفادي الضربات المميتة، لكن بشريته لم تكن لتُمكّنه تفادي سيل دمائه
لكنه كان يدرك أيضاً أن المعركة كانت لغرض الوقت لا الفوز...كان يعرف أن الرهان الحقيقي ليس على النجاة أو إراقة الدماء، بل على شيءٍ آخر
'رومان، لا تتوقف...'
ذلك فقط ما تردد في ذهنه بينما سيفه يرسم لوحاته الدموية على أرض الحرب كما ترسمها عليه بدورها... جروحه بأكملها سطحية لكن كثيرة، صحيحٌ كان بارعاً ليتفادى الموت لكن لم يكن صخراً كي لا ينزف
دمائه بدأت في تغليف جلده... جراحه رغم سطحيتها بدأت في إخراج أخطارها، كما لو تُذكّره بعدم الاستهانة بها.. كما لو تذكره أن القوة و المهارة مهما بلغا لم ولن يكونا نداً لضعفه البشري
آثار فقدان الدماء بدأت في عرقلته... قوته بدأت بالتناقص مع كل قطرةٍ تنقع الأرض أسفله... شكله غدا تجسيداً حرفياً للقبه
الملك القرمزي...
كان معتاداً على ملمس الدماء فوق كل شبرٍ من جسده... كان معتاداً على اللون القرمزي بين عينيه... كان معتاداً على روائح الجثث و الدماء تحيطه
الجميع فعل، كلهم تعودوا على تمييزه بالدماء تغطيه... لكن أن تكون جلّها نابعةً عن جلده... ذلك كان حدثاً نادراً
أما له... فقد كانت المرة الأولى اللتي يدرك فيها مدى قيمة نائبه له... المرة الأولى اللتي يخشى على غيره قبل نفسه... و المرة الأولى مجدداً، أين يكذب عليه
خطته... لم تكن أكثر من كذبة
لم يكن يملك خطةً للاحق رغم تصريحه المباشر بذلك، لأول مرةٍ يجد نفسه في وضعٍ عاجزٍ يضطره للكذب على نائبه... على الشخص الوحيد اللذي لطالما كان صادقاً معه رغم برودة أسلوبه
الخطة الوحيدة كانت... السماح لرومان بالهرب، و ما بعد ذلك في يد القدر
عقله مازال يراقب تحركات نائبه الذي اختفى بين ظلال الحرب.. يعد الخطوات.. يحسب الثواني... طالما ظل يقاتل هنا، طالما بقي الجنود منشغلين به عن نائبه، ذلك كان المغزى الوحيد لقتاله
لكن لا خطة يدوم سيرها للأبد..
"امسكوا به! شخصٌ يحاول الهرب"
صدح الصوت حتى بين ضجيج الحرب الصاخب اللذي لف المكان في شرنقةٍ من الفوضى... التفتت الأنظار بالكامل تبحث عن مصدر الصوت لتحديد هوية هذا الهارب... و لم يأخذ ذلك طويلاً حتى صارت محاولات رومان للهروب ظاهرةً أمام العيان
حينها، أدرك سكايلر أن الوقت انتهى
رومان كان سريعًا، لكنه لم يكن شبحًا... كانوا سيلحقون به مهما بلغت سرعته، كانوا سيُسقِطونه قبل أن يخرج من هذه الجحيم
وفي تلك اللحظة، ظهر الخيار وليدَ اللحظة أمام مرأىً من الملك القرمزي... الخيار اللذي لم يخَل نفسه قد يفكر قيد أنملةٍ في تطبيقه يومًا
لكن مجدداً، لا خيارات أخرى... إما هذا، أو لن ينجو نائبه
لا شيء تغيّر في وجهه... حتى عندما ألقى سلاحه أرضًا، حتى عندما رفع يديه ببطء، لم يَظهر على ملامحه أثرٌ للانكسار أو الضعف... لم يكن هناك سوى ذلك الهدوء الغريب الذي لطالما ميّزه، الهدوء الذي جعل أعداءه لا يعرفون أكان هذا استسلامًا أم فخّاً آخر من فخاخه؟
"سأُسلّم نفسي... انتهت المعركة"
قالها بهدوءٍ معلناً بنفسه عن نهاية المعركة، كما لو يوجّه أمراً لأعدائه لا يسلم نفسه لهم... نبرته باردةٌ ثابتة، لا تحمل أي أثرٍ للندم أو الخوف أو الخنوع... نبرة ملكٍ مازال يحكم كلاً من شعبه و أعدائه
...حتما لم تكن النبرة المعتادة لقائدٍ مستسلم
الجنود للحظةٍ ترددوا... هل هذه حيلة؟ هل يمكن للملك القرمزي أن يسقط بهذه البساطة؟ الأمر كان مريبا و منافياً لكلّ منطقٍ سبق و علِموه
لكن حين لم يتحرك، حين لم يُظهر أي مقاومة، صارت لديهم الشجاعة... اندفعوا نحوه، قبضاتهم تلتف حول ذراعيه، أجسادهم تتدافع لإسقاطه، سيوفهم تقترب من عنقه، لكن..
لا يزال هادئًا
..و شبه مبتسم
وفي مكانٍ بعيدٍ خلف الظلال، وقف رومان.. يلهث.. يختبئ بين الأنقاض.. يشاهد المشهد بأعين اتسعت في ذهول.. في صدمة.. في شيءٍ لم يكن يريد أن يعترف به
لقد أُمسِك به
لقد اختار أن يُقبَض عليه
وكان يعلم... يعلم جيدًا أنه فعلها لأجله
ضغط على أسنانه بقوة، قبضته اشتدت على سيفه حتى شُقّت راحة يده... لم يقل شيئًا، لم يسمح لصوته بالخروج، لكنه شعر بشيءٍ ينكسر داخله... شيءٌ لن يعود كما كان أبداً
لم يكن يريد أن يتركه... و في الآن ذاته لم يكن قادراً على العودة
وفي اللحظة التي أُجبر فيها على التراجع، حين استدار وبدأ بالاختفاء وسط الأنقاض، حين ترك الملك القرمزي يسقط بين أيديهم، قرر كتابة الحقيقة الجديدة بيده
...حقيقة أن هذه المعركة لم تنتهِ... وأنها لن تنتهيَ حتى يستعيده
del_lina__dod