"سيدي، ما أقوله لك سبق و تأكدت شخصياً من صحته... لا مجال للخطأ، القائد سكايلر..."
توقف التابع مرةً واحدةً يتذكر وجود الاثنين الآخرين بالغرفة، ثم أعاد نظره لغابريال كما لو يود أخذ موافقته أولاً قبل الإفصاح أمامهما
أومأ الآخر له بموافقةٍ يدعك جبينه كأن صداعاً أصابه مما سمعه
"ماذا هناك ؟ هل مات سكايلر دارنفيل؟!"
قالها غرينس بصدمة بصدمةٍ تشاركها هو و كرايس، ينظران ناحية الملثم ينتظران تأكيداً أو نفياً منه
أما هو فقد أومأ بنفيٍ يدع لهما المجال لإطلاق زفيرٍ مرتاحٍ قبل أن يختنقا به حين أردف جملته التالية:
"بل وقع في الأسر... هو الآن بسجنِ أرمارون المركزي، تحت إشراف النقيب فالدرين كارسويل.. و تحديداً، تم توكيل مهمة حراسته للملازمة إيلا فالمتور... هذا كل ما استطعت جمعه للآن"
وقع في الأسر.. بسجن أرمارون المركزي.. تحت حراسة إيلا فالمتور... لم يعلموا حتى أيّ من العبارات يجدر بهم الارتعاب على إثر وقعها
" كيف وقع في الأسر حتى؟ ذلك الرجل لا يخسر؟!"
"جيوش أرمارون قد قامت بنصب كمين، و حين وجد القائد نفسه محاصراً سلم نفسه"
رد الملثم على الماركيز كرايس بصوتٍ جامدٍ عكس الثلاثة المذعورين، قبل أن ينسحب بهدوءٍ يندمج مع ظلال الجزء غير المُنار من الغرفة يقف هناك تاركا إياهم ليستوعبوا الخبر على مهلهم
رفع اللورد غرينس رأسه بصدمة كامنة ينقل نظره بين غابريال و كرايس يقول بخفوت:
"ألم تقولا أنه لا يهزم؟ كيف بحق الجحيم وقع في الأسر؟!"
"تبا... ليس وقته يا غرينس، الأهم الآن... السجانة.. أظن أني سبق و سمعت عنها في وقتٍ سابق و أرجو أني مخطئ... هي ليست نفسها الملقبة بسوناتا الفناء أليس كذلك؟"
قالها كرايس يركز نظره على غابريال ينتظر أي تأكيدٍ منه على أنه مخطئٌ ليزفر براحةٍ حتى وسط تلك الفوضى
غير أن الآخر خيب أمله حين أومأ بإيجابٍ يؤكد حجم الكارثة اللي ستصيبهم الآن بعد الأخبار اللتي تلقوها:
"بلى، هي نفسها المعروفة باسم سوناتا الفناء"
هنا أتى دور غرينس ليُسحب لونه هو الآخر يدير رأسه لغابريال بأعين متسعة:
"سوناتا الفناء؟ أتقصد تلك الجلادة المجنونة بسجن أرمارون المركزي؟ تبا.. لا يجب أن يقع سكايلر في يدها... تلك المرأة شيطانٌ متجسدٌ على الأرض، أتعلمان كمّ القصص اللتي سمعتها عنها في زيارتي لأرمارون قبل الحرب؟ شعب مملكتها يرتعبون عند سماع اسمها فما بالك بدولةٍ معادية"
عمّ صمتٌ خانقٌ بعد جملته أثقل المكان رغم قِصَر مدّته، قبل أن ينطق غابريال ببعض الثبات مستعيداً بعضاً من هدوئه:
"مع ذلك لن تفعل له شيئاً، يستحيل أن يُسمح لها بذلك.. الآن كل ما يجدر بنا فعله هو الاستعداد للمفاوضات، جميعنا نعلم المقدار اللذي ستطلبه أرمارون مقابل عملةٍ نادرةٍ كسكايلر دارنفيل.. و بالنسبة للملازمة.. فلا مشكلة، القائد دارنفيل أيضا ليس شخصاً سينكسر تحت وطأتها"
"و ماذا عن الملك؟ هل ندير المفاوضات بأنفسنا فقط؟"
قال غرينس عاكساً الموضوع موجها سؤاله للاثنين مقابله، ليدير غابريال رأسه له بمللٍ يرفع حاجبه في وجهه باستنكار:
"و هل ترى بصيرة سيادة الماركيز غرينس خياراتٍ لا نراها نحن منخفضوا المقام و الخبرة؟"
قلب الآخر عينيه بمللٍ على سخريته يتنهد بينما يرد:
" إذن، أسنتصرف لوحدنا فقط أم نتشاور مع الملكة الأم؟"
"سنخبرها على الأرجح لكن لا داعي لرأيها في هذه الأمور... لو استيقظ الملك عما قريبٍ فسيتصرف بنفسه، عدا عن ذلك أنا و اللورد كرايس من سنتولى الأمر... أما أنت يا لورد غرينس فلديك أعمالٌ أهم تُشرف عليها"
انزعاجٌ واضحٌ ظهر على ملامح غرينس، من نبرة الآخر المتعالية كما لو كان هو الحاكم، غير أنه سارع بإخفائه أسفل قناع البرود يرفع حاجبه في وجهه باستفهام:
"أتسائل أي أعمالٍ هي الأهم حالياً من استرداد بطاقتنا الرابحة؟"
"سأخبرك لاحقاً"
قالها الآخر بهدوءٍ يعيد رأسه للخلف بتعبٍ بادٍ على ملامحه، جاعلاً من تقضيبة منزعجةٍ تجد طريقها لحاجبي غرينس للمرة الثانية، قبل أن يقف من كرسيه يستأذن:
"الآن اعذروني، مازال لدي سجلاتٌ أرتّبها قبل الغد"
أومأ له كرايس بخفةٍ كعلامة تفهّمٍ، بينما غابريال تجاهله كلياً، رافعاً يده قليلاً كإشارةٍ لتابعه الملثم ليقترب منه يهمس في أذنه بأمورٍ لا يفهمها سواهما
رمقهما غرينس بنظرة انزعاجٍ من تعاليهما عليه في كل لقاءٍ رغم أنه أعلى رتبةً من أحدهما و بنفس رتبة الآخر... و تحديداً غابريال
كان يكره الحال اللي جعله مضطراً لأخذ أوامره من رجلٍ برتبة كونت... يكره حقيقة أن ذلك المدعو غابريال دي كارفال، كان قادرا على إخباره هو الماركيز غرينس ديلثور بما يفعله... يكره قرار الملك بتعيين الكونت غابريال كموجهٍ للدولة في غيابه
غير أنه مازال عاجزاً على الاعتراض.. ففي النهاية قرارات الملك لا نقاش فيها... و لذلك اكتفى بأن أدار وجهه مجدداً بهدوءٍ ظاهري، يرفض حتى إغلاق الباب خلفه، كما لو يود إظهار تعاليه هو الآخر بطريقةٍ أو بأخرى
لكن ما لم يخطر بباله.. أن إدارة وجهه تلك لم تكن سوى إشارة الثلاثة المتبقين لرفع أنظارهم له في الثانية ذاتها، بنظراتٍ حادةٍ كأن لهم نيةً باختراق عظمه
"أغبى خائنٍ لهذا الشهر"
قالها غابريال بتنهيدةٍ يُسند فكه لقبضته بينما يحدق باللورد غرايس و هو يغادر بخطوات ثابتة يلتفت حوله بحذر بين الحين و الآخر
نظراته.. نبرته.. حتى وضعيته تغيرت... كأنه كان ينتظر الخائن ليغادر كي يظهر جانبه الآخر... الجانب اللذي اختاره الملك ليكون نائبه... شخصية الكونت دي كارفال الأخرى.. و اللتي لا علم لأحدٍ بما إن كانت هي الأخرى شخصيته الحقيقية، أم مجرد قناعٍ آخر
"لا... زوجة البارون ألدوفريك من حازت على اللقب الأسبوع الماضي"
رد كرايس بشبح ابتسامةٍ على شفتيه، بعد أن انقلبت شخصيته الجدية هو الآخر، يبدأ نقاشه الحقيقي مع غابريال... نقاشهم الساخر الجدي
أما غابريال، فقد أمال رأسه قليلا يتنهد بخيبةٍ واضحةٍ ينبس بملل:
"صدقتَ أيضاً أنها قُتلت بسبب الخيانة؟"
قضب الآخر جبينه بغير فهمٍ يردف بتساؤل:
"و لمَ قتلتها إذاً ؟"
"من قال أني قتلتها؟"
"تبا... ألست من أعلن أنك قتلتها وهي تحاول الهرب بعد إيجادك لرسائل بختمٍ أرماروني في أحد أدراجها؟"
"حسنا، من الواضح أنها كانت كذبة... كل ما فعلته تلك الليلة كان طمس الأدلة"
صمت لوهلةٍ يأخذ نفساً بينما أطراف شفتيه تتسع في ابتسامةٍ أعرض كما لو يسترجع أحلى ذكريات حياته، قبل أن يردف بخفوتٍ يجيب سؤال كرايس قبل حتى أن يطرحه:
"رغم ذلك، لا يمنع أنها تستحق اللقب أكثر من غرينس... الساذجة غازلتني أمام زوجتي في حفل الماركيز... هذا و هي تعلم من تكون إليثيا فالتران"
شفتا كرايس فرقتا في لحظة استيعاب.. قبل أن يومئ برأسه ببطءٍ كعلامةٍ على فهمه.. ثم ابتسم ببعض السخرية يرفع يده لمستوى صدره:
"فلينجينا الرب من غيرة إليثيا فالتران"
قالها بنبرة ساخرةٍ يرفع عينيه للسقف الأرجواني، تزامناً مع رسم يديه لحركة الصليب على صدره
قبل أن يخفض نظره لغابريال يجده يحدق به بجاحبٍ مرفوعٍ ينطق بلهجة تهديدٍ واضحة:
"فلينجي الرب لسانك لو تلفّظ باسم زوجتي دون ألقابٍ مجدداً"
فهم الآخر سريعا يزيل بسمته يحمحم قبل أن يعيد مصححا:
"قصدت.. فلنيجينا الرب من غيرة الكونتيسة إليثيا دي كارفال ني فالتران"
عادت ابتسامة غابريال لتزين ثغره، يتذكر ما حلّ به تلك الليلة بعد انتهاء الحفل و عودتهم للقصر...
كان قد توقع ما سيحدث سلفاً منذ رأى نظراتها له و لزوجة البارون و هي تسمع حوارهما.. منذ تلك اللحظة علم أن لا خيراً سيحل بأيٍ منهما، حتى بعد أن سمعته بوضوحٍ يصدها عنه لم تكن لتمرر الليلة بسلام... و هو علم ذلك
خصيصا لأجل ذلك، سارع بالتسلل لغرفة نوم البارون يخبأ هناك الأظرفة التي أحضرها معه احتياطاً لأي موقف كذاك
لأنه علم أن زوجته لن تنتظر انتهاء الحفل لتصفية حسابها
و طبعاً كزوجٍ صالح... ما دوره إن لم يلبس نفسه الجريمة بدلها؟
"و ها هو الخائن يغادر لإيصال أخباره الجديدة"
قُطع شرود غابريال على جملة كرايس المحدق بجسد غرينس الشبه مختفٍ في الظلال، و هو أمام منعطف زقاقٍ يوشك على أخذه ليختفي تماماً عن أنظارهم
حدق به هو الآخر لوهلة، قبل أن يقهقه في لحظةٍ من الدهشة من ردّ فعله الغريب مرت على كرايس ينقل أنظاره المتسائلة نحوه
و حتى هذا الأخير لم تطُل ضحكته الجرداء، بل سرعان ما نبس بابتسامةٍ يهز رأسه موضحاً سبب ضحكه دون إزاحة أنظاره عن غرينس:
" من قال أنه سيغادر؟"
تزامناً مع نهاية جملته، التف غرينس يخطو أول و آخر خطواته في الزقاق الخالي..
كون جسده قد هوى على الأرض مضجوجاً بصوت سقوطه في هدوء المكان، تاركًا خلفه أثرًا من دمائه التي امتزجت بتربة الزقاق، وكأنها آخر لمسة له على هذه الأرض التي شهدت سقوطه
أمّا الوجوه الثلاث اللتي راقبته من بعيد... أحدها ابتسم برضاً من نتائج تعليماته... أحدها اتسع بؤبؤه في صدمةٍ مما شهده... بينما الملثمة منها لم تظهر سوى أعين داكنةٍ ثابتةٍ دون أدنى مشاعر، كون الجثة سقطت بإشارة منها
del_lina__dod