V- تِرْياقٌ عَلى السُّم -V:في الْمَحْيا وَ الْمَمات

V- تِرْياقٌ عَلى السُّم -V:في الْمَحْيا وَ الْمَمات

24 0

اتسعت مقلتاها و هي تراقبه... يقف يبتعد بوصاتٍ عنها حتى لا تصله أناملها... فقط نظرها هو ما أراده أن يصله

رفع القارورة نحو شفتيه، وابتسم... تلك الابتسامة... ابتسامةٌ تعرفها إيلا جيداً

تلك الابتسامة اللتي اعتادت وحدها على منحها... حين تكون على وشك القيام بشيءٍ سيضعها و ابتسامتها المختلة بين الحياتين... تلك الابتسامة اللتي ترتسم على وجهها حين تنوي معانقة الموت بجسدها حتى تشعر به في كامل كيانها ثم تنسل من حضنه بعد أن تعلق رائحته بها

"أخبرتكِ... لا ألعب بقواعدكِ، فالمتور"

قالها بهدوءٍ سانده سكون المكان بعد حركته، بينما ابتسامته لا تزال متسعةً بين زوايا شفتيه

ثم و بلا تردد... شرب كل ما في القارورة

قطرةً... تلو القطرة... حتى آخر رمق

شهقت إيلا شهقةً هزت صدرها، اندفعت للأمام تمسك القضبان بين يديها حتى شعرت أن قبضتها ستندمج بالحديد من شدةٍ قبضتها حوله... قبل أن تنبس بنظرة دهشةٍ خالصةٍ تشعّ من رماديتيها رغم انخفاض نبرتها:

"مالذي تحاول فعله الآن؟"

مهمتها الأساسية كانت بالحفاظ على حياته، كل ما دون ذلك كان مباحاً، لكن هكذا... سيموت خلال دقائق مع تلك الكمية

قد تكون من اقترحت فكرة تسميم النبيذ، لكنها وحتى لو طبقتها لم تكن لتضع أكثر من بضع قطرات في الزجاجة، و بذلك سيكون لها الوقت الكافي لجلب الترياق قبل حتى أن يشعرا بالأعراض... غرض اللّعبة كان الشّعور بالخطر قربهما و ليس القفز في منطقة اللارجعة

و رغم معرفته بكل ذلك وقف هناك... هادئاً، متماسكاً، كأنما شرب ماءً لا سماًّ، حتى نبرته بدت أقرب للاستمتاع بينما ينبس بخبث:

"لمَ تبدين بهذا القلق فالمتور؟ ألم تودي بنفسك جثتي كجائزة؟ انتظري بضع دقائق فقط بهذا الحال و تحصلين على انتصارك... أليست أسهل لعبةٍ على الإطلاق؟"

"لأني سأموت بعدك أيها السافل! لن أحصّل شيئاً حتى"

...حتى و حياتهما على المحك مازالت تتحدث عن مكافئتها... ربما الجنون لم يكن مجرد قناعٍ في نهاية المطاف

"بالضبط..."

نطق بهدوءٍ يجلس متربعاً على الأرضية الحجرية:

"معاً في المحيا و الممات... هذه الأرض لن تعانق جثّة أحدنا دون الأخرى... لا قلباً سيقرع طبول سقوط الآخر، ولا روحاً ستنتشي بعبق موته... هذه قواعد لعبتي، فالمتور"

حدقت به لثوانٍ بنظراتٍ غير مفهومة... كلامه رن في أذنها كدوِيِّ طبولٍ لم تعد قادرةً على التفريق بينها و بين النبض العنيف جوف صدرها

خليطٌ من المشاعر انتابها... انزعاجٌ من سلب خياراتها بعد أن اعتادت أن تكون المسيطرة على كل ما حولها... خوفٌ غريزيٌّ على حياتها المعتمدة الآن على إيجادها الترياق و الإتيان به في الوقت المناسب... و شيءٌ آخر عجزت حتى عن إيجاد اسمٍ ملائمٍ له

شعور جيد محاطٌ بالسيء... دفءٌ حارق... كرهها له زاد لحدٍّ لم تعد تشعر به، كأنها توقفت عن ذلك في لحظةٍ خاطفةٍ خارجةٍ عن إرادتها

لحظةٌ خاطفة... فقدت فيها السيطرة على جوفها

و حال المتسبب في ذلك لم يكن بأفضل...

تجمد هو الآخر للحظةٍ يستوعب ما تفوّه به... هل لتوّه ربط مصيره بمصيرها للأبد؟ هل لتوّه وعدها بمشاركة الموت و الحياة معها؟ يستحيل أن يتفوه بذلك... ليس فاه سكايلر دارنفيل

لمَ كان عليه قول أول ما خطر على باله؟ لمَ خطر ذلك بباله في المقام الأول؟

ولمَ هو متوترٌ الآن حتى؟!

لقد قال ما قاله.. لا بفعل سكر ولا تهديد، لقد نطق كلماته بكامل إرادته و يستحيل أن يسحبها الآن، كما يستحيل أن يندم عليها، لكنه مازال يحاول التفكير كيف و لمَ فكّر بقول ذلك؟

كان بإمكانه قولها بطريقةٍ أخرى.. كان بإمكانه التعبير عمّا أراد قوله بكلماتٍ أقلّ تأثيراً، لكن هذا... بدا أشبه بعهد وفاء أكثر من مجرد استفزازٍ بحقيقة ارتباط حياتها بحياته

أراد ببساطةٍ استفزازها بكونه قادراً على إنهاء حياتها ولو اضطر لإنهاء حياته معها، لكن الطريقة التي قال بها ذلك بدت غريبة..

