VI- ظِلالٌ مُتَنافِرَة -VI:ضَريحُ أَسْرار

VI- ظِلالٌ مُتَنافِرَة -VI:ضَريحُ أَسْرار

19 0

اللحن السادس: ظلال متنافرة

.

.

.

.

¸¸♬·¯·♩¸¸♪·¯·♫¸¸¸¸♫·¯·♪¸¸♩·¯·♬¸¸

أشعة الشمس بدأت للتو في بسط نفوذها على أراضي فولكانيا، عندما دخل ذلك الملثم إلى المكتب المبهرج في قصر الكونت

لم يصدى صوتٌ سوى لحفيف رداءه الطويل... حتى خطواته السريعة على الأرضية الرخامية لم تكن كافية لاصدار صوتٍ أعلى من أوراق الشجر المتساقطة بالخارج

الحجرة نفسها كانت أشبه بضريح لأسرارَ من مختلف بقاع فولكانيا وحتى خارجها... جدرانها شبه مغطاة بمكتبات عملاقة متصلة بسلالم شاهقة للوصول لأعلاها، أرففها محمّلة بمجلدات جلدية مُتربة، بينما بضع شموع في الجوانب وعلى زاوايا المكتب لازالت مشتعلةً دليلاً على عدم اكتراث صاحبها بالوقت

جلس الكونت غابريال دي كارفال خلف مكتبه العريض، وعلى وجهه بدت ملامح تركيز مطلق.. تلك الملامح التي تخصّ سيد الاستخبارات الناطق باسم الملك في غيابه

رفع نظره ببطء نحو تابعه، ثم قال بصوت مائل إلى الخفوت:

"انت هنا ثاين؟ أفترض إذا أن المهمة انتهت؟"

انحنى ثاين برأسه قليلا في إيماءةٍ بسيطةٍ بمعنى 'أجل'

رد غابريال الإيمائة بفهم، سرعان ما انتقل بالموضوع مستفسراً:

"إذاً، ما أخبار السيد هالدريك؟"

"أكّدتُ صحّة المعلومات اللتي وصلتنا... كان فعلاً يتخابر مع الشمال، وقد جرى التخلص منه كما أمرت... الحادثة سُجّلت كاختفاء"

رد ببساطة في حدود السؤال و ما يعلم أن غابريال سيود معرفته

أومأ الكونت برأسه، ثم أردف تساؤله الآخر:

"ماذا عن المريبة التي كانت تتردد على مجلس فولكانيا مؤخراً؟ تلك التي ادّعت أنها مندوبة من البلاط الشرقي"

"ليست مندوبة حقيقية، إنما ابنة لأحد التجار الكبار الذين فُقدوا أثناء المبادلات التجارية مع إمبراطورية إيليندار قبل عامين، كما أنها الخلفة الوحيدة له.. لذا من السهل القول أنها تحاول بناء مكانةٍ لنفسها بانتحال شخصية غيرها"

"لا.. هي تنوي كسب ثقةٍ مؤقّتة فقط، وبالتالي تنوي سرقة بضع ذهبات وتَختفي من المجلس بعد فترةٍ قصيرة"

"إذاً.. ألا أوقفها؟"

"كلّا.. ذلك أجرها على تعليم حمقى المجلس درسا في الثقة... مهما أخذت فهو حقّها"

"أليس هنالك أي احتماليةٍ على وجود نيّةٍ مبطّنة بالتّدخل الفعليّ في شؤون البلد؟"

رفع غابريال نظره نحو تابعه بهدوءٍ واضح في ملامحه بينما يطرق بخفةٍ سطح المكتب أسفل أنامله، قبل أن يرسم ابتسامةً رسميةً خافتة:

"لقد قلتُ أنها ستختفي بعد فترةٍ قصيرة.. هذا سيحدث بغضّ النظر عمّن سيقرّر كيف وأين ستذهب"

"فهمت"

"رائع..." تمتم الكونت وهو يدير خاتمًا من الفضة السميكة في إصبعه "والآن، دعنا نعود لموضوع أكثر إثارة... الماركيز غرينس"

"لقد كان جاسوسا غير مباشرٍ لـ—"

"الملكة الأم... أعلم أعلم، تحققت من ذلك بنفسي في وقت غيابك... ليس ما أقصده"

قطّب ثاين جبينه من أسفل اللثام بغير فهم يحاول تذكّر ما الأمر الآخر الّذي قد يقصده غابريال بكلامه

سرعان ما فهم الآخر حيرته فتنهد بخيبةٍ يردف موضّحاً:

"قصدتُ الرجل الغامض الذي ذكره غرينس ليلة موته، ذلك الذي قال أنه كان يطلب المال مقابل المعلومات عن أرمارون... هل تحققتَ من هويّته؟"

"ألم يكن مجرد كذبةٍ من غرينس؟"

"لا أظن ذلك... غرينس كان عالماً بهويّتي كقائد الاستخبارات، ما كان ليطلب مني التّحقيق في شيء هو من اخترعه لأن تلك ستكون دعوةً مباشِرةً لي للتّوغل في أموره، و بالتالي دعوةٌ لكشف أمره... صحيحٌ أخذ المركز الثاني بعد زوجة ألدوفريك، لكن كما تعلم.. للسذاجة حدودٌ أيضاً"

أومأ ثاين برأسه بفهمٍ قبل أن يتراجع سريعاً يغادر المكتب، ذلك بعد أن التقطت أذناه صوت الخطوات القادمة من خلف الباب المتّصل بغرفة نوم غابريال

ما إن اختفى، حتّى فُتح الباب الآخر كاشفاً عن امرأةٍ بدت في أواخر ثلاثنياتها، شعرها الأصهب الطويل أشعث مصوبٌ في اتجاهات متناقضة،  قدماها حافيتان بينما ذارعاها متقاطعان خلف رقبتها، تمدد جسدها في محاولةٍ لطرد بواقي النّوم عنها

ابتسامةٌ متزامنةٌ مع تنهيدةٍ قصيرةٍ غادرت شفتيه -الكونت- بينما يشاهدها تتقدّم ناحيته بأعين لم تهمّ برفع ستار جفونها عنها بعد، لا يعلم حتى كيف تعرف الطريق دون فتح أيٍ من عينيها

خيوط فستان نومها الحريري الأبيض بالكاد تتشبث بعضدها، بينما الانكماشة في ملامحها كافيةٌ لإخبار مزاجها الصباحيّ

لهذا السبب يؤكد على أتباعه بالمغادرة بمجرد سماع خطواتها... خاصةً في الصباح الباكر

"اخبر تابعك السافل أني سأخ*صيه في المرة القادمة التي أسمع صوته في هذا الوقت من الصباح... تباً.. هل أنا راعية بقرٍ حتى أستيقظ في الخامسة صباحاً؟.."

قالتها بنبرةٍ ناعسةٍ متذمّرة، تُدلّك فروة رأسها بينما أعينها لا تزال مغلقة... لا تزال غافلةً عن الابتسامة التي شقّت وجه غابريال فور سماع صوت زوجته... بغضّ النّظر عن محتواه

"بالطبع، سأتأكّد من إخباره... هل من رسالةٍ أخرى تودّ مني زوجتي الظريفة إيصالها؟"

"أجل... أخبر زوجي الحبيب أني سأخ*صيه أيضاً لو وجدته ساهرًا حتّى الصباح مع أخبار غيره مجدداً"

قالتها بانزعاج من سهره المستمر مع أعماله... تقدمت بتكاسلٍ ترتمي بظهرها ناحيته، تزامنا مع تباعد ساقيه عن بعض و ارتفاع ذراعه في الهواء، في استعدادٍ للامساك بها بمجرد أن تقع كالجثة فوقه... كما لو كانا ينفذان روتينا صباحياً معتاداً حيث تثق به لامساكها، و يثق بثقتها به فيحرص على ذلك

استلقت لثوانٍ قليلة باهمالٍ تام، قبل أن تستقيم ببطء تبدأ بتعديل جلستها واضعةً ساقاً فوق الأخرى بينما تعدّل شعرها المتناثر بيدٍ وحمالات فستانها المتراخية بالأخرى

أما يده هو فقد امتدت لدرجٍ يحفظ مكانه جيدا أسفل مكتبه، بينما نظره مثبّت على شعر زوجته أين تسللت أنامل يده الأخرى تساعدها في ترتيبه... أو ربما العبث به، من يعلم

"سأسهر بطريقةٍ أو بأخرى، فما الفرق؟"

ابتسامةٌ بسيطةٌ ارتسمت على وجهها المتشائم منذ الصباح، هزّت كتفيها بغير اكتراث بينما أصابعها لا تزال تفكّ تشابكات شعرها:

"الفرق أن إحدى الطرق ستمنح ابنك مزيدا من الإخوة، و الأخرى ستبقيه وحيدا للأبد... أيهما تفضل؟"

شعرت باهتزازٍ طفيفٍ في ظهرها، فعلمت أنه يحاول كبت ضحكته... لكن على من؟

"أُخبرك فقط، عيد ميلاد ابنك داميان الثاني عشر بعد تسعة أشهر بالضبط... ألا تخطط لهديةٍ مميزة؟ فردٌ جديد في الأسرة على سبيل المثال؟"

هز غابريال رأسه بقلة حيلةٍ من أحاديث زوجته المعتادة، المناقضة كلّيا لهويّتها كالسليلة الوحيدة لأعرق و أرقى عوائل المملكة

كيف يجدر به التّصديق أنّ المنسدحة عرضاً على فخذيه تكون عرقيّا أرقى سيدةٍ في كامل فولكانيا؟

سلّ يده من الدرج حاملاً لطبقٍ من البسكويت بنكهة الخوخ يضعه على المكتب، ثم أخذ واحدةً يقربها من فم زوجته في حركةٍ اعتيادية لتعديل مزاجها الصباحي

أخذت قضمتها الأولى من جرعة سعادتها تتلذذ بها بنشوة، قبل أن تلف يديها حول عنقه ثم تنحني تطبع قبلةً خفيفةً عليه، تاركةً بعض الفتافيت اللتي كانت ملازمةً لشفتيها فغدت على خده، تنبس بينما تبتعد:

"أتعلم كم أحبك غاب؟ أقصد.. الطّريقة التي تعدّل بها مزاجي"

رفع هو حاجباً واحداً.. قبل أن يبتسم يردّ بنفس طريقتها:

"بقدر حبي لتلك الشفاه إليث... أقصد.. الطريقة اللتي تتفوه بها بذلك"

ابتسمت..

ابتسمت حتى انغرزت غمازتها اللتي لا تظهر بسهولة.. غمازتها اللتي لا تنير وجهها سوى و هي معه.. غمازتها اللتي لطالما كان وجوده سببها و نبضه ضحيتها

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

꧁༒لحن الدم༒꧂

المؤلف del_lina__dod
2025/06/18 مستمرة
قائمة الفصول (25)
الفصل 0: اَلْعَتَبَة
2025/06/18
الفصل 15: IV- مُونَالِيزَا في عَهْدِ دافِنْشي -IV:جاهِلٌ بِما بِحَوْزَتِه
2025/07/13
الفصل 14: IV- مُونَالِيزَا في عَهْدِ دافِنْشي -IV:تَضْحِيَةٌ لِمَن؟
2025/07/13
الفصل 13: IV- مُونَالِيزَا في عَهْدِ دافِنْشي -IV:مَصْدَرُ يَقين
2025/07/13
الفصل 12: IV- مُونَالِيزَا في عَهْدِ دافِنْشي ـIV:مَعْزوفَةُ تَناقُضات
2025/07/13
الفصل 11: III- سيمْفونِيَّةٌ في الْعُتْمَة -III : قَمَرٌ دونَ الرُّقْعَة
2025/06/26
الفصل 10: III- سيمْفونِيَّةٌ في الْعُتْمَة -III : دِماءُ خائِن
2025/06/26
الفصل 9: III- سيمْفونِيَّةٌ في الْعُتْمَة -III : الْحُجْرَةُ الْأُرْجُوانِيَّة
2025/06/26
الفصل 8: III- سيمْفونِيَّةٌ في الْعُتْمَة -III : صَيّادٌ وَ فَريسَة
2025/06/26
الفصل 7: III- سيمْفونِيَّةٌ في الْعُتْمَة -III: مَلِكٌ دونَ عَرْشِه
2025/06/26
الفصل 6: III- سيمْفونِيَّةٌ في الْعُتْمَة -III : لَحْنٌ خارِجَ الْمَعْزوفَة
2025/06/26
الفصل 5: II- سُقوطُ قَرار -II: روحانِ في جَسَدِ الصِّراع
2025/06/18
الفصل 4: II- سُقوطُ قَرار -II: هَواءٌ عَلى وَجنَتِه
2025/06/18
الفصل 3: II- سُقوطُ قَرار -II: تاجٌ بَيْنَ الْجُثَث
2025/06/18
الفصل 2: Iبَيْنَ الْقَيْدِ وَ الدَّم ـ -I : أَسْيادُ الرُّعْب
2025/06/18
الفصل 1: Iبَيْنَ الْقَيْدِ وَ الدَّم ـ -I : وَحْشانِ بَيْنَ جُدْرانِه
2025/06/18
الفصل 16: V- تِرْياقٌ عَلى السُّم -V:غَمْضَةُ عَيْن
2025/08/17
الفصل 17: V- تِرْياقٌ عَلى السُّم -V:في الْمَحْيا وَ الْمَمات
2025/08/17
الفصل 18: V- تِرْياقٌ عَلى السُّم -V:فَراغ
2025/08/17
الفصل 19: V- تِرْياقٌ عَلى السُّم -V:جُنوناً أَم دَهاء
2025/08/17
الفصل 20: V- تِرْياقٌ عَلى السُّم -V:مَسلوبَةَ الْسُّبُل
2025/08/17
الفصل 21: V- تِرْياقٌ عَلى السُّم -V:دائِرةٌ دونَ مُبْتَدئٍ وَلا مُنْتَهى
2025/08/17
الفصل 22: VI- ظِلالٌ مُتَنافِرَة -VI:ضَريحُ أَسْرار
2025/10/03
الفصل 23: VI- ظِلالٌ مُتَنافِرَة -VI:نَهَمُ مُتَعَطِّش
2025/10/03
الفصل 24: VI- ظِلالٌ مُتَنافِرَة -VI:ظِلّ
2025/10/03

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة