(الفصل الثامن وعشرون) في ظل صمتها وتفكيرها هذا دخل عليها باسل ليجدها شاردة، سألها والقلق يعتلي ملامحه: -مالك ياحبيبتي في حاجه ولا إيه؟ فاقت حياة من شرودها على سؤاله لتتنهد قبل أن تجاوبه: -بفكر في الشخص اللي اسمه وليد دا، قلبي مش مرتاحله خالص مش عارفه ليه. ليضحك باسل وهو يضع أحد ذراعيه على كتفيها: -ولا يهمك، هتلاقيكي بس غيرانة عشانه قاعد مع نادر، ماخلاص بقيتي بتغيري على نادر من أي حد.. بس عمومًا أدينا هنجربه يومين زي ماقال، لو مالقيناش من فايدة هنشكره ونخليه معتش يجي هنا تاني. ابتسمت حياة بعدم رضا وصمتت. *** في شقة إبراهيم كانوا يجلسون هو و مي، لتسأله مي ب فضول: -ها طمني، إيه الأخبار؟ -أخبار زي الزفت ياستي، البت شكلها بتموت فيه ومفيش حاجه ممكن توقعهم في بعض، دا انا لسه باخد وأدي معاها في الكلام وبفتح معاها الحوار بتاعهم، لاقيتها هبّت فيا زي أمبوبة البوتجاز! البت دي مش هتيجي بالتراضي أبدًا. تنهدت مي قبل أن تردف إليه: -يبقا تيجي بالغصب! جاوبها إبراهيم بتساؤل: -إزاي مش فاهم؟ -يعني مادام البت أصيلة أوي كدا ومجتش معاك سكة، يبقا تعمل لها أي حوار يوقع بينها وبين باسل، بس أهم حاجة ميكونش حوار مقفوش عشان حقيقتك متتعرفش ويعرفوا أنت مين ونروح في داهيه، أنت لو تعرف عيلة باسل الغريب لو يعرفوا إنك إبراهيم اللي انا خونت إبنهم معاه هيعملوا فيك إيه، مكنتش أبدًا هتفكر حتى إنك تخش بوابة بيتهم! ليبتسم إبراهيم بسخرية ثم يجاوبها: -وأنتِ يعني خونتيه معايا ليه، من حُبك فيا؟ ماهو كله علشان الفلوس ياقُطة.. وسيبتيني ورجعتيله علشان برضو الفلوس، أنتِ عمرك ماحبيتي قد الفلوس يامي، حتى باسل الغريب رجعتيله علشان فلوسه كترت وملاقيتيش غيره قدامك، ولما لقيتيه بيصدك علشان خاطر اللي إسمها حياة، كرامتك إتجرحت، وقررتي تثبتي لنفسك إنه بيحبك أنتِ، بس بقا اللي انا شايفه، إن الكتكوت بتاعك دا مبيحبش غير القُطة اللي إسمها حياة، وإن كل اللي بنعمله دا، في الفاضي. نفثت مي دخان السيجارة التي كانت بيدها، ثم رمقت إبراهيم بنظرة غاضبة قبل أن تتجاهل الرد عليه، لأنها لا تستطيع تكذيب كلماته، ف كلها صحيحه. *** مرت شهور عديدة، ومازال إبراهيم بين عائلة الغريب بشخصية وليد، ماجعلهم يتركوه بينهم، هو تحسُن نادر على جلساته، التي بالأساس هي تحت إشراف صديق إبراهيم طبيب التخاطب، كان كُلما أتاحت له الفرصة بالتقرب من حياة أو فعل أي مشكلة بينها وبين باسل، كانت حياة تمنع ذلك حتى دون أن تشعر. حتى أستاؤوا مي وإبراهيم: -أنا خلاص زهقت، بقالي أكتر من 4 شهور بينهم، كل ما أحاول أقرب من البت اللي اسمها حياة دي أو أوقع بينها وبين باسل، هي بتصدني وبتفصل الكلام، أنا كان عندي حق لما قولتلك مفيش منه فايدة اللي بنعمله، أنا هختفي من حياتهم بشخصية وليد، كفايه لحد كدا، لو عرفوا شخصيتي الحقيقية هيدفنوني حي. أنهى إبراهيم حديثه، لتجاوبه مي بعدها بغضب: -أنت إتجننت !! مينفعش تختفي من حياتهم بشخصية وليد مرة واحدة، كدا هيشكوا فيك وهيعرفوا إن كان وراك حاجه، أنت هتروح لهم لآخر مرة، وهتقولهم إن خلاص نادر إتحسن كتير عن الأول، وإن دي هتكون آخر جلسة هتعملها معاه، وبعد كدا إختفى زي ما أنت عايز، وسيب بقا موضوعهم دا عليا أنا. *** وبالفعل ذهب إبراهيم إليهم، وبعد إنتهاء الجلسة وقف يتحدث معهم ليخبرهم بتحسُن نادر، ليجاوبه باسل بابتسامة: -طيب كويس أوي، والله مش عارف أقولك إيه يادكتور، بس عمومًا معرفتنا مش هتنتهي لحد هنا، وإن شاء الله فرح أختي مودة الأسبوع الجاي، هنستناك أوعى متجيش. إبتسم إبراهيم وهو يوجّه حديثه نحو مودة: -ألف مبروك يا أنسة مودة، أكيد طبعًا هاجي الأنسه مودة زي أختي بالظبط. تركهم إبراهيم وغادر وعلى ثغره إبتسامه خبيثه، بينما يردد بداخله "شكل الفرصة جاية ولا إيه؟" *** في حفل الزفاف كان الجميع موجود ويغمرهم السعادة والأحتفال بزواج مودة وإياد، وبعد وقت قصير جاء إليهم إبراهيم وبارك للعروسين، ثم إتجه للعائلة ونظره لم ينزاح عن حياة، التي كانت ترتدي فستان طويل قماشته ستان لامعة، لونه أبيض يزينه بعض اللؤلؤ من الأعلى، وتترك شعرها منسدلاً على كتفيها، تاركة وجهها بملامحه البريئة يزيدها جمالاً. جلس إبراهيم معهم يتحدثون سويًا ثم تركتهم حياة واتجهت نحو مودة، التي كانت عروس في غاية الجمال. وبعد فترة شعرت حياة بأنها تختنق من شدة إزدحام القاعة، فأخذت حالها وهرولت خارج القاعة لتلفظ أنفاسها، فلاحظ إبراهيم خروجها وحدها، "هي دي فرصتك يا إبراهيم". هذا ماقاله إبراهيم لنفسه، لاحظ أيضًا إنشغال العائلة مع بعضهم ف تركهم وخرج ورائها. ليجدها تقف وحدها بالخارج: -مدام حياة؟ إلتفتت لتجده أمامها، تحوَّلت ملامحها للضيق: -أفندم؟ -في مشكله أو حاجه؟ شايف حضرتك خرجتي من القاعه، أنتِ كويسة؟ تنهدت حياة قبل أن تجاوبه: -ممكن أسألك سؤال؟ هو حضرتك معندكش أي دم خالص؟ هو انا كام مره قولتلك ملكش دعوه بيا وروح إتسلى بواحدة غيري، أنا واحدة متجوز يادكتور وليد، واللي أنت بتعمله دا انا عارفاه كويس! تقرّب منها إبراهيم ببطئ ثم أردف إليها: -على فكرة أنتِ فهماني غلط.. أنا... قاطعته حياة قبل أن يكمل حديثه: -ولا غلط ولا صح، عن إذنك. قبل أن تدخل للقاعه مجددًا، أمسك إبراهيم بيدها وجعلها تقف أمامه: -أنا بحبك ياحياة ! إتسعت عينان حياة من تجرأه لفعل ذلك الأمر، سحبت يدها من يده سريعًا، ولكن كان فات الآوان، فهناك من كان يصورهم، بطلب من إبراهيم، صفعته حياة على وجهه بشدة، ثم هرولت للقاعه مجددًا، كان الآخر يتألم من شدة الصفعة، ولكنه في ذات الوقت كان يشعر بالسعادة، لأنه فعل ماكان يريد. دخلت الأخرى مسرعة للمرحاض، تضع يدها على قلبها من خوفها لأحدًا كان يراها في هذا الوضع مع إبراهيم، ماذا كانوا سيظنون ياترى؟ بعد ماهدأت خرجت من المرحاض، بحثت عن ذلك الوغد الذي يدعى إبراهيم، ولكنها لم تجده، فبالتأكيد فعل فعلته وهرب للأبد، ولن يعود لحياتهم ثانيًا مرة أخرى. *** إنتهى حفل الزفاف وذهبوا العائلة ليودعون مودة وإياد فهُم سيسافروا إلى الغردقة لقضاء شهر العسل هناك. فكان الجميع يضحك معهم ويتحدثون معهم، أما حياة فكانت غاضبة من مافعله إبراهيم معها. غادروا مودة وإياد، وغادر البقية للمنزل، ليتحدث زين وهو يجلس على المقعد بالحديقة: -ياه، والله البت مودة كانت عاملة حِس للبيت. لتضحك والدته وهي تردف إليه: -بكرا أنت وأخواتك وبقيت شباب العيلة تتجوزوا، ومعتش هيبقا للبيت حِس نهائي. ليجاوبها إبنها الآخر عادل: -لا متجمّعيش ياماما، انا مش هتجوز، انا قاعد على قلوبكم للأبد. ضحك الجميع على جملته، لتجاوبه ثرية والدة باسل: -لا ياشيخ؟ أهو كله كلام، بكرا نشوف. إستأذنت منهم حياة وصعدت لغرفتها، ليتبعها باسل وصعدوا سويًا، فور دخولهم ألقى باسل بسترة البدلة الذي كان يرتديها، ثم أحتضن حياة وهو يبتسم: -وحشتيني. ابتسمت حياة ولكن سرعان ما إختفت تلك الابتسامة، نظرت إليه بقلق ثم تحدثت: -باسل !! انا عايزة اقولك حاجه حصلت النهاردة. -إيه هي ياحبيبتي؟ كانت ستتحدث وتبوح له عن ما فعله إبراهيم، لولا تلك الرسالة التي جاءت لهاتفه: -ثانية واحدة. أمسك بهاتفه يقرأ الرسالة، ليجدها الصورة التي ألتقطها إبراهيم لهم هو وحياة، وأسفلها رسالة من رقم مجهول: -الظاهر إنك ملكش حظ في الجواز ياباسل بيه، معقول كله مراتاتك يخونوك؟
رنَـا محمود