كان يفكر بقول شيءٍ ملاعب كعادته، فكر في شيءٍ قد يشلّ حركتها لثوانٍ، لكنه لم يخل للحظةٍ أن أوّل ما سيخطر بباله سيشله معها

في حركةٍ واحدة... كما لو قضيا ما مضى من حياتهما يخططان لذلك... رفع كلاهما نظره للآخر

لثوانٍ بدت كأنها عقودٌ جمّدت الوقت بينهما... التقى جليده برصاصها

ولولا أن أزاحا نظرهما سريعا... لربما كانت نجحت باختراقه هذه المرة

لو استمرا على هذا الحال لدقائق أخرى، سينتهي الأمر بجثتها فاقدة الرأس فوق جثته منتهية الصلاحية

وقفت عن مكانها تستعيد السيطرة على نفسها، التقطت أسلحتها تعيدها بين جيوبها، تاركةً القنديل و النبيذ كما وضعتهما كإشارةٍ منها أنها لن تتأخر... و أن حديثهما لم ينتهِ بعد

ثم و دون كلمةٍ أخرى قد تضيع مزيداً من الوقت، التفّت تغادر بخطواتٍ سريعةٍ بالاتجاه اللذي جاءت منه المرةَ الأولى

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

꧁༒لحن الدم༒꧂

المؤلف del_lina__dod
2025/06/18 مستمرة
قائمة الفصول (25)
الفصل 0: اَلْعَتَبَة
2025/06/18
الفصل 15: IV- مُونَالِيزَا في عَهْدِ دافِنْشي -IV:جاهِلٌ بِما بِحَوْزَتِه
2025/07/13
الفصل 14: IV- مُونَالِيزَا في عَهْدِ دافِنْشي -IV:تَضْحِيَةٌ لِمَن؟
2025/07/13
الفصل 13: IV- مُونَالِيزَا في عَهْدِ دافِنْشي -IV:مَصْدَرُ يَقين
2025/07/13
الفصل 12: IV- مُونَالِيزَا في عَهْدِ دافِنْشي ـIV:مَعْزوفَةُ تَناقُضات
2025/07/13
الفصل 11: III- سيمْفونِيَّةٌ في الْعُتْمَة -III : قَمَرٌ دونَ الرُّقْعَة
2025/06/26
الفصل 10: III- سيمْفونِيَّةٌ في الْعُتْمَة -III : دِماءُ خائِن
2025/06/26
الفصل 9: III- سيمْفونِيَّةٌ في الْعُتْمَة -III : الْحُجْرَةُ الْأُرْجُوانِيَّة
2025/06/26
الفصل 8: III- سيمْفونِيَّةٌ في الْعُتْمَة -III : صَيّادٌ وَ فَريسَة
2025/06/26
الفصل 7: III- سيمْفونِيَّةٌ في الْعُتْمَة -III: مَلِكٌ دونَ عَرْشِه
2025/06/26
الفصل 6: III- سيمْفونِيَّةٌ في الْعُتْمَة -III : لَحْنٌ خارِجَ الْمَعْزوفَة
2025/06/26
الفصل 5: II- سُقوطُ قَرار -II: روحانِ في جَسَدِ الصِّراع
2025/06/18
الفصل 4: II- سُقوطُ قَرار -II: هَواءٌ عَلى وَجنَتِه
2025/06/18
الفصل 3: II- سُقوطُ قَرار -II: تاجٌ بَيْنَ الْجُثَث
2025/06/18
الفصل 2: Iبَيْنَ الْقَيْدِ وَ الدَّم ـ -I : أَسْيادُ الرُّعْب
2025/06/18
الفصل 1: Iبَيْنَ الْقَيْدِ وَ الدَّم ـ -I : وَحْشانِ بَيْنَ جُدْرانِه
2025/06/18
الفصل 16: V- تِرْياقٌ عَلى السُّم -V:غَمْضَةُ عَيْن
2025/08/17
الفصل 17: V- تِرْياقٌ عَلى السُّم -V:في الْمَحْيا وَ الْمَمات
2025/08/17
الفصل 18: V- تِرْياقٌ عَلى السُّم -V:فَراغ
2025/08/17
الفصل 19: V- تِرْياقٌ عَلى السُّم -V:جُنوناً أَم دَهاء
2025/08/17
الفصل 20: V- تِرْياقٌ عَلى السُّم -V:مَسلوبَةَ الْسُّبُل
2025/08/17
الفصل 21: V- تِرْياقٌ عَلى السُّم -V:دائِرةٌ دونَ مُبْتَدئٍ وَلا مُنْتَهى
2025/08/17
الفصل 22: VI- ظِلالٌ مُتَنافِرَة -VI:ضَريحُ أَسْرار
2025/10/03
الفصل 23: VI- ظِلالٌ مُتَنافِرَة -VI:نَهَمُ مُتَعَطِّش
2025/10/03
الفصل 24: VI- ظِلالٌ مُتَنافِرَة -VI:ظِلّ
2025/10/03

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة