تنفست بعمقٍ تنفض أفكارها، قبل أن ترفع نظرها إلى الجندي الواقف مقابلاً لمكتبها... كان أحد الناجين من المعركة الأخيرة.. أحد الذين شهدوا سقوط الملك القرمزي بأمّ أعينهم
لقد قررت أنها ستدرس كل ظهورٍ لسكايلر دارنفيل، حتى و إن لم تكن حاضرةً فيه... علّها تجد أجوبةً لبعض أسئلتها
"احكِ لي" قالت، نبرتها هادئةٌ خاليةٌ من جنونها المعتاد "كل شيء... منذ اللحظة الأولى للهجوم حتى لحظة القبض على سكايلر دارنفيل"
أومأ الجندي، شدّ قامته كما لو كان يقف أمام لواء، قبل أن يبدأ بسرد التفاصيل المملة للمعركة، منذ اتفقوا على الخطة حتى بدأوا بالتّنفيذ
بينما هي تستمع باهتمام تحرك الكأس في يدها يمين شمال، ترتشف منه من الحين للآخر بمللٍ عكس انتباهها الكلّي مع القصة
كيف تحركت فرق أرمارون كالظلال منقسمةٍ لفرقٍ بهدف مباغتة الجيش بقيادة الملك القرمزي، بعد أن تم تسريب معلومات لهم من طرف جاسوسٍ داخلي... الطريقة التي قاتل بها سكايلر بمهارة آلة مصممة للقتل... حفاظه على هدوءه حتى آخر لحظات حصارهم و إدراكه لاقتراب النهاية... ثم تلك اللحظة...
"الهجوم كان منسقًا، مباغتًا... كنا نحاصر سكايلر دارنفيل ورجاله، كل شيءٍ سار حسب الخطة... سوى...."
توقف لوهلة، كأنه يعيد استحضار المشهد في ذاكرته، جاعلا من اللتي أمامه ترفع أعينها الحادة نحوه بإشارة صامتة ليكمل حديثه:
"أحد الجنود هرب... لست متأكدا من المعلومة، لكن سمعت أنه كان نائب القائد"
زمت ايلا شفتيها، تومئ باهتمامٍ تعيد ظهرها للخلف براحة، ثم تنبس بخفوت بينما تقرب كأس الشراب من شفتيها:
"رومان.."
ارتشفت نصف ما تبقى من الكأس دفعةً واحدة تغمض أعينها بانتشاء، قبل أن تفتحها من جديدٍ تنقلها للجندي المرتعب أمامها... والذي لسببٍ ما امتلك كامل الحق في ذلك
كانت مجنونةً و هي صاحية، فما بالك لو ثملت
أدركت هي ذلك سريعاً من ارتعاشةٍ طفيفةٍ لمحتها في يده اليسرى، قبل أن يدسها في جيبه في محاولة لحفظ ماء وجهه كجندي حربٍ أمام السّجانة المجنونة
هو لم يكن سجينها حتى فما باله؟
اخفت ابتسامتها الساخرة تضع ملامحها الجدية في الواجهة، تبعد أنظارها عنه ناحية كأس الشراب خاصتها قبل أن تنبس بنفس الخفوت كما لو تكلم نفسها:
"إذن... ذلك الجرذ لا يجيد سوى الهرب على حساب قائده في كل مرة... لو كنت مكان دارنفيل لقتلته قبل أن يتكاثر و يفسد الجيش بأمثاله"
تنهدت تمسح آثار أحمر شفاهها من حافة الكأس بشرود، تردف بنفس النبرة اللتي جعلت الجندي مباشرةً يعلم أن دوره انتهى و أن تلك لم تكن سوى آثار الثمالة جعلتها تبدأ في الحديث مع نفسها:
"... مع ذلك دارنفيل لا يبدو كمن سيضحي لأجل غيره... لا أصدق، لا رابطة دم بين الاثنين أليس كذلك؟"
أومأ الجندي برأسه مؤكدا افتراضها أنهما لم يكونا بإخوةً أو أبناء عم أو أياً من ذاك القبيل، كون من قوانين فولكاينا، عدم السماح بوجود جنديٍ تحت قيادة قريبٍ له، لمنع أي نوعٍ من التحيز أو غلبة العاطفة بين المجنّدين
رفعت حاجبيها باهتمامٍ تتمتم لنفسها قبل أن ترتشف ما تبقى من كأسها:
"إذن لمَ؟"
وضعت كأسها بقوةٍ على المكتب جاعلةً من الجندي ينتفض خوفاً من أي حركةٍ مجنونةٍ قد تقوم بها
قبل أن يسقط قلبه بين أحشائه حين لمحها تقف من مكانها و على وجهها ابتسامة مريضةٍ نفسيةٍ هاربةٍ من سجن المصحة، بينما تستند بكفيها على المكتب
"يا إلهي... منذ متى يؤثر بي النبيذ بهذه السرعة؟ كدتُ أنسى أني أملك أوثق مصدرٍ معرفيٍّ بين يديّ"
قالتها بتنهدٍ من حالها المزري اللذي أوصلها للتأثر من بضع كؤوس نبيذٍ بعد أن كانت تستهلكه أكثر من المياه، ثم استقامت تسحب معطفها الأسود الطويل ترميه على كتفيها قبل أن تلتقط بعده قارورتي نبيذٍ من المكتب، و أخيراً تتجه بخطواتٍ سريعةٍ نحو الباب مغادرةً حجرة المكتب
مارّةً بالجندي المتسمر اللذي تكاد تجزم أنه تنفس فقط حين سمع صوت بابٍ بعيدٍ يُفتح دليلاً على نشوب مسافة الأمان الكافية بينه و بينها
بجدية... هي لا تعذب جنود دولتها فلمَ يخافونها؟
لحسن الحظ رأسها يستضيف أسئلة أهم في الوقت الحالي ولا وقت للتفكير بتفاهات كأسباب سمعتها السيئة الظالمة لكيانها الرقيق
خطواتها غير مسموعة في هدوء الليل تنتقل من ممرٍّ لآخر و بسمة مستمتعة تشق ملامحها بينما تجاهد لارتداء معطفها مع القارورتين في يدها
وقفت أمام الباب الحديدي الخاص بخلية الزنازين، أومأت للجندي على الجانب بإشارةٍ خاصة منها لفتح البوابة بحذرٍ دون التسبب بأدنى صوت
لتلك الدرجة كانت مراعية لراحة مساجينها!
فُتح الباب كما طلبت تماما، استقبلها الظلام الدامس للمكان، و لأول مرة، ذكرياتها معه لم تكن الأفضل... حبيبها الخائن
و لأنه خانها أولا، قررت طعنه أيضا بأخذ مصباحٍ زيتي تكسر به سيطرته على المكان
تقدمت بخطواتها منعدمة الصوت تمر بين الزنازين الراكدة، لو لم يكن في جعبتها أعمالٌ أهم في الوقت الحالي، لابتدأت حفلة الفجر معهم برصاصةٍ في السقف
دقائق معدودةٌ على اليد... وها هي في أعمق نقطةٍ لعرينها
del_lina__dod